عادت أسعار النفط الخام للارتفاع في المبادلات الالكترونية في آسيا أمس بعد تراجع كبير في نيويورك بسبب مخاوف من تقلص الطلب على الذهب الأسود بحسب وسطاء. وفي إحدى مراحل التداول ارتفع سعر برميل النفط الخفيف «لايت سويت كرود» تسليم فبراير 76 سنتا ليصل إلى 47. 94 دولارا.

وارتفع سعر برميل النفط برنت المستخرج من بحر الشمال تسليم فبراير 76 سنتا ليبلغ 98. 92 دولارا. وكانت أسعار النفط تراجعت الخميس للجلسة الثانية على التوالي اثر تراجع سعر البرميل في نيويورك حيث اقفل تحت 94 دولارا تخوفا من ان يؤثر التباطؤ الاقتصادي للمستهلكين الكبار على الطلب على النفط.

ورأى الخبير الاقتصادي ستيف رولز في هونغ كونغ «ان التراجع الملفت الخميس يشير مجددا إلى وشوك تراجع الاقتصاد الأميركي». وخفض المحللون في بنك غولدمن ساكس الخميس توقعاتهم للنمو الاقتصادي بالنسبة لليابان التي تعد المستهلك الثالث للنفط، بعد تأكيدهم ان الولايات المتحدة «تسير نحو انكماش اقتصادي».

وقد زاد رئيس الاحتياطي الفدرالي الأميركي بن برنانكي من التشاؤم السائد لدى إشارته إلى ان «تغيرات أخيرة في التوقعات الاقتصادية ومخاطر على النمو» ستجعل من الضروري خفض معدلات الفائدة الأميركية مجددا.

في الأثناء قال محلل نفطي أميركي بارز إن سعر 100 دولار لبرميل النفط الخام ما يزال «رخيصا إلى حد ما» لان الطلب العالمي لم يظهر اي إشارات على التراجع فضلا عن النقص في امدادات الطاقة. ورفض سيمونز مؤسس سيمونز اند كو انترناشونال ومقرها هيوستون فكرة ان ركودا وشيكا في الولايات المتحدة سيحد من ارتفاع أسعار النفط والتي تراجعت منذ تجاوزت 100 دولار للبرميل يوم الثالث من يناير.

وقال سيمونز «الطلب اقوى مما تخيله احد على الإطلاق». وأشار سيمونز إلى ان انخفاض المخزونات وارتفاع الطلب من الصين والاضطرابات السياسية وضعف الدولار كلها عوامل دفعت أسعار النفط الخام أكثر من 70 في المئة منذ أكثر قليلا من عام مضى.

ورفض رأي ادارة معلومات الطاقة الأميركية بأن أسعار النفط الخام يمكن ان تتراجع دون 90 دولارا للبرميل هذا العام. لكن سيمونز قال عن الحديث عن ركود أميركي «لا يعني ذلك اي شيء». واضاف «شهدنا ارتفاعا مطردا لا يهدأ في الطلب العالمي على النفط».

وأشار إلى انه لا توجد دلائل على ان ارتفاع الأسعار حد من الظمأ العالمي على النفط. وأفادت وكالة الطاقة الدولية ان من المتوقع ان تختص الصين وحدها بأكثر من 400 ألف برميل يوميا اي ثلث الزيادة في الاستهلاك العالمي للنفط في 2008. وقال سيمونز ان سعر النفط الخام في السنوات القليلة الماضية ارتفع باطراد متجاوزا التوقعات.

وفي إطار الجدل الدائر حول موقف الإمدادات قال محلل يرصد حركة شحنات النفط ان صادرات نفط أوبك عدا أنجولا والاكوادور سترتفع 130 ألف برميل يوميا في الأسابيع الأربعة حتى 26 يناير الجاري بسبب الطلب الشتوي لتصل بذلك إلى مستويات أعلى كثيرا عنها قبل عام.

وتوقع روي ميسون من مؤسسة أويل موفمنتس الاستشارية ارتفاع صادرات النفط الخام المنقولة بحرا من 11 عضوا في أوبك إلى 55. 24 مليون برميل يوميا مقابل 42. 24 مليون برميل يوميا في الأسابيع الأربعة السابقة حتى 29 ديسمبر. وأضاف أن الزيادة ستصل بالشحنات إلى مستوى يرتفع نحو 270 ألف برميل يوميا عن الفترة نفسها من العام الماضي.

