قال محللون إن الأزمة التي تعرض لها ثاني أكبر المصارف الفرنسية أول من أمس الخميس جراء تكبده خسائر تقدر بنحو 2. 7 مليارات دولار، فتحت المخاوف من تكرار أزمة بنك الائتمان والتجارة الدولي الذي تعرض لمشكلات ألقت بظلالها على مستقبله المالي. لكن حاكم البنك المركزي الفرنسي كريستيان نواييه أكد أن «النظام المصرفي الفرنسي صحي تماما ومتين جدا» في مواجهة أزمة قروض الرهن العقارية.

وقال نواييه لإذاعة «ار تي ال» الفرنسية «نعرف ما هي المخاطر» التي تتعرض لها البنوك الفرنسية إزاء أزمة قروض الرهن العقارية المخاطرة و«لا داعي لأي قلق». وتابع «إن تأثر المصارف الفرنسية يعد نسبيا ضعيفا في كل الحالات وكل المدخرات الضرورية في كل مصرف تم توفيرها أو سيتم توفيرها في الأيام المقبلة». ولدى تطرقه لقضية الاحتيال التي تعرض لها مصرف «سوسيتيه جنرال» وسببت، مع أزمة قروض الرهن العقاري خسائر للمصرف بقيمة سبعة مليارات أكد حاكم البنك المركزي الفرنسي ان حسابات هذا المصرف تم «تطهيرها» و«المصرف أصبح أكثر متانة اليوم». وأوضح «لن يخسر أي زبون أي شيء ولن يتم اللجوء إلى أموال الضرائب والدائنين لن يحصل أي تغيير لهم».

وأضاف نواييه الذي قال الخميس في مؤتمر صحافي عاجل عقد اثر الكشف عن قضية سوسيتيه جنرال انه «بإمكان المقترضين مواصلة الاقتراض» من بنك سوسيتيه جنرال. وأكد نواييه أن خسارة المصرف خمسة مليارات يورو عزاها المصرف إلى عملية احتيال «لا علاقة لها بأزمة قروض الرهن العقاري المخاطرة ومع الصعوبات في أسواق المال العالمية بشكل عام».

وأعلن مصرف «سوسيتيه جنرال» أحد اكبر ثلاثة مصارف في فرنسا الخميس انه خسر سبعة مليارات يورو منها خمسة مليارات تسبب فيها بحسب المصرف، مضارب يعمل لحساب البنك يبلغ 31 عاما من العمر في أضخم عملية احتيال في تاريخ المعاملات المالية في العالم. وقال البنك ومصادر مطلعة إن المتعامل المتهم بالمسؤولية عن أكبر عملية احتيال مصرفي في العالم هو مصرفي صغير استغل معرفته الوثيقة بنظم التحكم في المخاطرة بالبنك لإخفاء شهور من المعاملات غير القانونية.

وقالت مصادر داخل البنك إن المتعامل يدعى جيروم كيرفيل (31 عاما) وهو موظف بمكتب مشتقات الأسهم الأوروبية في مقر البنك بباريس ويقل راتبه عن 100 ألف يورو (146500 دولار) سنويا. واتهم سوسيتيه جنرال المتعامل بتكوين مراكز «احتيالية هائلة» في 2007 و2008 على مؤشرات الأسهم الأوروبية مما كبد البنك خسائر قدرها 9. 4 مليارات يورو أثناء تصفية المراكز في أسواق شديدة الاضطراب.

وقال عضو رفيع بمجلس إدارة البنك إن كيرفيل «لم يكن نجما» لكن كريستيان نوييه قال للصحافيين بأن المتعامل «محتال عبقري». ولم تكتشف المشكلة إلا في مطلع الأسبوع وقد اجتمع كيرفيل نفسه مع مسؤولي البنك وجها لوجه بينما كانوا يحاولون كشف شبكة الخداع التي تخترق كل آليات السلامة في البنك التي يفترض أنها متقدمة. وقال نوبيه «اتضح أن هذا كان ممكنا لأن كيرفيل شخص على دراية بنظم التحكم الداخلية من وظيفته السابقة وهو بدون شك عبقري في الحاسبات الآلية».

وانضم كيرفيل إلى سوسيتيه جنرال عام 2002 وكان يتعامل في واحدة من أبسط الأدوات المالية ضمن عالم المشتقات المعقد وهي العقود الآجلة على مؤشرات الأسهم الأوروبية. ويبدو أن كيرفيل ضارب بشكل واسع وخاطئ على صعود في مؤشرات الأسهم الأوروبية.

