تركت زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي للدولة والتي استهلها أمس الأول بصمات على مشهد مفصلي وحيوي لإخراج الخيار الكهرو ـ نووي الإماراتي من حيز الفكرة إلى الوجود، ويطل من بين هذه المشاهد المتتابعة والمتلاحقة مشهد يصعب أن يمحى من ذاكرة أي شخص، وهو مشهد جيرارد ميستراليه رئيس مجلس إدارة سويس العالمية، وهو يتحدث عن استخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء في منطقة الشرق الأوسط، ودارت فصول هذا المشهد خلال زيارته للدولة في صيف العام الماضي.

وتدافعت حينذاك التساؤلات حول مغزى هذا الحديث في الإمارات، وعلت علامات الدهشة والاستغراب الوجوه، فأنبرى أحد مرافقيه ليهمس قائلاً «لن أصاب بالمفاجأة إذا ما أصبحت الإمارات المتحدة الدولة الأولى في منطقة الخليج التي تنتج الكهرباء عن طريق استخدام الطاقة النووية، وانه ربما يتوافر لديها فائض تقوم بتصديره إلى بقية دول المنطقة».

ومثلما تحرك الخيار الكهرو ـ نووي على أجندة الإمارات بشكل متدرج ومتسلسل من مرحلة «التجاهل والاستبعاد» إلى إطلاق «الإشارات والإيماءات» ثم إلى مرحلة «الدراسة والفحص»، تحركت الحجج والأسانيد المؤيدة لمثل هذا الخيار من دائرة «الأمن والسياسة» إلى دائرة «اقتصادات الطاقة».

وتنطلق النظرة إلى مثل هذا الخيار من منطلق الجدوى الاقتصادية، أي الاعتبارات المرتبطة بالتكلفة والمكاسب على الأجل الطويل، فضلاً عن النظر إليه من منطلق أمن إمدادات الطاقة، أي تنويع مصادر الطاقة وعدم تركيز الاعتماد على النفط والغاز الطبيعي (الوقود الأحفوري) في تلبية الطلب المتصاعد على الطاقة الكهربائية المدفوع بالنمو الاقتصادي الضخم والتوسع السكاني بمعدلات كبيرة.

وعلى هذه الأرضية، بات ينظر إلى الخيار «الكهرو ـ نووي» بالنسبة للإمارات على أنه أحد الحلول الممكنة لمواجهة التحديات المرتبطة بتصاعد الاستهلاك المحلي لمواردها من النفط والغاز، وما قد يرافق هذا الأمر من تأثيرات سلبية على حصتها في أسواق النفط العالمية، وما قد يتبعه من تراجع في حصيلة العائدات البترولية التي تشكل مصدراً رئيسياً للدخل.

وبالتالي، يعد هذا الخيار من وجهة نظر بعض المحللين أحد البدائل المتاحة لتحقيق التوازن بين تلبية الطلب المحلي المتصاعد على الطاقة الكهربائية والحفاظ على حصيلة العائدات البترولية، وذلك في إطار مراجعة هذه الدول لاستراتيجياتها في مجال تأمين وتنويع موارد الطاقة للتحوط ضد مخاطر زيادة الاعتماد على مورد للطاقة بشكل أكبر من مورد آخر.

الإشارات والإيماءات

انطلقت الإشارات من الإمارات لتؤشر على دخولها مرحلة جديدة في الاهتمام بالطاقة النووية، بعدما كانت هذه القضية خارج الأجندة، وتجسدت هذه الإشارات في التصريح الذي أدلي به سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية، حيث أشار إلى أن الإمارات تدرس حالياً إقامة برنامج في مجال التقنية النووية للأغراض السلمية طبقاً للمعايير والأنظمة الدولية، وذلك من خلال التنسيق والتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي.

وتتابعت مشاهد إخراج الخيار الكهرو ـ نووي الإماراتي إلى حيز الوجود، حيث ترددت أنباء عن شراكة بين مجموعات الطاقة الفرنسية «توتال» و«سويز» و«اريفا» لاقتراح بناء مفاعلين نوويين من طراز «اي بي آر» على الإمارات العربية المتحدة «ستتخذ شكلاً رسمياً خلال الأيام المقبلة».

