يتحرك المصرف المركزي الذي خفض الفائدة امس الأول الى 3. 5% قدماً نحو طرح أدوات مالية ونقدية جديدة تندرج ضمن رؤية تهدف إلى إرساء إستراتيجيات طويلة الأجل من شأنها أن تسهم في إخراج الإمارات من دائرة الجدل المثار دوما بشأن مزايا ومثالب إعادة التقييم أو فك الارتباط مع الدولار.

باعتبار أن تبني أي خيارات مطروحة فيما يتعلق بمستقبل توجهات السياسة النقدية، يستلزم اتخاذ التدابير والسياسات التي تهييء الساحة لمثل هذه التحولات، وباعتبار أن الإمارات في رأي بعض المحللين تحتاج قبل قيامها بفك الارتباط مع الدولار إلى نهج سياسة سعر فائدة مستقلة وإصدار سندات مختلفة الآجال تسهم في وضع منحنى للعائد على الدرهم.

وفي نوفمبر الماضي، أطلق المصرف المركزي نظاما جديدا لإصدار شهادات الإيداع، الذي يمكن البنوك التي تمتلك شهادات إيداع المصرف المركزي من تعزيز درجة السيولة لديها بالقيام بما يسمى باتفاقية إعادة الشراء (الريبو) مع المصرف المركزي التي تعتبر بمثابة إقراض مؤقت للدرهم مقابل رهن شهادات الإيداع.

وبالتالي، أتاح النظام الجديد للبنوك العاملة بالدولة لأول مرة في تاريخ التعاملات المصرفية الاقتراض من المصرف المركزي، حيث كانت نافذة المصرف المركزي قبل تطبيق النظام الجديد يتم من خلالها فقط بيع وشراء الدولار الأميركي، ولكن لم يكن المصرف المركزي يقوم بإقراض البنوك العاملة بالدولة بأية عملة من العملات، كما أن النظام الجديد المطور لإصدار شهادات إيداع المصرف المركزي مبنى على المزاد لتتمكن البنوك من الاكتتاب في هذه الشهادات بأفضل سعر فائدة ومبلغ ومدة.

وتلا هذه الخطوة، إعلان معالي سلطان بن ناصر السويدي محافظ المصرف المركزي في مطلع الشهر الجاري اعتزام الإمارات بيع سندات تقليدية وأخرى إسلامية (صكوك) هذا العام بفترة استحقاق تصل إلى 30 عاماً في إطار تنويع أدوات السياسة النقدية.

أدوات نقدية جديدة

وفسر محللون التدابير النقدية الجديدة المتخذة من جانب مصرف الإمارات المركزي على أنها تهدف إلى جلب أدوات نقدية علمية وحديثة من شأنها أن تساعد الاقتصاد الإماراتي الذي يسجل معدلات نمو مرتفعة على التعاطي مع أوجه الثغرات الموجودة في النظام النقدي.

فمن جانب، تحتاج الإمارات في رأي بعض المحللين إلى مثل هذه الأدوات، بالنظر إلى أنها تساعد في وضع مؤشر مرجعي للصفقات المالية في دولة تبرم فيها عقود بمليارات الدراهم لمشروعات عملاقة تتعلق بالطاقة والبنية التحتية.

حيث أن إصدار سندات تقليدية وأخرى إسلامية (صكوك) بفترة استحقاق تصل إلى 30 عاماً سيساعد في وضع منحنى للعائد على الدرهم والذي من شأنه أن يسهل على البنوك تحديد الفائدة لعقود المقايضات swap rates ) اتفاقات مبرمة بين طرفين أو أكثر لتبادل سلسلة من التدفقات النقدية خلال فترة مستقبلية ) .

فعلى سبيل المثال ،إذا ما أراد مستثمر الاقتراض لأجل يتراوح بين 10 و15 عاما، فإنه سيكون راغبا في تجنب التعرض لمفاجآت غير سارة ناجمة عن الزيادات المفاجئة في أسعار الفائدة والتي قد تقوض حتى الجدوى الاقتصادية للمشروع، فإذا ما ارتفعت أسعار الفائدة على نحو غير متوقع من نطاق يتراوح بين 4 أو 5 % إلى 5. 7 % خلال عام أو عامين، فإن هذا من شأنه أن يزيد تكلفة المشروع بما قد يتجاوز الميزانية المحددة سلفا له.

