تعتبر منطقة آسيا الوسطى، اليوم مفترق طرق استراتيجياً للعالم، فهي تتحكم بطريق الحرير، بين الصين، وحوض المتوسط، بالإضافة إلى الطرق المؤدية إلى المحيط الهندي قدوماً من روسيا، والأهم من ذلك كله، احتضانها لبعض من أكبر احتياطيات النفط في العالم، وأقلها تطوراً، بما فيها حقل «كاشاجان»، الحقل الوحيد العملاق الواقع خارج منطقة الخليج.

وتعد آسيا الوسطى، المعروفة بالنسبة لبقية أنحاء العالم، باعتبارها من أهم المناطق في العالم، ونقطة حيوية تؤثر وتتحكم في قلب آسيا. ولقد راحت خطوط أنابيب النفط والغاز تتقاطع في هذه المنطقة إلى جانب خطط لمد خطوط أخرى أكثر طولاً وضخامة يجري التخطيط لها في دهاليز الشركات النفطية فضلاً عن مليارات الدولارات التي تستثمر في هذه المنطقة التي تمتاز بقلة سكانها.

وفي الشمال يقع الاتحاد الروسي، صاحب السطوة، الذي حكم المنطقة خلال الجزء الأعظم من القرن العشرين، وإلى جنوبها تقع إيران، أما شرقاً فتقع الدولة الصينية، سريعة النمو، التي عززتها مواقعها في مقاطعتي جينجيا والتيبت، وتتطلع لمد نفوذها خارج حدودها الغربية، وفي الغرب تقع منطقة القوقاز الملتهبة.

وتفاديا للوقوع في براثن تلك الدول العملاقة، أخذ حكام المنطقة يلعبون لعبة التوازن الخطرة، بين قوة وأخرى، وهو ما دعاهم للسماح للولايات المتحدة بإقامة بعض القواعد في المنطقة لتوفير توازن آخر ضد الصين وروسيا ولاشك بأن العالم، يواجه وضعاً يتجاوز فيه الطلب على المنتجات البترولية، قدرات الدول المنتجة وهي النقطة التي ترجح فيها كفة الطلب، على كفة الإنتاج والمعروفة بـ «ذروة النفط».

وباتت الولايات المتحدة، تستورد الآن نصف احتياجاتها من النفط الخام، من بلدان منها فنزويلا ونيجيريا وأنجولا والشرق الأوسط. وباتت المملكة المتحدة الآن على شفا التحول إلى بلد مستورد بالكامل، لذلك فإن ذروتها لما تمض بعد، غير أن العالم ككل، سوف يمر بهذه الظاهرة، خلال النصف الأول من القرن الحالي، وربما أقرب من ذلك، في حال استمرار الطلب المتصاعد من جانب الصين والهند، ولن نعرف ذلك قبل تجاوز هذه النقطة.

وهذا العامل بحد ذاته، والمتمثل في نقص الاحتياطي، هو الدافع وراء سير كبرى شركات النفط لتطوير مصادر نفطية في البلدان المطلة على بحر قزوين، وتحديداً حقول كاشحان، وتنجينر وكاراتشانجناك، وكورولوف في كازاخستان، والحقول البحرية لأذربيجان.

كما تم العثور على النفط في تركمانستان وأذربيجان غير أن كازاخستان، هي المؤهلة لتصبح إحدى أكبر منتجي النفط الخام في العالم، منافسة منتجي النفط الكبار في منطقة الخليج. وبالإضافة إلى حقولها النفطية الكبيرة جداً. فإنها تمتلك ستة حقول أخرى كبيرة. وتشير التقديرات إلى وجود نحو مئة حقل تجاري آخر، تنتظر الاستخراج والتقييم في قطاع كازاخستان من بحر قزوين.

وتشير التقديرات إلى أن إنتاج النفط في كازاخستان، بحلول عام 2015، سيصل إلى ثلاثة ملايين برميل يوميا، زيادة عن المليون برميل يومياً حاليا ويعتبر خام قزوين، على مستوى عال من الجودة مقارنة بخام برنت، والوصول إليه سهل نسبيا. ويعتبر حقل «كاشاجان» العملاق عند إنتاجه بكامل طاقته ثاني أكبر حقل في العالم.

