تعتبر BMW من أهم شركات صناعة السيارات في العالم، والأمر ليس بالجديد لكن الجديد أن عدد موظفي هذه الشركة يتجاوز الـ 100 ألف موظف في مصانعها المنتشرة حول العالم، وبناء على الدعوة الخاصة التي وجهتها الشركة لـ «البيان» لزيارة أحد مصانعها الواقع في مدينة ميونخ الألمانية، وتعرف على قصة تصنيع سيارات BMW ابتداءً من الصفائح المعدنية المصقولة إلى فخامة القيادة على الطرقات.

ويعلم كل سكان مدينة ميونخ موقع مصنع BMW ويفخر معظمهم بمعرفة أحد يعمل فيه، كما أن الكثير من الطلاب يصبون إلى وظيفة شاغرة في هذه الشركة بعد التخرج، لما توفره من راحة نفسية للموظف بالإضافة إلى خبرة تمكنه في العمل بأي مصنع سيارات في العالم بعد أن يضع خبرته العملية مع الصانع العملاق في سيرته الذاتية. لكل عمل سر نجاح، وخلال جولة «البيان» في أرجاء مصنع BMW اكتشفت هذا السر الذي يتجسد في الدقة بكل شيء لأبعد الحدود، فكلمة الخطأ، كلمة ليست واردة في قاموس هذا المصنع، وبالنظر إلى كيفية خطوات العاملين أثناء عملهم، تحسبهم مسحورين فكل ما يشغلهم هو الدقة في التركيب. ورغم العدد الكبير للعمال داخل قاعة المصنع، لا تسمع صوتا لبشر، بل صوت المكنات فقط، وهي تجسد ملحمة موسيقية رائعة، تعزف دون «مايسترو».

وخلال الجولة التي قمنا بها في أرجاء المصنع، لم يلتفت أحد من العاملين لوجودنا، وكأننا خفيون أو غير مرئيين، فالكل منهمك في عمله «كجنود سليمان عليه السلام»، وتشعر أنه ليس بينهم أي أحاديث مشتركة فالهدف من تواجدهم هو التركيز على جودة المنتج، وإنجاز العمل المكلف به كل عامل، فإن تأخر ولو للحظة، يتأخر خط الإنتاج بأكمله فللثانية قيمة كبيرة عند هؤلاء القوم. وقد خصص هذا المصنع لتصنيع الفئة الثالثة بكل طرزها وهي: Saloon وTouring وCoupe وCabrio، وهذه الفئة قد جاءت في صدارة المبيعات بين موديلات BMW، وتفوقت على مبيعات منافساتها من السيارات الأخرى للعام 2007. فقد تم بيع 555219 سيارة BMW من الفئة الثالثة وبنسبة نمو قدرها 2. 9% بالمقارنة مع عام 2006، التي وصلت مبيعات هذه الفئة إلى 508479 سيارة.

منذ البداية: تأتي الصفائح المعدنية على شكل بكر، ومنذ البداية يتم التأكد من دقة كل صفيحة على حدة بعد أن تقص وتذهب إلى المكبس لتخرج وقد اتخذت شكل قطعة مألوفة بهيكل السيارة. وسيراً مع خط الإنتاج يجتمع أكثر من 42 روبورتا يعملون معاً لتجميع هذه السيارة بدقة متناهية وبمقاسات مدروسة لأبعد الحدود، وبأقل من دقيقة تجمع السيارة ويتم التأكد من أن التجميع قد تم بأعلى المعايير، ثم تتابع السيارة مسيرتها على خط الإنتاج إلى المرحلة التي تليها. وبعد عملية التجميع، وخلال «الكود» الموجود على كل سيارة وبشكل أوتوماتيكي تعلم كل سيارة طريقها، إن كانت كوبيه أو سيدان أو ستيشن، وما هو المحرك المعتمد فيها وأي نوع من أنواع التقنيات ستتوفر فيها وإن كانت الأسواق الأميركية أو دول الخليج. وبعد سير كل سيارة على خطها المحدد يتم تركيب القطع بالتناوب من خلال مهنيين مهرة، يهتمون بشيء واحد أثناء عملهم ألا وهو جودة التصنيع.

نهر في أروقة المصنع

أكثر ما يهم الصانع الألماني هو موضوع البيئة والحفاظ عليها سليمة، ومن هذا المنطلق صممت BMW داخل مصنعها نهرا اصطناعيا يجري بسرعة الأنهار الكبرى، وهذا النهر تعتليه غرفة صبغ أو طلاء السيارات، ليبدأ الرجال الآليون بالعمل وهم يعرفون أي نوع من السيارات واقفة لتصبغ، من خلال عين مثبتة داخل الغرفة تحول الصورة إلى معلومات عن موديل السيارة إن كان كوبيه أو ستيشن أو سيدان وعلى أساسها يتم الصبغ.

