الصين التي تحتضن نصف سدود العالم، الكبرى البالغ تعدادها 45 ألف سد، راحت تصدر خبرتها في الطاقة المائية إلى بلدان العالم النامية. فالشركات والبنوك الصينية تنخرط الآن في صفقات بمليارات الدولارات لبناء 47 سداً كبيراً في 27 بلداً بما فيها السودان، ومنيمار بالرغم من عزوف بلدان كثيرة وهيئات دولية عن بناء السدود.
وقال تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» إن تلك المشاريع بالنسبة للصين إنما هي جزء من خطة مكشوفة ومستدامة، لزيادة عونها إلى إفريقيا وآسيا لمساعدتها في بناء البنى التحتية مقابل الوصول إلى مصادر كالبترول والنحاس ففي كثير من البلدان التي تبني الصين فيها سدوداً، ترحب الحكومات وشريحة من المواطنين بالطاقة المائية باعتبارها مصدراً نظيفاً ومتجدداً للطاقة
وكانت شركة جنزهوبا إحدى كبريات الشركات الهندسية في الصين، ذكرت أنها فازت بعقد قيمته 5. 1 مليار دولار لبناء سد للطاقة الكهربية المائية في الباكستان. وكانت أعلنت أيضاً في وقت مبكر من العام الماضي أنها ستبني سداً بكلفة 5. 1 مليار دولار في نيجيريا.
وفي شهر نوفمبر من عام 2007، فازت بعقد لبناء سد في لاوس، قدرت كلفته بـ 2 مليار دولار. وقال تقرير الصحيفة إن الوفود الإفريقية والآسيوية الزائرة للصين، تؤخذ لمشاهدة «سد الأودية الثلاثة» باعتباره مشروعاً نموذجياً.
بالرغم من المشاكل التي واكبته بدءاً من كلفته العالية، والاضطرابات التي تسبب فيها ترحيل أكثر من مليون نسمة إلى تآكل التربة، والتلوث المتزايد. ولقد أصبحت الانتقادات الموجهة إلى السد الذي يعدّ الأكبر في العالم بكل المقاييس متلازمة بحيث بدأت الحكومة الصينية تقر بالواقع.
غير أن كثيراً من نشطاء البيئة، وحقوق الإنسان يؤكدون أن الصين ستكرر الأخطاء ذاتها التي ارتكبتها في سدودها المحلية في إطارسعيها لإحياء بناء السدود في العالم. وفي داخل الصين أخذت الحكومة تعيد التفكير في السدود الكبرى، مراعية المسائل البيئية، ومستدعية الدعم الشعبي بتطبيق معايير مثل تقدير الآثار وأصوات الناس.
وأشار التقرير إلى أن أنصار الطاقة المائية خارج الصين يساورهم القلق متخوفين من أن المشاكل التي تعتري حملة البناء الصينية الخارجية قد تلقي بظلالها على الصناعة بأكملها. ويقول «الساندرو بالميري» كبير خبراء السدود في البنك الدولي.
في هذا الصدد :«إن تلك المشاريع، قد تصاب بخلل حقيقي». معرباً عن تخوفه من إثارة تلك المشاريع لمشاكل بيئية وإشعالها للقلاقل الاجتماعية. كما أن مشاريع سدود مقترحة في إفريقيا قد تهدد الحدائق الوطنية في غانا وزامبيا غامرة بعضها بالماء، ومحدثة تغييرات في النظام البيئي بحسب أنصار البيئة.
وقالت الصحيفة إن «مشروع الأودية الثلاثة» الصيني وهي الشركة شبه الحكومية التي أدارت بناء السدود الصينية، تدرس الآن إنشاء شراكة مع شركات طاقة غربية تدرس خططاً لإقامة سد في جمهورية الكونغو الديمقراطية من شأنه توليد طاقة تبلغ ضعفي الطاقة التي يولدها سد «الأودية الثلاثة» في الصين.
وإلى جانب ذلك فإن الصين تنشط أيضاً في جنوب شرقي آسيا المجاورة حيث تنخرط 21 شركة صينية في 52 مشروعا للطاقة المائية وفقاً لدراسة مسحية أصدرها العام الماضي منتدى تطوير وتنمية الطاقة الصيني الآسيوي. وفي لاوس إحدى أفقر البلدان في العالم تقوم «سينهويدرو» التي بنت سد «الأودية الثلاثة» في الصين، ببناء سدين لتصدير الكهرباء إلى الصين وتايلاند المجاورتين.