حيث يقارب حجم حقل «جاوار» السعودية الأكبر في العالم، والذي تشير التقارير إلى أنه يقترب من نهاية عمره الإنتاجي. كما تمتلك كازاخستان، حقل غاز ضخماً في شمال البلاد. بعد أن إنتاج كازاخستان من النفط، قد يولد مشاكل بيئية، حيث توجد كميات ضخمة من الغاز الحمضي. وملايين الأطنان من الكبريت المختزنة، والتي تسبب التلوث وان الزيادة المستقبلية في إنتاج النفط ستفاقم المشكلة.

هذا إلى جانب وقوع حقل «كاشاجان» في منطقة نشطة بالزلازل، والنفط يقع الآن تحت ضغط هائل، وثمة مخاوف من أن استخراج النفط، يمكن أن يتسبب بزلزال في المنطقة كما أن انتاج نفط آسيا الوسطى، يعاني من مشاكل كبيرة في النقل، فالمنطقة محصورة، ناهيك عن كثير من البلدان المجاورة تعصف بها أحداث عنيفة.

وهناك إجماع على عدم السماح لروسيا، بالتحكم في خط الأنابيب في حال مروره داخل الأراضي الروسية. وكان خط أنابيب بي تي سي (باكو ـ تبليسي ـ سيهان) الذي يبلغ قطره 42 بوصة قد سلم أولى شحناته من النفط في شهر مايو من عام 2005، وبلغت كلفته 4 مليارات دولار. وبيدأ هذا الخط في أذربيجان ويمر في جورجيا، منتهياً في ميناء سيهان على ساحل البحر المتوسط في تركيا.

وما ذلك، سوى بداية انطلاق سباق بناء خطوط الأنابيب، المطلوبة لاستغلال إمكانات نفط آسيا الوسطى، وخصوصاً النفط الذي تنتجه كازاخستان. ولعل الصين، من بين جميع الدول المهتمة بكازاخستان، هي الرابح الأكبر وستنجز في المستقبل القريب خط أنابيب للنفط طوله ألف كيلومتر من وسط كازاخستان، إلى جنجيانغ في الشمال الغربي للصين، وسيكون خط الأنابيب الأول من كازاخستان الذي لا يعبر الأراضي الروسية.

كما عرضت الصين مد هذا الخط إلى مسافة ثلاثة آلاف كيلومتر ليمتد من بحر قزوين إلى الساحل الصيني، مغذياً ثاني أكبر مستورد للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة. وبالرغم من أن شركات غربية مثل «شل» و«أجيب» تستخدم مصادرها المالية والتكنولوجية، لاستخراج النفط من تلك الحقول العملاقة، فإن الظاهر أن الصين، سوف تستهلك الجزء الأعظم من إنتاجها.

وكانت أهمية حقول نفط كازاخستان النفطية بالنسبة للصين، تجلت في المنافسة بين الشركات الصينية والهندية، على ملكية «بتروكازاخستان» الشركة الكندية، وقد وافقت شركة النفط الوطنية الصينية (CNPC) على شراء «بتروكازاخستان» بمبلغ 18. 4 مليارات دولار في شهر أغسطس من عام 2005: وهي تمتلك بالفعل أصولاً كبيرة في كازاخستان. وكانت شركة النفط والغاز الطبيعي الهندية عرضت في السابق، كما أشيع 6. 3 مليارات دولار لشراء الشركة.

وكانت نيويورك تايمز، ذكرت أن تنفيذيين النفط الغربيين، اشتكوا من صعوبة شراء حقول نفط، بأسعار مقبولة تجارياً، فيما لو تصاعدت حمى المنافسة، في ظل مشاركة شركات حكومية، مدفوعة بخطط استراتيجية. وعلى الصعيد ذاته، فإن بلداناً أخرى في المنطقة، تشكل أركاناً رئيسة في لعبة النفط.

