تناولت صحيفة فاينانشيال تايمز في تحليل اقتصادي لها، بعنوان «العام عام 2008، غياب الهيمنة التجارية الأميركية على العالم». الدور الأميركي المتراجع في الساحة التجارية العالمية، قالت فيه، إن الولايات المتحدة كانت في القرن العشرين. القوة التجارية العظمى الأولى في العالم بلا منازع.
فقد كانت البلد الذي انطلقت منه أقوى المؤسسات المالية في العالم. والمكان الذي اخترعت فيه معظم أجهزة الكمبيوتر وبرامجها، والدولة التي خرجت منها مطاعم الوجبات السريعة. وكانت سوقاً واحدة لخمسين ولاية وقدمت الولايات المتحدة، أكثر الشركات التي يحق لها عن جدارة القول انها عالمية.
وقال تحليل الفاينانشيال تايمز، إن القرن الحادي والعشرين، شهد في مستهله، تنامي مجموعة من التحديات لوضع هذه القوة التجارية العظمي. ومع بداية عام 2008، تفاقم تراجع الدولار التجاري الأميركي، نتيجة الركود الاقتصادي وأزمة الائتمان، وبالرغم من بقاء الولايات المتحدة قوة تجارية، فإنها لم تعد في مكان تحتفظ به بهيمنتها كأمر مسلم به، على بقية أنحاء العالم.
وليس أدل على ذلك، من الطريقة التي اضطرت فيها المؤسسات المالية الأميركية، إلى الالتفات الى مستثمرين أجانب، وصناديق ثروة سيادية من آسيا والشرق الأوسط للحصول على ضخ رأسمالي ينتشلها من عثراتها. ولقد تلقى كل من سيتي جروب وميريل لينش بالفعل ضخاً رأسماليا بعدة مليارات من الدولارات، من صناديق سيادية من الكويت وكوريا وسنغافورة.
وأضافت الصحيفة قائلة: إن الشح الرأسمالي في الولايات المتحدة، والوفرة في مناطق أخرى، قد يبرهن على كونها ظاهرة مؤقتة، فقد تكون إلى حد ما، مدفوعة بانكشاف الأسواق للولايات المتحدة الزائدة على التوسع السريع في الائتمان المهيكل أعقبه تراجع مفاجئ عن المخاطر.
كما أنها نتاج صعود صاروخي لأسعار النفط وغيره من السلع، الذي حول الرساميل من بلدان فقيرة المصادر إلى بلدان غنية بالمصادر. وفي الإطار ذاته، فإنها تتحدث عن تحول أكبر في موازين الأسواق الرأسمالية بين الولايات المتحدة وبقية أنحاء العالم فمنذ عقد مضى كانت نيويورك، تعتبر بلا منازع، المركز المالي العالمي الأول غير أنها تواجه اليوم منافسة من لندن، ومن مراكز مالية ناشئة في شنغهاي وهونغ كونغ ودبي.
وقالت الصحيفة، إن ذلك كله يمكن إرجاعه إلى تطبيق قانون سارباتيرر أوكسلي، وإلى تطور مراكز مالية أخرى وظهور الصناديق الاستثمارية خارج الولايات المتحدة. ولقد قضت الولايات المتحدة عقوداً في الدفاع عن الرأسمالية، وها هي الآن تواجه، عواقب ما نصحت به بلدان أخرى هذا إلى جانب أن توسع البنوك الاستثمارية الأميركية في أنحاء العالم، أدى إلى انتقال التكنولوجيا إلى بلدان أخرى.
ولقد أفادت مدينة لندن، التي يحق لها القول بأنها المركز المالي العالمي بعد نيويورك، إفادة هائلة من قوانين ثمانينات القرن الماضي الانفتاحية، التي سمحت للبنوك الاستثمارية الأميركية بالمنافسة على قدم المساواة، مع البنوك التجارية الأميركية. ورغم أن وادي السليكون مازال المركز العالمي الأول للابتكار في الحقل التكنولوجي في العالم، إلاّ أنه يواجه تحديات لأن بلداناً أخرى راقبت عن كثب ما يحدث في كاليفورنيا، وجربت تقليد قوته.
وهو الأمر الذي أدى إلى بروز مدن أخرى مثل بنجالور الهندية كوجهة تكنولوجية ساخنة. ولقد علم وادي السليكون البلدان الأخرى أهمية المشاريع الاستثمارية وكان من بين آثار الخصخصة والانفتاح في المملكة المتحدة، تشجيع جيل جديد من المستثمرين من ريتشارد برانسون، إلى فيليب جرين، تجار التجزئة.
ولقد أخذ المستثمرون يكتسبون اعترافاً ونفوذاً في أنحاء القارة الأوروبية وسكندنافيا وكان نمو هؤلاء المستثمرين أكثر بروزاً في الأسواق الناشئة حيث راحت بلدان في أنحاء آسيا من الهند إلى الصين تشجع المستثمرين على تأسيس شركات تتحدى كبرى الشركات الغربية، وتكتسب ثروات طائلة.
ومن بين الأمثلة على ذلك صناعة السيارات حيث باتت شركات تصنيع السيارات الأميركية تواجه منافسة حادة، ليس من شركات عريضة مثل تويوتا وهايونداي. بل من شركات سيارات صغيرة في الصين وتضم «جيلي» و«بايد أوتو» وتطورت إلى درجة الاستحواذ على حصة 30 في المئة من سوق السيارات الصينية.
وأشارت الصحيفة إلى أن نمو شركات السيارات الصينية يعكس مشكلة أوسع للشركات الأميركية. فقد استثمرت على مدى عقود بقوة في الملكية الفكرية ووجدت بعض منتجاتها تقلد أو بمعنى أصح تستنسخ وتشكل قوة أنظمة الحماية الفكرية والقانونية الأميركية حماية للشركات الأميركية في أسواقها المحلية، وهي حماية لا تتوفر لها دائماً في الأسواق الخارجية.
وحتى وإن كانت شركات أجنبية تنافس الشركات الأميركية منافسة عادلة فإن كثيراً من البلدان انتقلت من كونها مراكز تصنيع منخفضة الأجور إلى منتجة لبضائع ذات قيم مضافة عالية. وبعد أن كانت منتجات مثل مكيفات الهواء وأجهزة التلفزيون، وأجهزة الكمبيوتر المحمولة خاصة بالولايات المتحدة، راحت اليوم تنتج بصورة رئيسية في شركات يابانية وكورية وصينية.
وخلصت الصحيفة إلى القول إن الولايات المتحدة تواجه اعتى منافسة وعلى أعلى مستوى حجماً وقوة لسوقها الداخلية فلقد أوجد ظهور منطقة اليورو، كمنظومة تجارية واحدة ذات عملة واحدة منافساً أوحد للولايات المتحدة كما أن التطور الاقتصادي السريع للصين والهند يعني أن الولايات المتحدة لن تكون في غضون عقد من الزمن أكبر سوق فردية لمنتجات مثل السيارات.
لكن لابد من القول إن لا شيء من ذلك يعني أن الولايات المتحدة انتهت كقوة اقتصادية فما زالت أكبر سوق عالمية، ولها جذور عميقة من الخبرة المالية، والمعرفة التكنولوجية والروح الاستثمارية. ولا يمكن بأي حال من الأحوال شطبها حتى وإن أضاف الركود الدوري في عام 2008، تحدياً آخر إلى تحدياتها الأطول أجلاً. لكنها بكل تأكيد لم تعد تملك عالم التجارة لنفسها.
ترجمة: وائل الخطيب
