بدأت في الأول من يناير الجاري إجراءات تنفيذ وتطبيق السوق الخليجية المشتركة بعد ان زف قادة دول مجلس التعاون الخليجي لشعوب بلدانهم في القمة الخليجية خبر التنفيذ الفوري بدءاً من هذا التاريخ مؤخرا في العاصمة القطرية الدوحة.
حيث شدد قادة البلدان الخليجية على ضرورة تعميق المواطنة ودعوا إلى تحقيق المساواة التامة في المعاملة بين مواطني دول المجلس في ممارسة المهن والحرف والأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، ولا يختلف اثنان على أن ذلك الإعلان يعكس وجود رغبة حقيقية لدى قادة البلدان الخليجية في تحقيق وحدة خليجية متكاملة تفضي إلى ولادة عملة خليجية موحدة.
وخاصة أن البلدان الخليجية تتداخل وتتشابك مصالحها بشكل يجعل من الصعب وربما من المستحيل فصل تلك المصالح عن بعضها البعض ناهيك عن رباط الدم والدين والعادات والتقاليد والأهداف والمصير المشترك.
ولكن ماذا سيعني تطبيق سوق خليجية مشتركة بالنسبة للمواطن الخليجي وكيف سينعكس هذا التطبيق على أسواق المال والعقار وعلى قطاعات أخرى كالسياحة والخدمات والصناعة والنفط في الدول الخليجية، والسؤال الأهم كيف ستتأثر التجارة الخليجية البينية بذلك السوق وخاصة أن القوانين والتشريعات التجارية في البلدان الخليجية مازالت غير موحدة.
ناهيك عن تفاوت الأنظمة المالية الخليجية في دول المجلس فمنها الحر والمفتوح ومنها المنغلق والمتحفظ كما سنناقش إن كان تأسيس هذا السوق سيدعم ما يعرف بالمواطنة المالية في الدول الخليجية أيضا سنقف في تحقيقنا عند سؤال مهم للغاية وهو: إلي أي مدى سيساهم تأسيس السوق الخليجية المشتركة في الإسراع في توقيع العديد من الاتفاقيات التجارية الدولية العالقة بين دول المجلس
وتكتلات اقتصادية أخرى على غرار اتفاقية التجارة الحرة لدول المجلس مع الاتحاد الأوروبي والتي مازالت تسير في طريق متعثر لأكثر من 16 عاما، وفيما وقعت دول خليجية اتفاقية مماثلة مع الولايات المتحدة لا تزال دول خليجية أخرى تطمح في هذا التوقيع. البيان تفتح ملف «السوق الخليجية المشتركة» ومستقبل المنطقة الخليجية في ظل ولادة هذا السوق.
يعتقد عبدالحكيم الطاير رئيس مجلس إدارة شركة هاي رايس العقارية أن دول مجلس التعاون الخليجي مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بضرورة تفعيل هذه الاتفاقية التي جاءت عبر ولادة عسيرة استمرت أكثر من سبع سنوات.
لأن الظروف وتسارع الأحداث وولادة تكتلات اقتصادية في العالم ستعمل على رسم خارطة اقتصادية عالمية من نوع جديد لذلك فإن هذه الاتفاقية حال تفعيلها ستسهم بشكل كبير في رفد التجارة البينية لدول المجلس وتعزيز حركة الرساميل فيها كما أنها ستفرض هذه السوق نفسها على التكتلات الأخرى وتكون مصدر قوة ولاعب بارز على المستويين الإقليمي والعالمي.
ويرى الطاير أنه من البديهي جداً أن تنعكس الوحدة الاقتصادية لدول مجلس التعاون إيجاباً على حجم المشاريع الإنتاجية في المنطقة خاصة وأن هذه الدول باستثناء البحرين تعد من كبرى الدول المصدرة للنفط الذي يتوقع أن تواصل أسعاره في الارتفاع وبالتالي زيادة في السيولة التي ستسهم أيضا في دعم قطاعات عدة كالتجارة والصناعة والعقار والسياحة وقطاع المال.
من جهة أخرى يرى الطاير أن القطاع المالي هو واحد من القطاعات التي ستتأثر إيجابا حال تفعيل اتفاقية السوق الخليجية المشتركة لأن تأسيس هذا السوق هو خطوة ايجابية في الاتجاه الصحيح نحو إصدار عملة خليجية موحدة التي ينتظر أن يكون لها شأن كبير بين العملات العالمية مثل الدولار واليورو لاسيما وأن هذه الدول هي مصدر رئيسي لعصب الصناعة إلا وهو النفط.
الأمر الآخر أن تأسيس هذه السوق سيقرب المسافات بين مواطني دول مجلس التعاون وسيشجع التجارة البينية كما انه سيلعب دورا فاعلا في التأثير على دول مجلس التعاون العربي لاتخاذ إجراء مماثل.
ويؤكد الطاير على أن إنشاء السوق الخليجية المشتركة يعتبر خطوة مهمة على طريق تشكيل اقتصادي قوي لمواجهة التحديات التي تمر بها المنطقة والعالم، في ظل نظام العولمة وانتشار الكيانات الكبرى على غرار الاتحاد الأوروبي.