وبعد صبغ السيارة من خلال العمل المتناغم بين أيدي الرجال الآليين، يتساقط رذاذ الطلاء على النهر الجاري، ومن ثم تتم عملية تكرير ماء النهر أوتوماتيكيا والتخلص من الشوائب بطرق متقدمة لضمان نظافة البيئة.

السيارة تنحني للبشر

أكثر ما يلفت النظر داخل المصنع هو خط الإنتاج المصمم على أن تنحني السيارة للمهني، وليس العكس، كما هو معروف، فلأن انحناء المهني سيسبب له أمراضا في عضلات جسده مع مرور الوقت، فلهذا السبب، وحرصاً على سلامة مهني BMW تنحني السيارة لهم، ومن ثم يقوم المهني بدوره وهو واقف بالوضعية الصحية، بتركيب قطعة من قطع السيارة.

ولكل مهني عمل محدد يجب أن يقوم به خلال سير السيارة على خط الإنتاج في منطقته ليقوم بتركيب القطع المنسوبة له بدقة وإتقان خلال وقت محدد، ومن بعدها يقوم بتركيب القطعة الثانية للسيارة التي تليها، وهكذا يسير خط الإنتاج لتنتهي السيارة إلى مرحلة، التجفيف داخل الفرن الحراري الذي يعتمد على أفضل التقنيات لمنع الصدأ وإظهار جمالية اللون واستمرارية بريقه مع مرور الوقت.

قسوة الطبيعة

وبعد عملية الطلاء تخرج السيارة مستعدة لقسوة عوامل الطبيعة واستمرار بريق لونها لأطول فترة ممكنة، ومن ثم يقوم فنيي الميكانيك بتثبيت المحرك وعلبة التروس والعادم وأجزاء ميكانيكية أخرى. ثم يأتي دور مهندسي الكهرباء الذين يقومن بتركيب وتوصيل دارة كاملة، وبعدها تثبت المصابيح الداخلية والخارجية وتوصيلات الجهاز الموسيقي ولوحة العدادات.

ومن ثم تثبيت زجاج السيارة آلياً، ومن بعدها تركيب المقاعد يدوياً مع الانتباه لأدق التفاصيل. وبعد تركيب المقاعد وخلال سير السيارة على خط الإنتاج، يتم تركيب لوحة القيادة وحشيات الأبواب، ومن ثم تركيب الأجهزة الموسيقية ومفاتيح التحكم، وبعد هذه الرحلة تتم عملية الفحص النهائي، ومن ثم إرسالها إلى مراكز العرض المنتشرة في أرجاء العالم.

الجنس اللطيف

يعمل في المصنع ما نسبته 30% من الجنس اللطيف، وتوكل لهن بعض الأعمال التي لا تتطلب جهدا كبيرا، وتتطلب دقة بالعمل وصبرا. وهنالك عدد من الفتيات يقمن بالعمل على خط الإنتاج وبعضهم يقوم بعملية خياطة الجلود بشكل دقيق ومتقن، وفي الطابق العلوي قسم خاص لخياطة جلود المقاعد ولوحات القيادة، أما أمهر الخياطين فيعمل على خياطة جلود المقود وهذه العملية الأكثر تطلباً للمهارة والصبر والدقة.

ولا تعترف BMW بالقول إن الجنس اللطيف رقيق ولا يمكن الاعتماد عليه بالأعمال التي تحتاج للدقة، وهم محقون لأن الشقراوات الألمان قادرات على فعل كل شيء، ويساعدهن على هذا قاماتهن الطويلة وأجسامهن القوية ورباطة جأشهن، وإصرارهن على الدقة وسعيهن المتسمر للوصول إلى الكمال.

الطاقة الإنتاجية

وعن الطاقة الإنتاجية للمصنع، تقول الفتاة التي اصطحبتنا في هذه الجولة، تصل الطاقة الإنتاجية للمصنع في اليوم الواحد إلى تصنيع 100 سيارة، وعن القدرة الإنتاجية السنوية قالت: «من الصعب تحديد القدرة الإنتاجية السنوية لأن بعض السنين تكون أطول من الأخرى، كما أن الإجازات الرسمية تتفاوت بين السنة والأخرى، ولهذا السبب لا يمكن أن أعطي جوابا دقيقا بعدد السيارات التي يمكن إنتاجها في السنة الواحدة».

وهذا الجواب يدل على الدقة التي تلتزم بها هذه الفتاة، التي كانت تشرح لنا عن مراحل التصنيع لدرجة أننا اعتقدنا أنها لا تعرف بحياتها إلا عن BMW، كما أن حبها لعملها جعلها فخورة ومستمتعة بكل يوم تقضيه داخل المصنع فقد باتت جزءا منه.

ميونيخ ـ راشد دبدوب