وذكرت صحيفة «لي زيكو» الاقتصادية في 15 يناير الجاري على موقعها الالكتروني أن «شراكة غير مسبوقة بهدف بناء مفاعلين نوويين من الجيل الثالث ثم استثمارهما في الإمارات» تم التوصل إليها بين مجموعات الطاقة الثلاث، وفي اليوم ذاته، تحركت شركة توتال الفرنسية لدخول الساحة النووية منضمة إلى شركتي سويز واريفا في تقديم عرض لبناء مفاعلين نوويين من الجيل الجديد في الإمارات. وقالت الشركات الثلاث في بيان مشترك ان توتال وسويز واريفا تعتزم تقديم عرض لتوفير حل نووي متكامل يشمل مفاعلين بطاقة 1660 ميجاوات ومنتجات دورة الوقود وخدمات.

طرق الخيار الكهرو ـ نووي

وقد عزفت الإمارات شأنها شأن الدول الخليجية الأخرى ـ من وجهة نظر البعض ـ عن طرق أبواب تكنولوجيات الطاقة النووية، نتيجة امتلاكها ثروة نفطية ومخزوناً كبيراً جعلها تنأى عن التفتيش عن مصادر بديلة للنفط، وطرأت على هذه الصورة الكثير من المستجدات التي جعلت الإمارات تنظر بجدية إلى خيار الطاقة «الكهرو ـ نووية»، بل وتخضع مثل هذه الخيار للدراسة والفحص ضمن خيارات التعامل مع تحديات أمن إمدادات الطاقة على الأجل الطويل.

ويبرز في صدارة هذه المستجدات، حرص الإمارات على المحافظة على احتياطاتها الهيدروكربونية من النضوب والتراجع، في ظل واقع مفاده أن النفط مازال يشكل شريان حياة لاقتصاداتها، فعلى الرغم من قطع هذه الدول شوطاً كبيراً على طريق تنويع هيكلها الاقتصادي، إلا أن قطاع الطاقة الهيدروكربونية مازال يسهم بحوالي 87% من العائدات الحكومية في الإمارات، وتتبنى الإمارات مبادرات جديدة لزيادة طاقتها الإنتاجية، حيث تسعى لزيادة طاقتها الإنتاجية إلى 4 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2010.

ويتمثل التحدي الأول في صعود الطلب المحلي على موارد الطاقة نتيجة لتسجيل الدولة معدلات نمو قياسية، حيث قدر تقرير صادر مؤخراً عن مجلس الطاقة العالمي أن دولة الإمارات العربية تحتاج إلى 1500 ميجاوات إضافية سنوياً خلال السنوات العشر المقبلة للإيفاء بالطلب المتزايد على استهلاك الكهرباء، وقدر التقرير حجم الاستثمارات في قطاع توليد الكهرباء في دول مجلس التعاون الخليجي بنحو 6 .45 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، وستستحوذ الإمارات والسعودية على معظم هذه المشاريع، حيث سيصل إجمالي الاستثمار في السعودية وحدها نحو 30 مليار دولار.

وقد انتهت هيئة أبوظبي للكهرباء والمياه من دراسة لاحتياجات أبوظبي من الكهرباء حتى 2020. وخلصت الدراسة التي أعلنتها في مارس 2006 إلى أن المشاريع العقارية العملاقة التي بدأ تنفيذها في أبوظبي سترفع الطلب على الكهرباء من 2009 حتى 2015.

وقدرت الهيئة أن يرتفع الطلب على الكهرباء إلى 3983 ميجاوات بحلول 2013 وإلى 4644 ميجاوات في 2020، كما توقعت الدراسة أن يصل الطلب على الكهرباء في أبوظبي إلى 7333 ميجاوات عام 2009 وإلى 12590 ميجاوات في 2015 وإلى 14226 ميجاوات في 2020 في سيناريو آخر.

بحيث تصل ذروة الارتفاع إلى 4680 ميجاواط في العام الجاري. وسيكون الطلب على المياه أقل حدة، حيث من المتوقع أن يصل إلى 635 مليون غالون يومياً في العام الجاري وإلى 746 مليون غالون يومياً عام 2009، وإلى 881 مليون غالون يومياً في 2015، وتصل الذروة إلى 957 مليون غالون في 2020.

وأفادت تقديرات إن أبوظبي لديها طاقة إنتاجية تستطيع أن تغطي الاحتياجات حتى 2008، لكن في عام 2009 سيكون هناك عجز طفيف ولذلك تبحث الهيئة في سبل عدة لتغطية الطلب في ذاك الوقت وهناك خيارات عدة لإنشاء مشاريع جديدة في الشويهات في المنطقة الغربية أو في القطفة في إمارة الفجيرة.

