وسط إجراءات أمنية مشددة، بدأ أمس في المنتجع الشتوي السويسري دافوس، الاجتماع السنوي السابع والثلاثون للمنتدى الاقتصادي العالمي، بحضور قرابة 2500 من قادة الدول والأعمال والمنظمات الدولية وهيئات المجتمع المدني. اجتماع السنة الحالية يأتي وسط ظلال من الشك الكثيف حول مسار الأحداث العالمية عموما والاقتصادية على وجه الخصوص خلال العام الذي نستقبله.

هذا الشك بالمستقبل الاقتصادي للعالم جعل المنظمين يختارون لاجتماع السنة الحالية عنوانا عريضا هو «قوة الابتكار التعاونية»، لابتكار حلول بشكل جماعي، والتعاون في تطبيقها إذا أريد للعالم أن يتجاوز أزماته.

ويتوزع اجتماع السنة الحالية عبر خمسة محاور، الأول يخص عالم الأعمال الذي يرى المنظمون أن التنافس القائم بين الشركات الكبرى يجب أن لا يحجب إمكانية التفكير في مجالات التعاون. غير بعيد عن ذلك، يركز محور الاقتصاد والمال على أبرز ملامح عدم الأمن الاقتصادي وتحديد آليات مواجهة الأزمات المالية.

أم المحور الجيوسياسي فيجهد في محاولة التوفيق بين المصالح المتناقضة للقوى الكبرى رغم واقع الانقسامات الحاصل. وفي الميدان العلمي والتكنولوجي تحاول نخبة العلماء المميزة الحاضرة في اجتماع السنة الحالية استكشاف ما أسمته «الحدود الجديدة للطبيعة».

وأخيرا يركز محور المجتمع والقيم على فهم النقلات التي تلوح في الأفق عبر ما اعتبره المنظمون «نهوضا» للحضارات الصينية والهندية والعربية، ومعرفة ما إذا كان هذا الصعود يشكل تهديدا لهيمنة النموذج الحضاري الغربي السائد.

والتشاؤم الطاغي تجاه مستقبل الاقتصاد العالمي يعزوه خبراء مشاركون إلى جملة من الأسباب القديمة والمستجدة. فمن جهة لا تزال أزمة الرهونات في الولايات المتحدة، والارتفاع القياسي في أسعار النفط والسلع الأساسية وما يعتبرونه نموا «فقاعيا» مفرطا لأسواق الأسهم في بعض الاقتصادات الناشئة تلقي بظلال كثيفة حول الثقة في مستقبل الاقتصاد العالمي،

الذي يعاني أصلا من أزمات قديمة لا تزال تبعاتها تتفاعل، من قبيل أزمة السيولة التي شهدها العالم العام الماضي، والمشاكل السياسية التي يعاني منها عدد من الدول حول العالم، وأخيرا احتمال الكساد الذي يخيم في سماء الاقتصاد الأميركي، والذي لم تتم للآن دراسة أثاره المحتملة على الاقتصاد العالمي في حال أصبح واقعا ولم تنجح الإدارة الأميركية الحالية والمقبلة في علاج أسبابه الهيكلية.

ويخلص الخبراء إلى طرح سؤال مركزي يعتبرون أن العالم لا يمكن له أن يتعافى من أزماته في حال استمر في تجاهله: من المسؤول عن زيادة هذه المخاطر العالمية؟ ومن تقع على عاتقه مسؤولية إدارة هذه المخاطر والأزمات؟ مستبطنين الرد في ثنايا عنوان اجتماع السنة الحالية «قوة الابتكار التعاونية».

ويسود الشعور هنا بأن الأزمة في النظام المالي العالمي هي أزمة نظامية وليست طارئة أو مرتبطة بتغيرات ظرفية، حيث أفضت المرونة التي تميز بها النظام المالي العالمي خلال العقدين الماضيين، إلى زيادة هشاشته في أجواء الضغط والتوتر السائدة في أكثر من مكان.

قضية جديدة أخرى ستحظى بنصيب كبير من الاهتمام تتعلق بالأمن الغذائي العالمي الذي تحول من هامش الاهتمام العالمي إلى مركزه، وسيطرح السؤال حول مدى جاهزية العالم لدفع ثمن الفاتورة التي تفرزها الطريقة التي يدار بها اقتصاد الغذاء العالمي (فاتورة التدهور البيئي، عدم المساواة في التوزيع، ندرة واستهلاك الموارد الأولية.

آخر القضايا المستجدة التي ستحظى بالاهتمام يتعلق بالدور الجديد الذي يلعبه اقتصاد الطاقة، لاسيما مع انبثاق مجموعة من المخاطر المرتبطة بهذا القطاع عالميا، والتي تطرح السؤال حول قدرة العالم على توفير تزود دائم وآمن بموارد الطاقة المختلفة.

وبعد أن كانت التغيرات المناخية هي القضية الأساس لاجتماع العام الماضي، تم تحديد أزمة المياه العالمية لتكون في مركز اهتمام العام الحالي، حيث يرى القائمون على الاجتماع بأن هذه الأزمة التي تعاني منها معظم دول العالم تلقي بتبعات ثقيلة على الشعوب والبيئة والزراعة والصناعة، وتطال بتأثيراتها بعيدة المدى معظم جوانب الحياة على كوكبنا.

وعلى هامش اجتماع السنة الحالية، يستمر التقليد الذي اتبعه المنتدى الاقتصادي العالمي لرد تهمة كونه منتدى «العولمة» وملتقى كبار لاعبيها، عبر تنظيم المنتدى المفتوح الذي ـ عكس الاجتماع السنوي ـ يسمح بدخوله والمشاركة في نقاشاته لكل من يريد.

وستبدأ نقاشات العام الحالي بطرح سؤال هام: هل تشكل عودة الدين في أكثر من مكان في العالم تهديدا للدولة العلمانية؟ وتستكمل بطرح أسئلة على نفس الدرجة من الأهمية تتعلق بمستقبل سياسة الولايات المتحدة بعد الانتخابات، والطموحات الجيوسياسية لروسيا، والانقسام حول التغيرات المناخية، بل وحتى العوالم الافتراضية: هل هي حقيقة أم خيال؟؟

وجاء لافتا احتلال الولايات المتحدة رغم الصعوبات الجمة التي يعاني منها اقتصادها لصدارة ترتيب التنافسية، تاركا المراكز التالية لسويسرا والدنمارك والسويد وألمانيا بينما حلت في المراكز الخمسة الموالية فنلندا وسنغافورة واليابان وبريطانيا وهولندا. أما اللاعبون الجدد في الاقتصاد العالمي

والتي تعتبر أهم الاقتصادات العالمية حاليا فقد وضع التقرير تنافسية اقتصاداتها في مراتب متأخرة حيث جاءت الصين في المركز الرابع والثلاثين، تليها جنوب افريقيا في المركز الرابع والأربعين، تاركة للهند المركز الثامن والأربعين، فروسيا (58) والبرازيل أخيرة في المركز الثاني والسبعين.

أخيرا، بدا لافتا غياب قيادات عربية اعتادت حضور الاجتماع من قبيل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس الوزراء المصري أحمد نظيف، مقابل حضور غير مسبوق للمسؤولين الإيرانيين

دافوس ـ هيثم شلبي