تضاربت الآراء تجاه الانخفاض المتواتر للدولار، فقد رأى البعض فيه ألعوبة سياسية، هدفها حماية الولايات المتحدة من المنافسة الأجنبية. فيما أكد آخرون أن حركة الدولار ليست سوى نتيجة طبيعية لقوى السوق. وهناك فريق ثالث من المراقبين اعتبر انخفاض الدولار شأناً غير عادي، ومحفوفا بالمخاطر.

وفي هذا الإطار، قالت صحيفة وول ستريت جورنال إن قيمة الدولار تعتبر مقياساً لثقة السوق كي تحافظ الحكومة على القوة الشرائية لدينها. وهو أمر لا يجوز إغفاله، وتركه رهناً للتكهنات. وهبوط الدولار، هو الحلقة الأولى في سلسلة طبيعية من الأحداث المترابطة.

وغير المستحبة والخطوات التي تمر فيها هذه العملية «وليس بالضرورة أن تمر بالترتيب ذاته» تتضمن ارتفاعاً أساسياً في أسعار الذهب وغيره من السلع. فضلاً عن زيادة التضخم، وازدهاراً في سوق السندات. إلى جانب تدفق الرساميل من اقتصاد الولايات المتحدة، وتذبذب نقدي، وانخفاض في الأداء الاستثماري للأسهم وثبات في النمو الاقتصادي.

وفي عالم اليوم. فإن التحركات النقدية محكومة بصورة كبيرة بالنزعة الحمائية. وهذه النزعة ليست مسألة حصص لصناعات معينة وهي في العادة جهد محدد لخفض قيمة الدولار، مقابل العملات الأجنبية كي تكتسب الصادرات الأميركية، ميزة سعرية أو تجاوز الخسائر السعرية والإيمان في هذه النظرية يعشعش بالرغم من آثارها غير المستساغة.

وإذا أمكن إفراغ الدولار من قيمته، سيتمكن المنتجون المحليون كما هو المنطق من القضاء المبرم على أي منافسة أجنبية. وتخلو الساحة أمام الاقتصاد الأميركي، ويقلع في الساحة العالمية لكن الواقع يقول إن الأسعار العالمية تحددها المنافسة وهي في العادة تعوض تقلبات العملية.

وكما اكتشفت بلدان عدّة، فإن النتيجة الحتمية للسماح لعملة ما بالانخفاض، هي التضخم الفادح والانهيار الاقتصادي. كما حدث في «بوايمر» ألمانيا في عشرينات القرن الماضي، وما يحدث اليوم ف زيمبابوي، ومع ذلك فإن كثيراً من الناس يعتقدون أن ما يصب في مصلحة الموردين لابد أن ينسحب على الاقتصاد برمته.

والحقيقة القائلة إن أداء الصادرات ينخفض عند ما يتعزز النمو الاقتصادي، ويتحسن أداؤها عند انخفاض نموه، لا تشكل رادعاً لديهم، وما دامت وزارة الخزانة الأميركية وأعضاء الكونجرس، يصرون على المراهنة على تخفيض قيمة الدولار فإن الأسواق ستسمح للدولار بالانخفاض وفي المقابل فإن ركيزة النزعة الحمائية في الولايات المتحدة هو العجز التجاري.

ولقد اتضح على مر الزمن أنه كلما اتسعت حدة العجز، كلما انخفضت قيمة الدولار أمام العملات الأجنبية ثم يعاود ارتفاعه، كلما ضاقت تلك الفجوة في العجز التجاري. ومن جانب آخر فإن تشدد الكونجرس تجاه ذلك العجز راح ينمو على امتداد هذا العقد، وبدا في هذا العام أنه يخرج عن حدود السيطرة.

والنزعة الحمائية في الولايات المتحدة حسبما قالت وول ستريت جورنال أخذت تنصب على الصين نظراً للحجم الهائل للعجز التجاري بين البلدين. فالصين تصدر إلى الولايات المتحدة خمسة أضعاف ما تصدره الولايات المتحدة إليها وهي نسبة لم تشهدها منذ ثمانينات القرن الماضي عندما تجاوزت الصادرات اليابانية إلى الولايات المتحدة، وارداتها من ذلك البلد، وسعياً لصون مصلحتهم،

فقد تردد الصينيون في التعاون مع رغبة الولايات المتحدة، في تحويل شروط التجارة ضدهم، عن طريق خفض قيمة الدولار بنسبة 30 في المئة مقابل اليوان. وكان من نتيجة ذلك أن وجهت الولايات المتحدة ضغوطاً نحو أسواق عملات أخرى لم تجد فيها مثل ذلك التعنت وهو ما يفسر الانخفاض الحالي بقيمة الدولار.

مما دفع بمحافظي البنوك المركزية الأوروبية للإعراب عن تذمرهم. ومن الصعب الآن القول أن الاقتصاد الأميركي يعاني إلى هذه الدرجة من الشدة، ليكون بحاجة للحماية فقد كان هناك تخوف من تباطؤ مستدام لكن لا شيء يلوح في الأفق. فالانفاق الاستهلاكي ينمو بالرغم من المتاعب الإسكانية، وحافظ معدل البطالة على انخفاضه التاريخي.

ولذلك فما هو الداعي لهذه الضجة؟ ربما قد تكون المشكلة السياسية ذاتها الناجمة عن التقدم. فقد أضيرت بعض مناطق البلاد نتيجة العولمة حتى وإن كان الاقتصاد في مجمله ينعم بالازدهار.

وقد يكون الساسة الأميركيون قلقين من نمو الصين، وربما مازالوا يعانون من الصدمة نتيجة السرعة التي اتسعت فيها الفجوة التجارية المتبادلة للولايات المتحدة. بعد أن بدأ الاقتصاد الصيني في إعادة التكامل مع العالم منذ أكثر من عقد مضى.

وأياً كانت الأسباب فإن إدارة بوش مدفوعة من وزارة الخزانة وأعضاء الكونجرس، وفي مقدمتهم السيناتور تشارلز شومر، تمضي قدماً في سياسة خفض الدولار والصين أمام ناظريهم ولقد استجابت الأسواق لتلك الأصوات السياسية المنادية، بتسعيرها للدولار بقيم أكثر رخصاً.

وما يثير السخرية إنه فيما تعمل الطفرة الاقتصادية على تنشيط الواردات، فإنها تذكي الشعور بالحمائية. والاندفاع الذي يواصله السياسيون في خفض قيمة الدولار، يمكن إرجاعه إلى قوة الاقتصاد. والشعور الحمائي.

كما قالت وول ستريت هو فيروس سياسي وفكري يهاجم عاقبة العملة، حتى في ظل سلامة الاقتصاد. ما لم يتم التصدى له. غير أن أحداً في واشنطن لا يرغب في أداء ذلك الدور. ولذلك فإن من المبكر أن يهدأ جنون العجز التجاري، فالاقتصاد يمتص الواردات، والظروف لارتفاع مستدام للدولار أوجدت حديثاً فقط، لكنها صارت الآن موجودة. غير أن الوقت مازال بعد مبكراً لالتفات الساسة الأميركيين المشبعين بالنزعة الحمائية لأمور أكثر إلحاحاً

ترجمة: وائل الخطيب