ومن ثم، إذا كان مالك المشروع راغبا في تجنب أوجه عدم اليقين فيما يتعلق بزيادات أسعار الفائدة، فأنه سوف يطلب من البنك الاقتراض بسعر فائدة ثابت، بيد انه لا توجد مؤسسة مالية في ظل الظروف الحالية تكون ملزمة بتقديم مثل هذا السعر الثابت، ولكن الأمر سوف يكون محل موافقة بأن تعرض على مالك المشروع اتفاقية مقايضة والتي تسمح له بالتحوط ضد مخاطر تقلب أسعار الفائدة.

وبموجب اتفاقية المقايضة أو المبادلة، سيدفع مالك المشروع سلسلة من معدلات الفائدة الثابتة، وفي نفس الوقت يتسلم سلسلة من التدفقات النقدية التي تعتمد على معدلات الفائدة العائمة (أو المتغيرة)، وفي المقابل يوافق الطرف الآخر الداخل في عقد المبادلة على استلام سلسلة من معدلات الفائدة الثابتة مقابل دفع سلسلة من معدلات الفائدة العائمة.

إدارة المخاطر

وهكذا، فإن المبادلة في صورتها الأكثر عمومية هي عقد يتضمَّن تبادلاً لتدفقات نقدية وفقاً لصيغة تعتمد على قيمة أو أكثر من المتغيرات ولذلك لا يوجد حد لعدد أنواع المبادلات المختلفة التي يمكن ابتكارها. ومن بين أنواع عقود المبادلات،مبادلة الاستحقاق المستمر ومبادلة استحقاق الخزانة مبادلة أصل الدين ومبادلة حقوق الملكية والمبادلات السلعية.

و نظرا لقيام العميل بدفع سعر فائدة ثابت مقابل تلقي سعر فائدة عائم من البنك المتعاقد، فأنه إذا ما صعدت أسعار الفائدة العائمة إلى مستوى أعلى من توقعات السوق، فأن المقترض لن يتأثر بذلك الارتفاع، باعتبار أن اتفاقية المبادلة قد عالجت مثل هذا الأمر، ولكن إذا ما انخفضت أسعار الفائدة، فأن الطرف الرابح هو البنك المتعاقد، في حين سيتكبد العميل خسائر ناجمة عن هذا الانخفاض.

وفي ظل غياب مؤشر مرجعي، تتحمل البنوك المخاطر في تقديم سعر فائدة ثابت، وهنا تأتي أهمية المؤشر المرجعي، حيث أنه في حالة وجود سعر فائدة على سندات تصل فترة استحقاقها 30 عاما، فأنه يمكن أن يعمل العائد على السند كمؤشر مرجعي للفائدة لأجل 30 عاما.

ويري محللون أنه غير ممكن القول بوجود مؤشر مرجعي، إلا إذا جرى تداول الكوبون في السوق الثانوي، كما يتطلب تطوير منحنى عائد على الدرهم يستلزم توافر معدلات فائدة على آجال مختلفة تتراوح بين عام إلى 30 عاما، ومن شأن هذه العوائد التي تمثل فترات زمنية مختلفة أن تؤسس منحني للعائد، ولأجل هذا، فأن المطلوب، هو طرح المزيد من السندات ذات الآجال المختلفة والتي يمكن أن تخلق منحنى العائد.

ومن ثم، يقدر محللون أن إصدار السندات الطويلة الأجل ستكون بداية طيبة في وضع منحنى للعائد على الدرهم، ولكنها لن تكون كافية، بل يستلزم الأمر، إصدار سندات بآجال وعوائد مختلفة. وتخلص تقديرات إلى أن هذه السندات التي تطرحها الحكومة تعتبر منتجات مالية خالية من المخاطر وبمقدور الشركات أن تعدل معدلات علاوة المخاطر، ومن تعتبر خطوة رئيسية نحو إرساء مؤشر مرجعي لمعدلات الفائدة على الدرهم.