وقدر مصدر بالبنك أن الخسائر كانت مليار دولار فقط مطلع الأسبوع الماضي لكنها تفاقمت سريعا عندما تحرك سوسيتيه جنرال لتنظيف دفاتره يومي الاثنين والثلاثاء مع تدهور أسواق الأسهم الأوروبية، لتصل إلى 7 مليارات دولار في ظرف 5 أيام. وقال دانيال بوتون رئيس مجلس إدارة سوسيتيه جنرال في مؤتمر صحافي «هذه الخسائر كان من الممكن أن تصبح مكاسب لو ارتفعت السوق يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء».

وباعتباره موظفا صغيرا كانت هناك قيود صارمة على المراكز التي يستطيع تكوينها لكنه كان يعرف كيف يتجاوز هذه القيود بعد خمس سنوات أمضاها في مكتب العمليات الإدارية وإدارة المخاطر بالبنك في بداية حياته الوظيفية. وقال سوسيتيه جنرال في بيان «لقد تمكن من إخفاء هذه المراكز عن طريق مخطط من العمليات الوهمية المتعمدة». لكن زملاءه متحيرون بشأن دوافعه.

وقال مسؤولون انه لا يوجد ما يشير إلى أنه كان يحاول سرقة البنك أو أنه كان يعمل مع شخص آخر. وقال بوتون «دوافعه غير مفهومة تماما. لا يبدو أنه كان سيتربح مباشرة من هذا الاحتيال الهائل». وشوهد كيرفيل للمرة الأخيرة في سوسيتيه جنرال يوم الأحد. وهو مختبئ منذ ذلك الوقت بينما تطارده الشرطة والصحافة. وتظهر صورة له من موقع تداول الكتروني شابا جادا يحدق في الكاميرا بتجهم وهو يزم شفتيه.

ولكيرفيل حساب في الموقع الاجتماعي فيسبوك.كوم. وعندما كشفت هويته بعد ظهر اليوم كان لديه 11 صديقا على قائمته. وتراجع العدد إلى أربعة بعد ساعات. وخسائر سوسيتيه جنرال هي الأكبر في تاريخ المؤسسات المالية التي يسببها متعامل واحد وتتجاوز كثيرا خسائر قدرها 4. 1 مليار دولار ألحقها المتعامل نيك ليسون ببنك بارينجز البريطاني في تسعينات القرن الماضي لكن أوجه الشبه بين الحالتين واضحة.

ففي كلتا الحالتين كان المتعامل قد سبق له العمل بمكتب العمليات الإدارية للبنك وتعلم كل شيء عن نظم الحاسب الآلي ثم رقي إلى قاعة التداول حيث كون خسائر ضخمة تحت أنف رؤسائه الذين لم يخامرهم أدنى شك.

وقال استشاري نظم أمنية لدى شركة خدمات متخصصة في لندن «معرفة أي شيء تصبح أمرا خطيرا إذا وقعت في أيد غير أمينة وإذا كنت تعرف ما هي القيود الأمنية فإن الالتفاف حولها يصبح أسهل». غير أن كثيرا من المصرفيين مندهشون لعدم اكتشاف رؤسائه المشكلة مبكرا.

وقال رئيس تداول المشتقات ببنك أميركي وقد طلب عدم نشر اسمه «الكل يسأل نفسه، كيف استطاع متعامل واحد فقط التغلب على كل هؤلاء الرجال الحاذقين في سوسيتيه جنرال. خمسة مليارات يورو هي خسائر هائلة. إنها تمثل مراكز بعشرات المليارات من اليورو، ربما 30 أو 40 مليارا. كيف لشخص واحد بمفرده أن يفعل هذا». وبدأت الشرطة وسوسيتيه جنرال وبنك فرنسا تحقيقات لمحاولة معرفة الإجابة.

وكان رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيلون وصف القضية بأنها «خطيرة» لكنه قال إنها ليست مرتبطة بالاضطرابات في الأسواق المالية. وقال للصحافيين إن الحكومة تتابع الوضع «باهتمام بالغ جدا جدا». وأضاف «تعرض سوسيتيه جنرال لعملية احتيال خطيرة جدا أنها قضية خطيرة ولكن في نفس الوقت قضية ليس لها علاقة بحالة الأسواق المالية.