فضلا على ذلك فإن توحيد العملة الخليجية سيشكل دعامة اقتصادية كبرى في ميزان الاقتصاد العالمي حيث سيعمل على التأثير في صناعة القرار الدولي وبالتالي ستصبح الدول الخليجية من الدول التي يحسب لها ألف حساب إذا أخذنا في الاعتبار أن الدول الخليجية هي المصدر الرئيسي للطاقة كسلعة إستراتيجية مهمة، كما انه سيزيل التفاوت والاختلاف في الأنظمة المالية الخليجية وبالتالي سيعمل على تحقيق ما يسمى بالمواطنة المالية.
ولبلوغ هذا الهدف يتوجب على الدول المعنية العمل يدا بيد من اجل إزالة كافة الصعوبات والعراقيل أمام هذا المشروع والوصول إلى الهدف الأعلى وهو الاتحاد الكامل على غرار الاتحاد الأوروبي والسوق الأوروبية المشتركة التي سهلت التجارة والتنقل بين دول الاتحاد مما رفع من مستوى النمو الاقتصادي والمعيشة لدى مواطني هذه الدول.
الطفرة والمضاربة في سوق العقارات
نتج عن بداية هذا النشاط في تطوير العقارات بدبي والذي تقوده الحكومة بشكل رئيسي، وكان لهذا النشاط تأثير فعال في الإمارات الأخرى بالدولة ودول مجلس التعاون المجاورة. وقدر أن مشاريع التطوير الجديدة هذه سوف تجذب أكثر من 80 مليار دولار من الاستثمارات في الأعوام الخمسة المقبلة. في عام 2005، قامت في الإمارات 64% من إجمالي قيمة المشاريع الجديدة تحت الإنشاء في دول مجلس التعاون.
يمكن أن تعزى الطفرة الحالية في قطاع العقارات بالإمارات وتحديدا في دبي إلى استقرارها السياسي والثقافي والمالي داخل الإقليم. استطاع سوق العقارات في دبي جذب غالبية المستثمرين ذوي الإمكانيات العالية من دول مجلس التعاون وشبه القارة الهندية وأوروبا والولايات المتحدة.
وبالنسبة للمضاربات في خطط المشاريع التي لا تزال على الورق من قبل المستثمرين الذين هم غير مشترين (مستخدمين)، فقد تأرجح السوق في اتجاه سوق للمستثمرين وليس سوق للمشترين. وقد نتج عن ذلك أسعار عالية التضخم للعقارات وثقة مستهلك ومستخدم ضعيفة.
كذلك وجد مطورو العقارات أنفسهم أمام تكاليف بناء مرتفعة وتأجيل في مواعيد إكمال المشاريع. مع ارتفاع عدد السكان في الإمارات، سواء مواطنين أو عمالة وافدة، والنقص في توفر وحدات عقارية، ارتفعت أسعار الإيجارات بمتوسط قدره 38% في دبي و70% في عجمان خلال عام 2005. ويثير ذلك سؤالا حول ما إذا سوف تستقر الإيجارات وأقساط الشراء في المستقبل القريب.
يحيى بن سعيد آل لوتاه: المنطقة ستكون مهيأة لريادة قطاعي البحث العلمي والصناعات المعرفية
نظر المهندس يحيى بن سعيد آل لوتاه -الرئيس التنفيذي لمجموعة س . س لوتاه إلى إعلان السوق الخليجية المشتركة كونها خطوة ايجابية نحو تطوير البنية التحتية للمنطقة وما سينتج عنه من خلق فرص عمل لشباب المنطقة كماً وكيفاً وتحقيق النمو والرخاء المستدام لشعوب المنطقة.
ويرى لوتاه أن الفترة القادمة ستكون فترة انتظار وترقب من جانب المستثمرين حتى تظهر مدى جدية تطبيق القرارات الأخيرة للقمة وإعطاء إشارة اطمئنان لرؤوس الأموال وتوفير المناخ الاقتصادي الذي يدعم حرية الاستثمار وحركة رؤوس الأموال ويقول لوتاه : في رأيي أنه إذا توفرت الظروف الاستثمارية المناسبة سيكون هذا بداية عهد جديد لاستثمارات أبناء المنطقة فيها.
ويمكن أن أقول ان هذه ستكون علامة ايجابية لتشجيع عودة رؤوس الأموال الخليجية المهاجرة إلى الغرب وأميركا إلى المنطقة خاصة مع تغير الظروف السياسية العالمية والتي أصبحت تقيد حرية الاستثمارات الخارجية للعرب والخليجيين ومثال على ذلك فشل صفقة شركة موانئ دبي العالمية في إدارة بعض الموانئ في أميركا.
ويؤكد يحيى بن سعيد آل لوتاه على أن دول المنطقة تملك إمكانات اقتصادية هائلة وقد بدأت هذه الدول منذ فترة إقامة مشروعات ضخمة كما نرى في مشروعات البتروكيماويات السعودية، ومشروعات الالومنيوم بالإمارات، والغاز بقطر وستمهد هذه الخطوة للتنسيق بين الدول والقطاع الخاص في دراسة احتياجات السوق ومعرفة حجم ومجالات المشاريع الإنتاجية.
