أبقى البنك المركزي الأوروبي تكاليف الإقراض عند مستواها الحالي لكن رئيس البنك جين كلود تريشيه حذر بقوة من أن البنك على استعداد للتدخل بتغيير أسعار الفائدة للقضاء على التهديد الذي تشكله الزيادة الكبيرة في الأجور على مستوى التضخم.

ولم يحدث مجلس محافظي البنك المؤلف من 21 عضوا خلال أول اجتماع له هذا العام تغييرات على السياسة النقدية في منطقة اليورو المؤلفة من 15 دولة إذ أبقى على أسعار الفائدة دون تغيير عند 4% وهو ما جاء متماشيا مع توقعات المحللين.

ولكن في الوقت الذي تخوض فيه نقابات العمال وأرباب العمل في أنحاء أوروبا جولة جديدة من مفاوضات زيادة الأجور وممارسة كثير من قادة العمال ضغوطا من أجل الحصول على زيادات كبيرة بعد فترة طويلة من جمود الأجور، قال تريشيه في مؤتمر صحافي إن البنك لن يظل على «حياده» بشأن أسعار الفائدة.

وأوضح أن مجلس محافظي البنك جاهز «للتدخل بشكل وقائي» لمنع التهديد الذي يشكله الارتفاع الكبير في أسعار المستهلكين والأجور بزيادة التضخم. وتزامن اجتماع البنك المركزي الأوروبي الأخير مع بدء نقابات عمال القطاع العام في ألمانيا مفاوضات لزيادة الأجور بنسبة كبيرة تبلغ 8% خلال العام الحالي.

وتأتي الرسالة القوية لرئيس البنك لأولئك الذين يتفاوضون في أحدث جولة من مفاوضات زيادة الأجور في منطقة اليورو رغم اعترافه بتفاوت البيانات والمؤشرات في منطقة العملة الأوروبية الموحدة. وقال: «إننا في أعلى درجات التأهب، لن نقبل بتأثيرات جولة ثانية من زيادة التضخم بفعل الأجور». مضيفا أن نمو الائتمان أصبح «قويا».

ولكن رغم اللهجة الصارمة التي استخدمها تريشيه في تصريحاته، إلا أن محللين يعتقدون أن تباطؤ الاقتصاد العالمي وخطوات بنوك مركزية أخرى رئيسية بخفض أسعار الفائدة يمكن أن يدفعا البنك المركزي الأوروبي إلى تثبيت أسعار الفائدة ربما إلى نهاية عام 2008.

إلا أن بعض خبراء الاقتصاد يرون أن البنك المركزي الأوروبي سيضطر إلى أن يحذو حذو بنوك مركزية كمجلس الاحتياط الاتحادي الأميركي وبنك انجلترا المركزي ويقلص أسعار الفائدة في وفترة خلال هذا العام.

ورغم أن بنك انجلترا المركزي أعلن فعلا أنه أبقى على تكاليف الإقراض دون تغيير عند 5. 5%، فإن محللين يتوقعون حدوث تباطؤ في طلب المستهلكين وضعف سوق المنازل ليتسببا في الضغط على البنك المركزي ومقره لندن لخفض أسعار الفائدة خلال الشهر المقبل. ويأتي خفض أسعار الفائدة في حال إقراره في فبراير بعد أن قامت سلطات النقد البريطانية بخفضها بمقدار ربع نقطة مئوية في الشهر الماضي.

ومن ناحية أخرى، اضطر البنك المركزي الأوروبي ومقره فرانكفورت أن يتلمس خطاه بحرص شديد وهو يحاول إيجاد حل لتباطؤ النمو الاقتصادي وتجدد الضغوط التضخمية إذ قال تريشيه إن مجلس المحافظين بحث «مزايا وعيوب» كل من زيادة أسعار الفائدة وعدم رفعها.

ومن جانبه قال نيلز هينريك بجورن الخبير الاقتصادي بمصرف «دانكسه بنك»: «إننا نعتقد أن زيادة الأجور ستكون معتدلة فقط، ونتوقع في النصف الأول من العام الحالي أن يتسبب تباطؤ النمو الاقتصادي وتزايد الضغوط على البنك المركزي الأوروبي في أن يقوم بخفض أسعار الفائدة».

ويأتي اجتماعا البنك المركزي الأوروبي وبنك انجلترا في فرانكفورت ولندن على خلفية استمرار حالة الغموض التي تكتنف أسواق المال مع إعلان البنك الأوروبي أيضا عن انضمامه لمجلس الاحتياط الاتحادي الأميركي في ضخ عشرة مليارات دولار أخرى في أسواق المال من أجل ضمان حدوث توقف لعمليات الائتمان والإقراض.

كما أن بنك سويسرا المركزي أعلن اعتزامه تقديم أربعة مليارات دولار في شكل سيولة نقدية إضافية. وضخ البنك المركزي الأوروبي وبنوك مركزية أخرى كبيرة بالفعل حوالي 100 مليار دولار في شكل مساعدات مالية لأسواق النقد كجزء من جهود المساهمة في تعزيز ثقة المستثمرين في ظل حالة الغموض التي تكتنف الاقتصاد العالمي والتي نتجت عن أزمة سوق العقارات الأميركية.

كما أن اجتماع البنك المركزي الأوروبي الأخير يشكل خطوة تاريخية في مسار توسيع مجلس محافظيه ليصبح هذه المرة مكونا من 21 عضوا بعد انضمام محافظي بنكي قبرص ومالطا المركزيين بعد انضمام الدولتين لمنطقة العملة الأوروبية الموحدة هذا الشهر. وأصبحت منطقة اليورو تتألف من 15 دولة بعد أن استبدلت مالطا وقبرص اليورو بعملتيهما الوطنيتين اعتبارا من أول يناير الحالي.

ودعا تريشيه الدول الأعضاء الجدد في الاتحاد إلى الاستمرار في تطبيق سياسات اقتصادية قوية إذا كان لديها رغبة في الانضمام إلى منطقة اليورو خلال الأعوام المقبلة. وقال إنه من المهم بالنسبة للدول الساعية للانضمام إلى منطقة اليورو أن تظل مستمرة في تطبيق «سياسة مالية قوية وسياسة هيكلية قوية وسياسة قوية للأجور».

وذهب إلى القول أنه عندما تسعى اقتصاديات مثل تلك الموجودة في وسط وشرق أوروبا إلى اللحاق باقتصاديات أكثر تقدما فإنه لا ينبغي عليها التردد في معالجة عجز ميزانياتها. كما أعرب تريشيه عن ثقته في أن محافظي البنوك المركزية في الدول الأعضاء في منطقة اليورو سيكونون قادرين على التعامل مع الضغوط التضخمية التي انتشرت في أنحاء المنطقة.

وقال «لديهم الوسائل لمواجهة الضغوط التي تطرأ». ولكن رغم توجيه الصحافيون سلسلة من الأسئلة بشأن طموحات سلوفاكيا وبلغاريا ورومانيا للانضمام إلى اليورو، رفض تريشيه التعليق خاصة بشأن التوقعات الاقتصادية والمالية بالنسبة للدول الثلاث.

ويقول اقتصاديون إن من المستبعد أن تكون دول مثل بلغاريا ورومانيا اللذان انضما إلى الاتحاد الأوروبي العام الماضي مرشحة بشكل جاد للحصول على عضوية اليورو قبل حلول العقد المقبل. ومن شأن نجاح سلوفاكيا في الانضمام إلى منطقة اليورو أن تصبح ثاني دولة شيوعية سابقا تنضم للمنطقة بعد سلوفينيا.

(الوكالات)