اعرف أن سوسيتيه جنرال حقق رغم عملية الاحتيال هذه نتائج ايجابية واعرف أنهم اتخذوا إجراءات مهمة لمواجهة هذا الوضع واعرف أن البنك المركزي الفرنسي أشار إلى عدم وجود أي قلق في التضامن مع هذه المؤسسة المصرفية وأنا فخور بذلك واعتقد أن الحكومة الفرنسية تراقب هذا الوضع عن كثب».

«قشعريرة» في الأوساط المالية

سرت قشعريرة في أوصال صناعة البنوك العالمية اثر كشف البنك عن عملية الاحتيال حيث عبر الكثير من الأشخاص عن ارتيابهم في العملية. وقال موظف في مقر سوسيتيه جنرال «الأمر الذي يبعث على الصدمة هو أن الأمر دبره شخص بمفرده. هناك الكثير من الإجراءات السليمة في هذا البنك والمتعلقة بخدماته. ولهذا فإنني لا افهم كيف استطاع شخص واحد ان يتسلل ويخترق تلك الإجراءات. لابد وان هناك بعض الثغرات في تلك الإجراءات. وعندما تنظر إلى حجم الأموال فإنها في واقع الأمر ضخمة».

وقال الن كروزات مدير السندات بالشركة المالية «لدينا إحساس بان الأسواق المالية أصبحت ناديا كبيرا للقمار فقد السيطرة. يبدو من غير المعقول ان يخسر سوسيتيه جنرال خمسة مليارات من خلال متعامل واحد». وحذر من أن سوسيتيه جنرال ربما لن يكون الحالة الوحيدة وان البنك الفرنسي سيخسر بالتأكيد استقلاليته بعد هذه الخسارة.

ووصف هنك بوتس المسؤول في بنك باركليز كابيتال رد فعل السوق بوجه عام تجاه عملية الاحتيال المزعومة بأنه «هادئ تماما». وقال «فيما يتعلق بالسوق بوجه عام فانه في وضع هادئ تماما. اعتقد أنهم يأخذون وجهة النظر القائلة بان هذه مشكلة في مؤسسة مالية واحدة وليس في الصناعة المصرفية برمتها.

نعرف انه مر وقت عصيب على الأسواق المالية خلال جلسات المعاملات القليلة الماضية ولكننا في وضع جيد تماما اليوم مع تولي المؤسسات المالية المهمة ولهذا ففي الوقت الذي صادفنا فيه مشكلة واحدة محددة في احد البنوك فإن القطاع المالي للسوق يبدو أفضل حالا اليوم».

إدارة البنك تدافع عن موقفها

قال دانييل بوتون رئيس مجلس إدارة ثاني اكبر بنك في فرنسا في مؤتمر صحافي في باريس «اكتشفنا حدوث مخالفة من مجهول.. مجهول تماما وبعيدا عن دفاتر حساباتنا ولكن للأسف كان ذلك في إطار أنشطة السوق التابعة لنا».

وعبر عن أسفه إزاء هذا الأمر لكنه أصر على أن المسؤولية لا تقع على عاتق البنك. وأوضح «نشعر بأسف شديد لما حدث. هذه محاولة فردية تماما، خسارة استثنائية نجمت عن عملية احتيال لم يتم رصدها بسبب مكانة اكتسبها هذا العميل من خلال دفاتر سوسيتيه جنرال. انه ليس خطأ يتعلق بالتعامل التجاري وليس خطأ إداريا جسيما. أنها عملية احتيال محضة أسفرت عن هذا الوضع».

وأعلن سوسيتيه جنرال خططا لجمع 5ر5 مليارات يورو من خلال زيادة رأس المال لدعم ميزانيته العمومية التي تعاني بدورها من تأثير أزمة الائتمان العالمية.

وقال بوتون «الأنباء الطيبة تتمثل في أن مجموعة سوسيتيه جنرال ستعلن رغم ذلك ربحا صافيا قدره 700 مليون يورو بزيادة أو نقصان حوالي مئة مليون يورو بعد خصم الضرائب في عام 2007 مع الأخذ في الاعتبار انخفاض محفظتنا في الولايات المتحدة والأخذ في الاعتبار عملية الاحتيال المروعة هذه التي أدت إلى هذا الوضع».