وأوضح ميسون «كل المعروض الإضافي يتجه شرقا من الخليج وتلك هي القصة في يناير». وقال «النفط المتجه غربا يتراجع في يناير بينما يرتفع في اسيا وهو نمط طبيعي لهذا الوقت من السنة». مضيفا أن الصادرات إلى المنتجين الآسيويين تقترب من ذروتها الموسمية. وقال «الذروة التالية ستمثل تعافيا في إمدادات النفط المتجهة غربا عندما تحدث».

وبدا أن البلدان المستهلكة باتت تأخذ على محمل الجد مسألة بناء علاقات قوية مع المنتجين من أجل تأمين الإمدادات. وقالت وزارة الطاقة الأميركية ان وزير الطاقة الأميركي سام بودمان سيزور خلال هذا الأسبوع خمس دول عربية لتحسين علاقات الولايات المتحدة مع الدول المنتجة للنفط بمنطقة الشرق الأوسط.

وتأتي الجولة قبل نحو أسبوعين من اجتماع أعضاء أوبك والذي يعقد اول فبراير المقبل لمراجعة الأوضاع في سوق النفط وتحديد سياسة الإنتاج. وقال بودمان ان سوق النفط العالمية تحتاج إلى مزيد من الإمدادات من اوبك للمساعدة في إعادة بناء مخزونات الخام المتدنية وخفض أسعار النفط التي سجلت مستوى قياسيا فوق 100 دولار للبرميل الأسبوع الماضي. وتشمل جولة بودمان السعودية والإمارات وقطر.

ومن المتوقع ان يجتمع مع مسؤولين حكوميين كبار وقادة في قطاع الأعمال وشخصيات كبيرة اخرى. وقالت الوزارة ان بودمان سيدعو أيضا خلال الجولة للاستثمار في مصادر الطاقة التقليدية والبديلة وتشجيع كفاءة الطاقة العالمية. وخلال وجوده في الإمارات سيتحدث بودمان أثناء مؤتمر عن طاقة المستقبل حيث سيعرض جهد إدارة بوش لتطوير تقنيات للطاقة البديلة.

من جهة أخرى توقع استطلاع صحافي انخفاض أسعار النفط الخام الأسبوع القادم وسط تكهنات بأن مصافي التكرير الأميركية ستزيد مخزونها، بعد انقطاع الموارد في شهر لخفض الاقساط الضريبية.

وقال 21 من بين 39 محللاً و54 في المئة جرى استطلاع آرائهم، ان أسعار النفط ستنخفض في 18 يناير. فيما قال23 في المئة ان العقود الآجلة ستزداد وتوقع نسبة حدوث تغيير بسيط. وكان 52 في المئة قالوا الأسبوع الماضي، ان أسعار النفط سترتفع.

وكانت مخزونات النفط الأميركي الخام انخفضت 8. 31 مليون برميل خلال الأسابيع الثمانية الأخيرة. وفقاً لوزارة الطاقة. وعادة ما تخفض مصافي التكرير الأميركية وارداتها من النفط، أواخر ديسمبر، لان بعض الولايات تفرض ضرائب على كميات المخزون، نهاية العام.

ارتفاع أسعار البترول يفرض أجواء من الغموض

يشعر المحللون بالقلق إزاء احتمال أن يضيف ارتفاع أسعار النفط المستمر مقترنا بأزمة الرهن العقاري الأميركية مزيدا من الغموض إلى مستقبل الاقتصاد العالمي. فوفقا لتوقعات الاقتصاد العالمي «التي نشرها صندوق النقد الدولي في أكتوبر الماضي» ستشهد الدول الغنية نموا اقتصاديا نسبته 2. 2% في عام 2008،

وهو اقل من الرقم الذي سجل في عام 2007 والبالغ 5. 2% . وتنبأ التقرير برؤية اتجاه التباطؤ في الدول النامية أيضا والتي تشهد نموا بنسبة 4. 7%، وهو اقل بكثير من نسبة نموها في العام الماضي والتي كانت قد سجلت 1. 8%.

وقال المحللون إنه في ضوء الارتفاع الأخير في أسعار البترول، فان الاقتصاد العالمي قد يتراجع أكثر. وذكرت اميليا توريس المتحدثة باسم اللجنة التنفيذية للاتحاد الأوربي أن أسعار البترول ترتفع سريعا منذ الصيف، وانه إذا ما استمرت هذه المستويات المرتفعة للغاية، فسيكون لذلك بالطبع تأثير على الاقتصاد».