حيث أن المطلوب تبني سياسة سعر فائدة مستقلة قبل فك الربط بين الدرهم والدولار، ويمكن النظر إلى السندات الطويلة الأجل على أنها خطوة مهمة على هذا الطريق. وتوازي مع هذا التحرك على محور السياسة النقدية، تحركات من قبل الجهات المعنية على المحورين المالي والاقتصادي بهدف تبديد الفقاعات السعرية قبل أن تترسخ على هيئة علاقات تعاقدية من شأنها أن تزيد من تفاقم مشكلة التضخم، وهو الأمر الذي ساهم في تدعيم الاتساق والتناغم بين السياستين المالية والنقدية.

أقلمة التوقعات

وتكمن مشكلة التضخم في أنها تطلق قوة دفع ذاتية خاصة بهذا الأمر الذي يدفع بمعدلات التضخم إلى مستويات قياسية، من شأنها أن تثبت تواجدها في صورة علاقات تعاقدية، بحيث يكون تقنين مطالب الأجور والمرتبات مجرد أعراض خارجية لهذه المشكلة.

وتستند هذه المطالب في رأي بعض المحللين إلى ما يطلق عليه أسم أقلمة «التوقعات» والتي تتحرك بمجرد دوران عجلة التضخم، فعندما تحدث الناس في العام الماضي عن بلوغ معدل التضخم نسبة 10 % كانت هناك زيادة في الأجور نسبتها 10 %، وهو الأمر الذي من شأنه أن يمثل عاملا محفزا على زيادة معدل التضخم، وتدعو الوصفة للخروج من هذه الدائرة المفرغة بأن يتم تقنين العلاقات التعاقدية بحسب آفاق الأسعار في المستقبل.

وبناء على هذا الإدراك، صدرت القرارات بخصوص تحديد نسبة زيادات الإيجارات في عام 2008، حيث أصدر المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي قرارا بتحديد نسبة الزيادة في الإيجارات في الإمارة بنسبة لا تتجاوز خمسة في المئة في العام 2008.

ويتمثل الهدف من هذا الإجراء ـ الذي دخل حيز النفاذ في 13 يناير 2008 - والصادر بالاستناد إلى أحكام القانون رقم 20 لسنة 2006 بشأن إيجار الأماكن وتنظيم العلاقة الإيجارية بين المؤجرين والمستأجرين في الإمارة في جلب مزيد من الاستقرار إلى سوق العقار في الإمارة على نحو يضمن الحد من الأثر التضخمي لارتفاع الإيجارات وانعكاساته السلبية المحتملة على المكانة التنافسية للإمارة والنمو الاقتصادي المستدام والاستقرار الاجتماعي للأسر والأفراد من المواطنين والمقيمين.

تجدر الإشارة إلى أن إمارة أبوظبي شهدت خلال السنوات القليلة الماضية نمواً اقتصادياً قوياً صاحبه قفزات سريعة ومتتالية في الطلب على الوحدات العقارية السكنية والتجارية الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى بروز حالة من عدم التوازن بين العرض والطلب نجم عنها ارتفاعات كبيرة في الإيجارات.

حيث تظهر البيانات الخاصة بمؤشر أسعار المستهلك في الإمارة إلى أن ارتفاع إيجارات الوحدات السكنية يُعد المحرك الرئيسي للتضخم الحاصل في المؤشر والذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة. . وتفيد البيانات أيضاً بأن أكثر من 50 في المئة من الزيادات التي طرأت على مؤشر أسعار المستهلك خلال الفترة الأخيرة كان مردُها إلى ارتفاع الإيجارات.

وعلى نفس المنوال أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي حفظه الله بتحديد زيادة بدل إيجارات العقارات التي تجدد خلال 2008 بما لا يتجاوز 5% من قيمة العقد المبرم بين المؤجر والمستأجر، كما أمر سموه «بأن لا تشمل الزيادة البالغة 5% عقود الإيجار التي سبق وقام المؤجر بزيادتها خلال عام 2007 والتي كانت محددة ب7%».

