انطلاق السوق الخليجية المشتركة كحقيقة على ارض الواقع سيكون بلا شك حدثاً تاريخياً على صعيد المنطقة خصوصاً انه جاء في ظل طفرة اقتصادية تمر بها مختلف دول المنطقة مع تسارع وتيرة التبادل التجاري بين الدول المعنية أو بينها وبين دول العالم الخارجي.

وما يعني ذلك من تسارع في تحرير وانفتاح الأسواق أمام أبناء المنطقة وتوفر المزيد من فرص العمل رغم وجود تحديات ما زالت ماثلة لعل أهمها تحديث القوانين وتطويرها بما يتلاءم مع ميلاد هذا المشروع الكبير.

ولعل صناعة التأمين كغيرها من القطاعات الاقتصادية في الدول الخليجية تستعد لجني الثمار من هذه الخطوة الجبارة التي تحتاج إلى مزيد من العمل والمتابعة والعمل المستمر حتى تتحقق الفائدة للجميع وهنا تقفز مسألة القوانين والتشريعات

وهي عصب أي عمل أو مشروع اقتصادي مشترك وضرورة تعديلها بحيث تتفق مع الواقع الجديد خصوصاً ان صناعة التأمين ما زالت قطاعا واعدة يحقق نمواً ملموساً والكثير من مفاهيم التأمين ما زالت بحاجة إلى الكثير من العمل لتعزيز وجودها أو تنميتها بين الناس على عكس ما كان سائداً عند ميلاد السوق الأوروبية المشتركة حيث المفهوم العالي للتأمين بين مختلف شرائح المجتمعات التي ضمتها هذه السوق.

لكن المنطقة الخليجية ما زالت بحاجة إلى الكثير من الجهد والعمل المشترك حتى تنضج الكثير من المفاهيم والمعايير خصوصاً فيما يتعلق بقطاع التأمين والقوانين المتعلقة به ومعايير التملك وحرية انتقال رؤوس الأموال وغيرها.

القوانين هي العصب الرئيس

يؤكد الشيخ خالد بن زايد آل نهيان رئيس مجلس إدارة الشركة الإسلامية العربية للتأمين «سلامة» أن المشروع الوليد سيحتاج إلى عامين أو ثلاثة حتى تصبح حركته أكثر فاعلية وقوة خصوصاً ان الكثير من القوانين التي تنظم عمل التأمين ما زالت قاصرة

ولا تتواكب مع حجم الحدث بل ان مسألة تملك الخليجي في الدول الخليجية مسألة حديثة لم يتعد عمرها عامين والأمر يتطلب الكثير لإزالة الحواجز القائمة أمام هذا القطاع حتى تتحقق الاستفادة الكاملة من خطوة كبيرة مثل السوق الخليجية المشتركة وان كان هذا الأمر يحتاج إلى الكثير من الوقت والخطوات التدريجية.

ويمضي الشيخ خالد بن زايد إلى القول إن تعديل ووضع القوانين هي الخطوة الأساس التي يجب مراعاتها حتى تتمكن شركات التأمين من العمل والانطلاق وممارسة أنشطتها بفاعلية مشيراً إلى أن اتفاقيات التجارة الحرة ضمن منظمة التجارة العالمية وما يتبعها من انفتاح وتحرير للأسواق بمختلف أنواعها قد تساعد دول المنطقة في هذا المجال.

وقال إن الجزء الآخر من العمل يتمثل في تعزيز مفهوم التأمين بمختلف أنواعه لدى مختلف شرائح المجتمعات التي يضمها السوق المشترك كما هو الحال عند الدول الأوروبية مثلا حيث يحمل الأوروبي تأمينه ويتنقل به في مختلف دول السوق ولكن حتى هذه المبادرة يلزمها الوقت والجهد الكافي حتى تؤتي ثمارها.

وتوقع رئيس مجلس إدارة سلامة ان يشهد العام الجاري 2008 المزيد من التحسن على صعيد قطاع التأمين في منطقة الخليج خصوصا إذا بادرت دول المنطقة إلى تبني الإصلاحات اللازمة التي تسهل من عمل الشركات وفي مقدمتها وضع القوانين أو توحيدها إلى حد ما .

