وظيفة الفن هي مواجهة الواقع ومحاولة توجيهه إلى الأفضل، إن أمكن، وحينما تصبح المواجهة مجرد واجهة أو مجرد سمة من سمات الوجاهة يفقد الفن ملامح وجهه وتتعثر بوصلته في تحديد اتجاهه.

هذا ما نحاول أن نؤكده ونضعه بوضوح أمام كل فنانينا في العالم العربي، كي يقدموا لأطفالنا شيئاً ذا قيمة، وأعمالاً تقف ضد الهجمة الشرسة لأفلام العنف والخيال العلمي القادمة إلينا من الغرب، والتي تحمل أفكاراً ومضامين بعيدة كل العبد عن عاداتنا وتقاليدنا.. والأهم طبعاً ديننا.إننا لا نزال نستعرض قضية تحتاج بلا شك إلى آذان تسمع، وعقول تعي، فأطفالنا يحدق بهم الخطر من كل جانب، بل للأسف اقتحم بالقوة بيوتنا في شكل زائر مقيم اسمه «التلفزيون».

«التلفزيون» أصبح مدرسة ثانية ومهمة جداً للأطفال بما يمتلك من صوت بشري وموسيقى ومؤثرات صوتية ومؤثرات بصرية وخدع سينمائية وتوزيع إضاءة ومزج صور وألوان، وبالتالي يعتبر من أهم العناصر التي تؤثر على نمط سلوكهم وعاداتهم.

ومن هنا نتساءل: هل تقوم برامج التلفزيون المخصصة للأطفال بواجبها التثقيفي والترفيهي بشكل جيد، وهل تؤثر سلباً أفلام العنف التي يشاهدها الأطفال على شخصيتهم واتجاهاتهم؟

نستطيع القول إن «برامج الأطفال الحوارية» التي تمتلئ بها القنوات الفضائية،

شيء ضروري ومطلوب من أجل تنمية قدرات الأطفال على التحاور، وفتح آفاق جديدة للتفكير أمام الآخرين، ولكن القضية الأساسية تكمن في أن معظم هذه البرامج تجمع أطفالاً من أعمار متفاوتة تبدأ من سن 5 سنوات حتى 12 سنة.

وبالطبع تكون المعلومات التي تتحدث بها المذيعة متفاوتة، بالنسبة لإدراك كل عمر، فالمعلومة التي يتقبلها الطفل صغير السن ويدركها تكون ساذجة بالنسبة للطفل الأكبر سناً، والعكس صحيح أيضاً.

ولهذا لابد من فصل الأعمار المختلفة خلال البرامج التلفزيونية، بمعنى أن يتوجه كل برنامج إلى مجموعة من الأطفال متقاربة في العمر، حتى يسهل توصيل المعلومة إليهم بصورة جيدة تحقق الهدف المنشود منها، وحتى لا تتحول هذه البرامج إلى تحصيل حاصل.

وهناك للأسف، بعض البرامج التي تلقن الطفل حواراً مسبقاً قبل الظهور على الشاشة ـ وهذا قمة التخلف ـ لأن هذا النوع من البرامج يفرض على الطفل أحياناً جملاً حوارية أكبر من سنه، فيظهر بمظهر الإنسان الناضج مما يفقده مصداقيته أمام الأطفال الآخرين.

ومن أخطر وسائل تثقيف الأطفال عبر القنوات الفضائية في عالمنا العربي، المسلسلات والأفلام القادمة من الغرب، وإذا نظرنا نظرة شاملة على أكثر المضامين التي قدمتها هذه الأعمال، سنكتشف خطورة تلك المضامين على عقلية الطفل العربي، كما سنجد أن وجبة الخيال العلمي المقدمة بالفعل تترك الخيال ليتحرك بلا حدود حتى يتحول إلى «قنبلة موقوتة».

ولنأخذ مثالاً حياً على هذا من قصص أفلام «سوبر مان» و«الرجل الأخضر» و«الرجل الوطواط» وغيرها، حيث نكتشف انها مليئة بالمغالطات والقيم الهدامة التي تتنافى مع الأسس التربوية الصحيحة، فهي وان انتمت بالاسم إلى الخيال العلمي،

إلا أنها في الواقع لا تمثل إلا قصص خرافات تستعير من العلم أشكاله الخارجية دون مضمونه الحقيقي، بالإضافة إلى ما يقدمه من صور للخير المطلق أو الشر المطلق وهذا ما يتنافى مع طبيعة البشر، حيث إن الإنسان يحمل الجانبين بداخله.

وهذه الأعمال تقدم قيماً غريبة عن مجتمعنا، حيث يتحول البطل فيها إلى حاكم مطلق، يصدر أحكامه على الأشياء سواء كانت خيراً أم شراً، بل وينفذها بنفسه والتي قد تصل أحياناً إلى حد القتل، وهذا بالطبع لا يتفق مع الأسس التي يجب أن نغرسها في نفوس الأطفال.

والأخطر من كل هذا أن قصص أفلام البطل الخرافي، تزيف الحياة أمام عيون الأطفال، عندما تجعل الثروة بمفرداتها من سيارات وطائرات وأجهزة حديثة، في متناول البطل بدون توضيح الجهد الذي بذله ليحصل عليها،

بل إنه أحياناً يحطم خلال أحداث الفيلم ما يساوي الملايين من الدولارات، بغير أسف أو ندم، ثم يجد غيرها ببساطة وهذا قد يجعل الطفل يتقاعس عن بذل الجهد اللازم للحصول على الأشياء، والحفاظ عليها مما قد يدفعه للانحراف في المستقبل.

والمحزن حقاً، أن معظم أفلام الغرب الأميركي تدور حول شخصيات تقدم العنصرية بأبشع صورها للطفل العربي ولكن داخل إطار مغلف بالإبهار، فأفلام الغرب الأميركي التي تحض على كراهية الهنود والتحريض على إبادتهم ترسخ في أذهان أطفالنا قيم الاستهانة «بالبني آدم»،

وهذا بالطبع يتنافى مع ما يجب تلقينه للطفل من احترام الإنسان بغض النظر عن جنسه ولونه. وهناك نموذج آخر للأعمال الغربية المقدمة للأطفال والمحببة إلى نفوسهم وهي أفلام «توم وجيري»، وهذه الأفلام برغم شعبيتها في عالم الطفل، استطاعت أن تسرب العديد من القيم السلبية إلى وجدان الطفل العربي في إطار محكم من الإبهار والكوميديا المبالغ فيها،

فقد أوحى هذا النوع من القصص بأن الحياة سلسلة من الفخاخ المدبرة، وتبادل كل طرف إيذاء الآخر، مما يرسب في نفسية الطفل نمطاً خاطئاً من السلوك سهل تقليده. وهذا ما يجعلنا في النهاية ندق ناقوس الخطر، خصوصاً أمام ما يفد إلينا من برامج ومسلسلات وأفلام غربية دست لأطفالنا السم في العسل، من خلال ما قدموه من مضامين هدامة تحض على العنف مغلفة بالإبهار التكنولوجي.