وقد أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي مرحلة جديدة ومفصلية في تاريخ اهتمام إمارة دبي بمصادر الطاقة المتجددة بتأكيد سموه في مقابلة صحافية مع مجلة «بايبلاين مجازين» بتاريخ 29 مارس الماضي أن الخيار الأفضل بالنسبة لدبي سيكون الطاقة الشمسية وأن الحكومة تدرس أيضاً استغلال طاقة الرياح. وشرح سموه بأنه إذا تمكنت دبي من إنتاج 200 ميجاوات من الطاقة المتجددة سنوياً فستتمكن من تخفيض انبعاثات الكربون بنحو 5 .1 مليون طن سنوياً.

ولفت سموه إلى أن النمو الاقتصادي السريع سيؤدي إلى زيادة الطلب على الطاقة في دبي إلى الضعف بحلول عام 2015 وان محاولة ملاحقة هذا المستوى من النمو ستنطوي على تحد متزايد، كما أوضح سموه أن استهلاك الإمارة للكهرباء غير مرشد وهو يأتي ضمن أعلى متوسطات استهلاك الفرد في العالم.

«تلبية الطلب المحلي»

يتعلق التحدي الثاني بالحفاظ على التوازن بين تلبية الطلب المحلي على موارد الطاقة واستمرار تحقيق عائدات مرتفعة من جراء تصدير النفط والغاز، فيما يرتبط التحدي الثالث بتصاعد الطلب المحلي على الطاقة الكهربائية الناجم عن النمو السكاني والاقتصادي السريعين، ويعتقد بعض المحللين أن مرحلة التغيير قد اقتربت كثيراً، وأنه من المحتمل أن تسفر عن صورة مختلفة تماماً خلال العقدين المقبلين فيما يتعلق باتجاهات الطلب والعرض على الطاقة الكهربائية.

حيث قدر خبراء أن يصل حجم الاستثمارات في قطاع توليد الكهرباء في دول مجلس التعاون الخليجي إلى 6 .45 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، وتوقع نيل والكر خبير شؤون الطاقة في بنويل العالمية أن تستحوذ دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية على معظم هذه المشاريع.

وأشار إلى انه سيتم استثمار ما يقارب من 8 مليارات دولار في دولة الإمارات لرفع طاقة الإنتاج بحوالي 7000 ميجاواط، ويقدر الخبراء أن طاقة الإمارات على توفير الكهرباء بحاجة لأن تتزايد بنسبة 60% لتصل إلى 26 ألف ميجاوات، وأنه من المتوقع أن يرتفع الطلب على الطاقة الكهربائية في إمارة أبوظبي بمفردها بنسبة 75% بحلول عام 2015.

وهذا يعني أن هيئة كهرباء ومياه أبوظبي بحاجة إلى توفير طاقة كهربائية إضافية تتراوح سعتها بين 1500 و2000 ميجاوات سنوياً خلال المستقبل المنظور لتلبية صعود متطلبات الاستهلاك، وتشير التقديرات التي أعلنتها هيئة مياه وكهرباء أبوظبي في يناير 2006 إلى أن حجم الاستثمار المطلوب لتغطية نسبة الطلب على الكهرباء والماء بأبوظبي يتراوح بين 800 ـ 900 مليون دولار سنوياً وأن نسبة النمو السنوي في قطاع الكهرباء بأبوظبي يصل بين 6 ـ 7% بينما تصل في قطاع الماء 5%.

وينطوي اتخاذ قرار بهذا الشأن على تعقيدات وصعوبات بالغة، بيد أن الإمارات تمتلك ـ بحسب أقوال يحيي لوتاه نائب رئيس مجلس إدارة مجموعة س.س. لوتاه الرئيس والمدير التنفيذي ل«مجموعة الطاقة الدولية» ـ كل العوامل التي تؤهلها لتبني تقنيات الطاقة المتقدمة واستخدام مصادر الطاقة المتجددة بشكل تجاري واسع سواء من حيث مشاريع البنية التحتية الضخمة أو معدلات النمو الهائلة في جميع المدن إلى جانب النمو الاستثنائي في قطاع السياحة ونجاح استراتيجية التنويع في مصادر الدخل، ومن ثم، فإن الإمارات لا تبدأ من الصفر، حيث إنها على مدار السنوات العشر الماضية كانت الرائدة إقليمياً في مجال استخدام الطاقة النظيفة.

دبي ـ مجدي عبيد