فأذربيجان مثلاً، تعتمد على النفط بنسبة 80 في المئة من صادراتها، وأكبر المستثمرين فيها هي بي بي التي تمتلك أيضا أكبر حصة في خط أنابيب بي تي سي BTC والنفط ليس المعدن الاستراتيجي الوحيد في كازاخستان، فهي تختزن كمية ضخمة من احتياطي اليورانيوم، الثاني الأكبر في العالم حيث يشكل 17 في المئة من الإجمالي العالمي.

واتبعت الصين خلال السنوات القليلة الماضية سياسة الاستحواذ على احتياطيات نفط عالمية، وفي مواصلتها لاتباع تلك السياسة قامت بالاستثمار في عدة بلدان، بما فيها السودان، وطورت علاقاتها مع إيران حيث يوصل البلدان في شهر نوفمبر من عام 2004، إلى اتفاق قيمته 70 مليار دولار لتطوير حقول نفطية، وغاز طبيعي مسال، حيث تحتفظ إيران ببعض من أكبر احتياطيات العالم من الغاز.

كما استثمرت الصين في استحواذات صناعة النفط في اندونيسيا، وفنزويلا والبيرو. ومن أهم الصفقات التي أبرتها في شهر أغسطس من عام 2003، شراء شركة النفط الصينية الوطنية CNPC، لشركة «بتروكازاخستان» الكندية، التي تمتلك حقول نفط وغاز في كازاخستان، بمبلغ 18. 4 مليارات دولار وهذه الصفقة ترتبط بإنجاز خط أنابيب طوله ألف كيلومتر من وسط كازاخستان إلى جنجيانغ في الشمال الغربي من الصين.

كما سعت الصين للاستحواذ على معادن استراتيجية هامة، ومنها على سبيل المثال شراء شركة إنتاج الزنك والتصدير والنحاس «لف رادا» الكندية.وتستورد الصين حالياً 40% من احتياجاتها، وهذه الاحتياجات تزداد سنويا بمعدل 30% وتعتبر الصين الآن ثاني أكبر مستهلك للطاقة، غير أن معدل زيادة طلبتها يجري بأكثر من ثلاث أو أربع مرات عن بقية العالم.

وما انفكت الصين، تعتمد على الفحم بنسبة 65% من احتياجاتها من الطاقة، وهو وضع ترغب في تغييره بزيادة نسبتها القادمة من النفط والغاز والمصادر المولدة للكربون مثل الطاقة النووية، والمائية وطاقة الرياح. وبحلول عام 2050، ترغب الصين في استخدام النفط والغاز بمعدل 40 ـ 50% من طاقتها.

ومن المشاكل التي تواجهها الصين اليوم، هي أولاً الإخفاق في توسع موارد الطاقة بسرعة كافية لدعم النمو في اقتصادها التصنيعي. ومشاكل التلوث التي يخلقها اعتمادها المتواصل على الفحم. وتتطلب خطط الصين لتنمية اقتصادها بمعدل أربعة أضعاف بحلول عام 2020 مضاعفة موارد الطاقة مرتين على الأقل.

وتنصب الجهود الآن على استخدام الفحم بصورة أكثر فاعلية، لإنتاج الغاز من الفحم بعملية تدعى «التوليد المتعدد». وغير أن الخطر الداهم يتمثل في التسخن العالمي، والصين تمتلك المقومات لإطلاق جهود بقية أنحاء العالم لخفض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، بزيادة احتراق الفحم.

وقد تتمكن الصين من تجاوز الولايات المتحدة، بحلول عام 2020 باعتبارها أكبر منتج لغازات البيوت الزجاجية، وفي المدى القصير، فإنه في الوقت الذي تواصل الصين فيه نموها، فإنها قد تدخل مأزقاً حقيقاً في زيادة انتاجها من الفحم،

بسبب منشآت سككها الحديدية المثقلة، ونفاد المناجم الرئيسية، وصعوبة بناء محطات كهرباء جديدة بالسرعة الكافية، لتلبية الطلب المتزايد جداً على الكهرباء. ومن جانب آخر فإن الصين تخطط لبناء 32 مصنعا جديدا للطاقة النووية، بحلول عام 2020، بيد أنها لن تسد مسد الفحم كمصدر للطاقة.

ترجمة: وائل الخطيب