وعلى الصعيد ذاته فإن الصين ومدافعين عن الطاقة المائية، مثل اللجنة الدولية للسدود الكبرى يقولون إن بناء السدود الكبرى يساهم في رفع مستويات المعيشة في أفقر مناطق العالم فقد طورت إفريقيا 8 في المئة فقط من قدرات الطاقة المائية لديها، وفقاً للجنة وبدوره قال «لي رويجو» رئيس بنك الصادرات والواردات الصيني: «لا نريد أن يساء فهمنا».
وأضاف نريد أن يعلم الناس أننا لا نؤذي البيئة وإنما نساعد الدول في التطور. وعزت الصحيفة الاندفاع الصيني باتجاه الجسور الكبرى إلى تلاشي الاهتمام في الغرب خلال السنوات الأخيرة وانتهائه من فورة بناء للسدود دامت عقداً من الزمن.
فقد كانت السدود مكوناً أساسياً من خطة وطنية للبناء والتصنيع وإزالة الفقر، بدءاً من سد هوفر في الولايات المتحدة خلال فترة الكساد الكبرى، إلى أكبر السدود في أوروبا وهو سد «الكويفا» في البرتغال المقترح عام 1957، وانتهى عام 2002. وقد استثمرت أميركا الشمالية وأوروبا اثنتين من أغنى المناطق في العالم 70 في المئة من ثروتيهما من الطاقة المائية وفقاً للجنة الدولية للسدود الكبرى.
المشكلات البيئية تعوق التقدم
تلاشى في بعض الفترات الاهتمام بالسدود بسبب اتضاح نتائجها البيئية ومنها على سبيل المثال سد الأودية الثلاثة في العين الذي صودق على بنائه عام 1992، بالرغم من المعارضة القوية فقد خلق في النهاية خزاناً مائياً طوله 640 كيلومتراً. وأجبر 4. 1 مليون نسمة على إعادة التوطين ويقول أنصاره إن منافع السد التي تتلخص في منعه للفيضانات الجارفة، وتوليده للطاقة النظيفة. فاقت سلبياته.
فيما قال المعارضون إن عدة سدود أصغر حجماً، كانت كفيلة بمنع الفيضانات بصورة أفضل، وخلفت آثاراً أقل ضرراً، ورضوضاً للضغوط من جانب أنصار البيئة، فإن السدود قيد الإنشاء في تسعينات القرن الماضي.
انخفضت إلى 2000، من ذروتها في سبعينات القرن الماضي والبالغ عددها 5400 سد، وقد أوقف البنك الدولي الذي تصدى لبناء السدود باعتبارها حجر الأساس لانتشال الدول من غائلة الفقر، جميع تمويلاته لبناء السدود الكبرى تقريباً. بيد أن عوامل أخرى أعادت الطاقة المائية إلى الواجهة مثل ارتفاع أسعار البترول.
والتخوف من الآثار على التسخن الحراري العالمي من احتراق الوقود الاحفوري كالفحم . وفي عام 2005، عاود بنك التنمية الآسيوي والبنك الدولي الإقراض مجدداً لتطوير السدود عندما مولا سد نام ثيون 2 في لاوس، كجزء من خطته لزيادة الدخل بتصدير الكهرباء.
وتعد الطاقة المائية في بعض الحالات مورد طاقة داعم لطاقتي الرياح والطاقة الشمسية. في غضون ذلك تحركت الصين عبر بنك الصين للصادرات والواردات، شبه الحكومي، بأكثر قوة، حسبما قال خبراء. ويقول بوشارد من انترناشونال ريفرز مجموعة البيئة.
إن الصين أصبحت خلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية. أهم ممول للسدود الكبرى حول العالم. وقد استهدفت وكالته وغيرها من المجموعات بنك الصادرات الواردات الصيني لاعتقادهم بأنه يتحمل مسؤولية كبرى لأنه يقرض شركات المقاولات الصينية التي تبنى السدود.
وهم يطالبون الصين بتبني معايير دولية للمسؤولية الاجتماعية والشفافية التي تشكل جزءاً مهماً من الجدل الواسع حول مساعدات الصين إلى العالم النامي. وكان «لي» من بنك الصادرات الواردات الصيني، دعا بوشارد إلى اجتماع بعد قراءته لانتقادات المجموعة لبنكه على الانترنت. وقام البنك اثر ذلك بنشر الخطوط العريضة لإقراضه ويعكف حالياً على دراسة التحالف مع البنك الدولي في مشاريع في إفريقيا
ترجمة: وائل الخطيب