وهذه الخطوة مهمة لإيجاد نشاط اقتصادي بين هذه الدول لأن السبب الحالي لتدني حجم التجارة البينية الخليجية هو تشابه الإنتاج الخليجي، وبالتالي تشابه صادرات هذه الدول لكن مع التنسيق والتكامل الاقتصادي سيتحقق نجاح أكبر للمشروعات الإنتاجية.
ويرى يحيى بن سعيد آل لوتاه أن إطلاق السوق الخليجية المشتركة سيدعم نمو واستقرار أسواق المال في الدول الخليجية خاصة وأن غالبية الشركات المدرجة في أسواق المال الخليجية لها نشاط واستثمارات في دول المنطقة الأخرى والقرارات الأخيرة ستدعم وضع واستقرار ومكاسب هذه الشركات بما ينعكس ايجابياً على سوق المال لهذه الدول.
أما عن تأسيس سوق مالي خليجي موحد فيرى لوتاه بأن ذلك يحتاج إلي مزيد من التنسيق بين الدول وتعديل بعض الأنظمة الاقتصادية الداخلية لها إضافة إلى مزيد من الوقت لإنجاح وتفعيل قرار إنشاء سوق خليجية مشتركة وماله من التزامات من الدول الأعضاء.
ويتفق يحيى بن سعيد آل لوتاه على أن تأسيس السوق سيساهم في زيادة عدد الشركات العاملة في القطاع العقاري وتوقع لوتاه أن تطرأ موجة أخرى من النشاط العقاري في مختلف دول المنطقة تقودها تحالفات كبيرة لشركات القطاع الخاص ومشروعات مشتركة مما سيسهم في توفير المشروعات السكنية ولا أتوقع زيادة كبيرة في الطلب على شراء العقار في الإمارات إلا في حالة توافد أعداد كبيرة من الأيدي العاملة الخليجية إلى الإمارات فهذا شأن آخر.
ويعتقد يحيى بن سعيد آل لوتاه بأن جميع القوانين والتشريعات التجارية في الدول الخليجية ستخضع مستقبلاً لاتفاقيات التجارة الحرة وقرارات منظمة التجارة العالمية كما يرى لوتاه فرصة كبيرة لدول الخليج للاتفاق على نظام اقتصادي وأحد يحفظ لها نموها الصناعي والتجاري البيني في ظل الانفتاح المتوقع، وهذا ما يجب أن تنظر إليه الأجهزة الاقتصادية عند رسم السياسات الاقتصادية للسوق الخليجية المشتركة.
ويقول يحيى بن سعيد آل لوتاه أن هناك موجة غلاء وتضخم عالميين وليس في منطقتنا وحسب، والمؤكد أن هناك تفاوتا واضحا في معدلات التضخم بين دول المنطقة وإذا ما تم التنسيق بين الدوائر الاقتصادية في هذه الدول فستتراجع نسبة التضخم في هذه البلدان وهناك بعض الدول تهتم حالياً بتصنيع بعض السلع للتصدير، ولهذا فسوف تسعى إلى إزالة العوائق التي تحول دون تواجد منتجاتها في الأسواق العالمية ومنها ارتفاع الأسعار.
في حين توقع آل لوتاه بأن ينعكس تأسيس السوق الخليجية المشتركة ايجابياً على كافة القطاعات الاقتصادية، ويعتقد لوتاه بأن قطاعي الصناعات الذكية والسياحة سيكونان أكثر القطاعات نشاطاً خاصة ان دول المنطقة تتجه حالياً نحو دعم اقتصاد المعرفة بكافة صوره ولديها الإمكانيات التي تؤهلها لاحتلال مكانة متميزة في هذا القطاع على مستوى العالم وإذا ما تم التنسيق بين هذه الدول في هذا القطاع فستكون المنطقة مركزاً للصناعات التكنولوجية الحساسة والدقيقة ومشروعات البحث العلمي.
ويرى آل لوتاه أن ولادة الاتحاد الأوروبي كانت لأسباب سياسية اقتصادية في هذه الفترة وقد ساهم توافق الشعوب والقادة في هذه القارة على تحقيق هذا الاتحاد رغم وجود بعض الاختلافات العرقية واختلاف المستوى الاقتصادي لها، ودول المنطقة أكثر قابلية لهذا الاتحاد خاصة وأن هناك عوامل مشتركة تجمعها كاللغة والتاريخ والمستوى الاقتصادي المتقارب وغيرها ما يجعلها مهيأة أكثر لتحقيق آمال شعوبها.
ويؤكد آل لوتاه بأن عملية تأسيس السوق الخليجية المشتركة ستساهم في تسريع الاتفاقيات التجارية لأننا هنا نتكلم عن سوق مشتركة واحدة وسيتم التعامل معها عالمياً بناء على هذه النظرة.
تحقيق: كفاية أولير