بانتظار اللوائح التنفيذية .. والاندماجات متوقعة

ويوضح فريد لطفي الأمين العام لهيئة التنسيق لشركات التأمين وإعادة التأمين الخليجية ان وجود السوق الخليجية المشتركة يفتح الباب واسعا أمام شركات التأمين للاندماج خصوصاً إذا توفرت لها الأنظمة والتشريعات العصرية المرنة

وبالتالي تكوين شركات تأمين عملاقة تتمكن في المستقبل من المنافسة في الأسواق العالمية ذلك ان المنطقة تشهد موجة إصلاحات جوهرية خصوصا في قطاع التأمين وهناك نوع من الانفتاح وحرية في الاستثمار بالنسبة لشركات التأمين وان كان ذلك عبر شريك وطني وهو الأمر الذي مكن الكثير من شركات التأمين في المنطقة من التوسع وتأسيس شركات خارجية.

وقال لطفي ان القطاع ينتظر اللوائح التنفيذية لقوانين السوق المشتركة وهي يتوقع صدورها في غضون عام حتى تتمكن الشركات من التحرك بفاعلية كما ان الشركات تحتاج إلى مزيد من الوقت حتى تقوم بدراسات الجدوى الاقتصادية قبل دخول الأسواق كما ان وجود تباين في أسواق التأمين بين دول المنطقة يحتاج إلى التريث.

توقع لطفي ظهور موجة اندماجات خلال السنوات المقبلة في حال التطبيق المرن لهذا المشروع الكبير داعيا شركات التأمين إلى المبادرة بهذا الاتجاه حتى تتمكن من تعزيز ملاءتها المالية وقدراتها الاستيعابية

وبالتالي الانطلاق للأسواق الخارجية والمنافسة العالمية مستفيدة من النمو الاقتصادي الكبير الذي تشهده المنطقة وعلاقاتها الخارجية المتعددة موضحا ان شركات التأمين الخليجية لديها أصول ضخمة ورؤوس أموال كبير فلماذا تتردد في تأسيس شركات كبرى

رغم ان ذلك يساهم في المحافظة على الطاقة الاستيعابية للشركات داخل المنطقة وعدم تسربها للخارج. وأكد ان القوانين والأنظمة والتشريعات تسبق كل هذه الخطوات ومن دون وجود القوانين واللوائح التنفيذية الخاصة بها فلن يتمكن قطاع التأمين الخليجي من التحرك إلا على المستوى المحلي.

جاهزية الشركات وكفاءتها

ويقول عبدالمطلب مصطفى مدير عام شركة عمان للتأمين ان جاهزية الشركات الفنية والبشرية ستلعب دورا حيويا في مدى استفادة كل شركة من هذا المشروع الكبير لكن الوقت ما زال مبكرا للحكم على درجة النجاح لأن الكثير من الأمور لم تتوضح بعد وحتى لو وجدت الاتفاقيات فإنها تبقى في العموميات وهي بحاجة إلى ملاحق توضيحية لم تتوفر بعد.

وقال ان مشروع السوق الخليجية المشتركة خطوة كبيرة إلى الأمام وهناك طموح واسع ومشترك لجميع القطاعات الاقتصادية في منطقة الخليج التي تنتظر هذه الخطوة لتوسيع أعمالها وتعظيم استفادتها.

وأضاف ان انفتاح الأسواق أو تحريرها يتطلب جاهزية اكبر لمختلف شركات التأمين في المنطقة سواء الجاهزية الفنية أو البشرية والانطلاق إلى الأسواق الخارجية وحرية التملك فيها وانتقال رؤوس الأموال يتطلب إدارات فاعلة لهذه الشركات وقدرة على الابتكار ومواكبة التغيرات ووضع الاستراتيجيات الملائمة للعمل ووضوح الرؤية عند إدارات هذه الشركات حتى تتمكن من تحقيق النجاح والنمو المتواصل.

وأشار إلى ان نجاح قطاع التأمين في الاستفادة من هذا المشروع يتوقف على وجود القوانين والتشريعات المرنة المتطورة والواضحة والجاهزية المكتملة للشركات بمختلف أنواعها ومدى مواكبتها للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية في مختلف المجتمعات التي تعمل فيها وحتى علاقتها بالأسواق الخارجية.

لا حاجة لتوحيد قوانين التأمين على المستوى الخليجي

سامي الشخشير مدير عام شركة الصقر الوطنية للتأمين يؤكد على أهمية وجود قوانين مرنة قبل فتح الأسواق أمام تملك الخليجيين في شركات التأمين موضحا ان ذلك لا يعني تأسيس شركات ولكن فتح فروع للشركات القائمة دون الحاجة إلى إدخال شريك وطني كما هي الحال في الوقت الحاضر.

