تشهد سوق الاسمنت في مصر حالة من الغليان أشبه بالبركان الخامد ما بين عدم قدرة الحكومة السيطرة على الأسعار أو إجبار الشركات على عدم التلاعب بالسوق وما بين ارتفاع أسعار الطاقة وآخرها المازوت بنسبة 100 في المئة وهو ما يتحجج به المنتجون في رفعهم للأسعار قد تصل به إلى الضعف في الصيف المقبل.
ويرى خبراء صناعة الاسمنت في مصر أن أسعاره تنتظر قفزات سعرية جديدة خاصة في ظل المشاكل التي مازالت تلازمه وتزداد يوما تلو الآخر، ما بين سيطرة القطاع الخاص وارتفاع أسعار الطاقة وعدم وجود حيلة لدى الحكومة للتحكم في السوق ليترك ذلك المستهلك والسوق في حالة من الغليان.
ويقول الخبراء أنه على ما يبدو أن الأسعار سوف تستمر في الارتفاع خاصة بعد أن وصل سعر الطن للمستهلك خلال اليومين الماضيين إلى أكثر من 410 جنيهات (5. 74 دولارا)، بزيادة 40 جنيها مرة واحدة، نتيجة ارتفاع أسعار المازوت الذي يمثل 10 في المئة من تكلفة الإنتاج.
وتشير الأرقام الحكومية إلى أن إنتاج مصر من الإسمنت يبلغ نحو 37 مليون طن سنويا بينما يبلغ حجم الاستهلاك 29 مليونا، ما يعني أن الإنتاج يحقق فائضا بلغت نسبته 17 في المئة. دراسات وزارة التجارة والصناعة نوهت بان السوق المصرية يتوافر فيها فائض سنوي قدره 8 ملايين طن هو الفارق بين الإنتاج والاستهلاك،
وهو الأمر الذي يدعو للدهشة مما دفع بالحكومة إلى تحويل كل شركات الاسمنت في مصر إلى النائب العام للتحقيق في شبهة التلاعب بالسوق وتعطيشه بهدف رفع الأسعار ووصل الأمر إلى حد تقسيم السوق فيما بين الشركات.
وتوقعت وزارة التجارة والصناعة المصرية ارتفاع حجم الاستهلاك المحلى من الاسمنت إلى نحو 55 مليون طن عام 2011 وهو ما دفعها إلى طرح نحو 14 رخصة جديدة للأسمنت قبل نحو الشهرين بطاقة 21 مليون طن وحجم استثمارات تقدر بنحو 21 مليار جنيه (8. 3 مليارات دولار) حصل الأجانب على أغلبها.
ونفت الحكومة المصرية أن يكون سبب إقبال المستثمرين الأجانب على بناء مصانع الإسمنت في مصر وهروبها من أوروبا التلوّث البيئي، لأن كل مصانع الإسمنت في البلاد مبنية وفق معايير البيئة.
وأعتبر تقرير صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري أن ارتفاع الأسعار بات ظاهرة خطيرة، بعدما شهدت السوق في الفترة الأخيرة قفزات شديدة لدرجة أن الحكومة في محاولة لحفظ ماء الوجه، ألغت الجمارك على واردات الأسمنت في محاولة للسيطرة على ارتفاع الأسعار.
وعزا التقرير الزيادة الأخيرة في الأسعار إلى سيطرة عدد من الشركات الأجنبية على السوق، ووجود اتفاق شبه احتكاري بينها لرفع الأسعار، في اشارة إلى أن متوسط تكلفة إنتاج الطن من بين متوسطات أكبر ثلاث شركات كبرى، هي السويس والمصرية والقومية نحو 182 جنيهاً (33 دولاراً)، بعد الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود.
في حين يباع الطن بأسعار وصلت إلى 410 جنيهات، أي أن المنتج يحقق هامش ربح كبيراً في الطن الواحد، ما يؤكد وجود اتفاق احتكاري بين الشركات المنتجة لرفع الأسعار. ولفت التقرير إلى أن ذلك يحدث في مصر، التي تتمتع بميزات نسبية عن بقية دول العالم المنتجة للإسمنت،
إذ ينخفض متوسط أجر العامل، اضافة الى انخفاض أسعار مصادر الطاقة المستخدمة مقارنة ببقية الدول، خصوصاً الغاز الطبيعي والمازوت والكهرباء. وتمثل هذه المصادر 24 في المئة من تكلفة إنتاج الأسمنت الإجمالية، ولا تزال مصادر هذه الطاقة مدعومة من الدولة بنحو 9. 5 بلايين جنيه.
وحذر التقرير من خطورة استمرار الوضع الراهن لسوق الأسمنت في البلاد، في ظل السيناريو الحكومي القائم على رفع أسعار الغاز والماوزت (ارتفع سعره أول من أمس) والكهرباء إلى مستوى التكلفة الحقيقية، أي إلغاء الدعم كلياً،
ويعني ذلك تجاوز أسعار هذه السلعة الخطوط الحمر. فإذا كان المنتج يحقق هامش ربح بنحو مئتي جنيه (36 دولاراً) في الطن، في وقت تستمر مصادر الطاقة مدعومة، فماذا سيكون الوضع في حال إلغاء الدعم؟
وأفادت دراسات مبدئية أن ارتفاع أسعار الغاز يؤدي إلى رفع سعر تكلفة الإنتاج 17 في المئة، والماوزت 13. 9 في المئة، والكهرباء 2. 6 في المئة، في مقابل خفض العبء على الموازنة العامة للدولة بحوالى 400 مليون دولار فقط، لكن في الحالين سيتحمل المستهلك والسوق كل التداعيات السلبية.
وعن هيكل صناعة الإسمنت، أشار التقرير الى أن عدد الشركات المنتجة 12، يملك القطاع الخاص منها 11، بينما هناك شركة واحدة فقط هي (القومية للأسمنت) تابعة لقطاع أعمال عام. ولفت إلى ارتفاع معدلات الإنتاج السنوي من 24 مليون طن في 2000 إلى 28 مليوناً عام 2005، ثم 37 مليون طن في 2007 .
محمد محمود تاجر إسمنت نفى مسؤولية التجار عن ارتفاع الأسعار لأن المصانع تبيع بأسعار مرتفعة كل فترة. وعزا السبب في البداية إلى أن معظم مصانع الإسمنت بات تابعاً للقطاع الخاص، ويبحث أصحابها عن المكسب بعيداً من المصلحة العامة متوقعاً أن ترتفع الأسعار إلى قرب ألف جنيها للطن الواحد مع حلول الصيف المقبل.
واعتبر تاجر آخر أن الأسعار زادت مبكرا على عكس ما كان متوقعا إذ كانت ترتفع سنوياً لدى عودة العاملين في الخارج، ولكن المصانع رفعت الأسعار بشكل مفاجئ، إضافة إلى تغيير سياستها مع التجار. ورأى أن قرارات الحكومة برفع دعم الطاقة عن مصانع الإسمنت وزيادة رسوم التصدير، ستشعل أسعار الأسمنت بنسبة كبيرة جداً.
القاهرة ـ محسن محمود