كما أمر سموه بعدم زيادة بدل إيجار العقارات التي أبرمت بشأنها عقود إيجار مع مستأجرين جدد خلال عام 2007 وتمتد إلى 2008، ما يعني عمليا عدم السماح بزيادة أي عقد إيجار لم يمض عليه سنتان ولم تطرأ عليها أية زيادات.

وتتضافر هذه التحركات على أصعدة السياسات النقدية والاقتصادية والمالية تعد بمثابة ترجمة عملية للدعوة التي أطلقها معالي سلطان بن ناصر السويدي محافظ مصرف الإمارات المركزي والتي أكد أنه لا يمكن حل مشكلة التضخم من خلال السياسة النقدية وحدها وإنما تحتاج لجهود موحدة من جميع أجهزة الحكومة.

الدولار ليس المسؤول الوحيد

يأتي هذا التحرك نحو تطوير أدوات نقدية على أرضية توافر إجماع في أوساط المسئولين والمحللين بأن فك ارتباط الدرهم مع الدولار لن يشكل العلاج الحاسم لمشكلة تصاعد الضغوط التضخمية، على اعتبار أن جزءا كبيرا من واردات الإمارات المتحدة يأتي من كتلة الدولار، كما أن العملات الآسيوية ارتفعت إلى مستويات قريبة من الارتفاعات التي شهدها الدولار وبالتالي فإن اليورو هو المحرك الرئيسي للتضخم.

وفي هذا المجال، يرى محللون أن إعادة التقييم بالنسبة للدرهم ستكون بمثابة توقيع عقوبة على القطاع الصناعي في الإمارات بما في ذلك صناعات التكرير والبتركيماويات، وأنه ربما تتحمل الإمارات بصعوبة مسألة المساس بقطاعها غير النفطي، كما تمتلك الأسواق المالية والبنوك وشركات التحوط إمكانيات محدودة في إدارة مخاطر سعر الصرف، ومن ثم، لن يكون في صالح المصلحة القومية للإمارات العربية المتحدة فك ارتباط الدرهم مع الدولار على الأقل في المرحلة الحالية.

فضلاً عما سبق، ما زال الدولار يحتفظ بمكانته كعملة دولية في إنجاز الأعمال، وذلك على الرغم من مشاكله الأخيرة، كما أن أسعار النفط المرتفعة تعوض أي خسارة ناجمة عن تراجع سعر صرف الدولار، علاوة على أن أسواق الين الياباني تفتقد إلى العمق، وهو ما يسلبه إمكانية أن يكون عملة دولية، كما أن عملة الإسترليني تعاني من مشاكل ضخمة، ومن ثم، ليس هناك بديل حتى الآن عن الدولار.

وقدر محللون أن ارتباط الدرهم بالدولار يشكل نظاماً ذا مصداقية بالنسبة للمستثمرين العالمين، وستكون إعادة التقييم بمثابة عقاب بالنسبة للجهود المبذولة لجذب رأسمال الأجنبي إلى أسواق الدولة وقطاعاتها الاقتصادية.

وفي هذا السياق، قال فيصل حسن رئيس قسم البحوث في بيت الاستثمار العالمي «جلوبل» إن فض الارتباط بين الدرهم والدولار إذا ما حدث سوف يعالج مشكلة التضخم المستورد فقط وبنسبة محدودة، حيث سيظل الدولار محتفظاً بوزن كبير في سلة العملات في حالة تبنيها.

مضيفاً بأن الكثير من التضخم يأتي من ارتفاع أسعار الإيجارات والمواد الغذائية، وارتفاع مستويات السيولة العالية، وتقود هذه العوامل مجتمعة إلى زيادة الضغوط التضخمية في الإمارات له، ومن ثم، فإن وضع التضخم تحت السيطرة يستلزم التعاطي مع مشكلة ارتفاع الإيجارات.

دبي ـ مجدي عبيد