واستبعد الشخشير أي تأثير فوري لتطبيق السوق الخليجية المشتركة على قطاع التأمين بسبب غياب الأنظمة والتشريعات التي تضبط عمل القطاع وتسهل الاستثمار وحركة رؤوس الأموال بين مختلف الأسواق الخليجية مشيرا إلى ان المطلوب حاليا هو الانتظار حتى تنضج الفكرة وتترسخ أكثر وتجد شركات التأمين القوانين تسير عليها .

وقال انه لا حاجة إلى توحيد قوانين التأمين على المستوى الخليجي وهو أمر غير قابل للتطبيق لكن المطلوب ان تتكيف هذه القوانين مع الفكرة والمفهوم الذي وجدت من اجله السوق الخليجية المشتركة ذلك ان لكل سوق خصوصيته في الخليج وما يصلح من قوانين في تلك الدولة لا يمكن تطبيقه في دولة أخرى

ومثال على ذلك فإن سوق التأمين في الإمارات مثلا يعد احد الأسواق التنافسية وتستقطب دوما الكثير من شركات التأمين حيث يضم السوق اليوم أكثر من 48 شركة محلية وعالمية وهذه الخصوصية لن تجدها مثلا في أسواق أخرى وبشكل عام فإن المطلوب هو قوانين مرنة تسهل دخول الشركات إلى الأسواق.

وأشار مدير عام الصقر الوطنية التي قامت بتأسيس شركة تأمين في السعودية وتستعد للانطلاق إلى أسواق أخرى في منطقة الخليج وخارجها إلى ان قدرة شركات التأمين ومدى كفاءتها وفاعليتها تلعب أيضا دورا بارزا في مدى الاستفادة من مشروع السوق المشتركة حتى تتمكن من الانطلاق والتوسع في الأسواق الأخرى وهي مطالبة بإيجاد الكوادر الفنية والبشرية والتقنية المؤهلة التي تستوعب وتتعامل مع المتغيرات الخارجية.

20 ملياراً سوق التأمين الخليجي بنمو 30 بالمئة

وفي دراسة لشركة أميركان انترناشيونال جروب (ايه.اي.جي) وهي أكبر شركة تأمين في العالم توقعت ان ينمو سوق التأمين في منطقة الخليج إلى أربعة مليارات دولار أي ما يعادل نحو مثلي حجمه الحالي خلال السنوات الثلاث المقبلة وهذا لا يشمل عمليات التأمين على الحياة مدعوما بالنمو الاقتصادي والارتفاع الكبير في أسعار النفط حيث سيقود موجة النمو كل من السعودية والإمارات وهما أكبر سوقين في المنطقة.

ويشهد سوق التأمين في دول مجلس التعاون الخليجي نموا سنويا يصل إلى 20 في المئة منذ عام 2002 حيث يمثل التأمين على السيارات نحو 70 في المئة من السوق. وتقول الشركة ان ظهور التكافل أو التأمين الذي يتفق والشريعة الإسلامية والذي يقوم على مفهوم مماثل لمفهوم صناديق الاستثمار التبادلي بدأ يعزز نمو سوق التأمين في منطقة الخليج مع قيام السعودية بإصدار قوانين جديدة تحكم عمل قطاع التأمين وتجعل التأمين الصحي والتأمين على السيارات إلزاميا.

ويتوقع المحللون أن تبقي هذه التغييرات القطاع في نمو بنسبة 30 في المئة سنويا حتى عام 2010. لتصل إلي 20 مليار دولار بسبب زيادة الطلب على التأمين الصحي وتوافر الحلول الاستثمارية التكافلية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.

ويتوقع معهد تشارترد للتأمين الذي يتخذ من المملكة المتحدة مقراً له ان يصل قسط التأمين إلي 550 دولاراً للفرد وأن تصل قيمة الاستثمارات التكافلية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية إلى ما بين 4. 7 و14 مليار دولار بحلول عام 2015.

كما ان عام 2008 من المتوقع ان يشهد إقرار قوانين جديدة بشأن التأمين الصحي حيث من المقرر أن يصبح إلزامياً لموظفي القطاع الخاص بدولة الإمارات خصوصا في إمارة دبي التي تتأهب لإطلاق مشروع التأمين الصحي

إضافة إلى النمو المتوقع في سوق الحلول الاستثمارية التكافلية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، مع ازدياد أعداد شركات التأمين العالمية العملاقة التي افتتحت أو بصدد أن تفتتح فروعاً لها في منطقة الشرق الأوسط لتقديم دعم أفضل لعملائها في المنطقة

دبي ـ علي الصمادي