في حين ذكرت صحيفة «بيزنيس ويك» نقلا عن فاضل غيط محلل الطاقة البارز قوله «إن بقاء سعر النفط عند مستوى 100 دولار للبرميل سيكون معناه تضخما ومصاعب اقتصادية». وأضاف انه «على الرغم من حقيقة أن زيادة الأسعار الكبيرة مؤخرا لم تكن بدافع نقص الإمدادات، إلا أن ارتفاع الأسعار سيظل له تأثير واسع». وأشار المحللون إلى أن ارتفاع أسعار البترول المستمر سيؤثر سلبا على اقتصاد العالم في اتجاهين.

فإذا ما اضطر الأفراد إلى دفع ثمن أعلى مقابل الطاقة، فان قدرتهم الاستهلاكية الفردية سيتم تحجيمها، مما يعوق النمو الاقتصادي الشامل، حيث أصبح الاستهلاك الفردي بالفعل داعما رئيسيا للاقتصاد في الدول الغنية، من ناحية أخرى، فإن ارتفاع أسعار البترول سيزيد من مخاطر التضخم في شتى أرجاء العالم، نظرا لأن البترول أصبح الآن مادة خاما لا يمكن الاستغناء عنها تستخدم في نطاق واسع من المجالات.

أما بالنسبة للاقتصادات المتقدمة، فقد أدت أزمة الرهن العقاري إلى نقص السيولة المالية. وفى محاولة لتجنب المزيد من الاضطرابات في السوق المالية، اضطر بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي إلى تخفيض سعر الفائدة أو التوقف عن رفعه من اجل حفز السيولة. بيد أن ارتفاع أسعار النفط يشكل ضغطا لحدوث تضخم محتمل سيضع البنوك المركزية الغربية في معضلة بشأن ما إذا كانت سترفع سعر الفائدة أو تخفضه.

ورغم ذلك، يعتقد العديد من المحللين أن ارتفاع أسعار البترول حاليا لن يكون مدمرا للاقتصاد العالمي كما كان الحال في الماضي، حيث إن الاقتصادات الغربية مثل الولايات المتحدة خفضت بشكل كبير اعتمادها على البترول خلال الثلاثين عاما الأخيرة. وقال كاي سميث، خبير الاقتصاد الكلي بإدارة معلومات الطاقة «إن (إنفاق الدخل الشخصي على الطاقة) كان مرتفعا بكثير عام 1979- 1980 عما هو عليه حاليا».

وفي ذات السياق قال ليستر ليف، أستاذ الاقتصادات بكلية تيبير للأعمال بجامعة كارنيجي ميلو انه في عام 1981، تم إنفاق ما بين 14 إلى 15 % من إجمالي الناتج المحلي للدولة على الطاقة، لكن الرقم انخفض حاليا إلى 7%، فيما علق ديفيد فايس، كبير خبراء الاقتصاد في ستاندرد اند بور بالقول «إن المستهلكين يقومون حتى الآن بشيء عجيب بتجاهلهم ارتفاع أسعار البترول».

من جهة أخرى أشارت صحيفة «ديلي تيليجراف» البريطانية إلى أن العلاقة بين البترول والاقتصاد الأوسع في السنوات الأخيرة « لم يكن في وضع طبيعي» أحيانا. وان ارتفاع أسعار البترول بواقع عشرة أضعاف في السنوات الأخيرة اظهر عدم تأثيره بشكل واسع على الاقتصاد العالمي.

وعلى الرغم من أن آراء المحللين حول تأثير ارتفاع أسعار البترول على الاقتصاد العالمي قد تختلف، لكن تأثيره النفسي على المستثمرين في العالم لا يمكن التقليل من شأنه. وقد انخفضت بورصة نيويورك للأوراق المالية، ومؤشر داو جونز الصناعي، ومؤشر ستاندرد اند بور500، ومؤشر ناسداك المركب جميعا في الثاني من يناير الحالي نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار البترول الذي تخطى عتبة الـ 100 دولار للبرميل.

كما شهد مؤشر نيكاي الذي يضم 225 إصدارا انخفاضا السبت الماضي في بورصة طوكيو، ويخشى المحللون من انه إذا ما أصبح من الصعب محو آثار فزع المستثمرين إزاء ارتفاع أسعار البترول، فان سوق المال العالمي قد يشهد المزيد من الاضطرابات خلال الفترة المقبلة.

(الوكالات)