فيما يبدو انها خطوة استباقية بعد بروز مؤشرات على احتمال انخفاض التدفقات الاستثمارية العالمية للدول النامية عام 2008 بسبب أزمة سوق الرهن العقاري الأميركي، وبعد صعود تلك التدفقات إلى مستويات عالية باتت توحي بظروف بدء نشوء الأزمة الآسيوية التي تحل ذكراها العاشرة هذه الأيام.
أطلق صندوق النقد الدولي في تقرير صدر عنه قبل عدة أيام صيحة تحذير من أن التدفقات الاستثمارية العالمية للدول النامية مثلما تجلب معها العديد من المزايا الاقتصادية والتنموية، فإنها تخلق الكثير من التحديات لصانعي سياسات التنمية في هذه الدول مذكرا بما جرى للدول الآسيوية عامي 1997/ 1998.
مشيرا إلى أن الدرس الرئيسي الواجب تعلمه من هذه الأزمة أن على حكومات دول المنطقة أن لا تبني برامج إنفاقها الاستثمارية استنادا إلى حجم التدفقات الاستثمارية الأجنبية بشكل رئيسي، وإنما يجب اتباع برامج إنفاقية مستقرة، ما يبعد خطط التنمية عن الهزات المفاجئة.
وقال الصندوق في تقرير بعنوان (تعلم كيفية التكيف مع التدفقات الاستثمارية) أن العالم شهد خلال العقدين الماضيين طفرتين في التدفقات الاستثمارية العالمية الأولى في بداية التسعينات وانتهت بالأزمة الآسيوية عامي 1997/ 1998 والثانية هي التي بدأت عام 2002
و لا تزال مستمرة حتى الآن حيث تشهد الفترة الحالية نموا كبيرا في حجم التدفقات الاستثمارية للدول النامية وناهز حجمها خلال النصف الأول من العام 2007 فقط ما يقارب 570 مليار دولار وهو يفوق حجم التدفقات الاستثمارية لعام 2006 بكامله،
وهو ما يفرض على الدول النامية خاصة تلك المستفيدة الأكبر من تلك التدفقات تعلم كيفية التعامل معها، كونها تحمل معها الكثير من المخاطر الاقتصادية والمالية، وهو ما دفع الصندوق للقيام بدراسة شاملة لعدد كبير من البلدان للخروج بأهم الدروس التي يمكن الاستفادة منها من خبرة الماضي، ولا سيما الأزمة الآسيوية خلال العامين 1997/ 1998.
ووفقا لتقرير الصندوق فقد خرجت الدراسة بأربعة دروس رئيسية وهي أولا أن الدول التي تتمتع بعجز كبير في الحساب الجاري تكون أكثر عرضة لهروب رؤوس الأموال منها بسرعة وذلك بسبب كونها عرضة أكثر من غيرها من البلدان بالزيادات الكلية في الطلب والارتفاع الحقيقي في قيمة عملاتها.
وثانيا، ان اتباع سياسة إنفاق حكومي مستقرة النمو خلال الطفرات في التدفقات الاستثمارية بدلا من مجاراتها يمكن أن يسهم في التقليل من ارتفاع قيمة العملات وأداء أفضل للاقتصاد الوطني حتى بعد تقلص تلك التدفقات.
وثالثا، إن محاولة مقاومة الارتفاع في سعر صرف العملات المحلية لن يكتب لها النجاح في الحيلولة دون ارتفاع القيمة الحقيقية لهذه العملات وقد تؤدي إلى هروب رؤوس الأموال، ورابعا، ان فرض أنواع من الرقابة أو القيود على رأس المال قد يؤدي دورا ما، ولكنه لن يسهل خفض الارتفاع في القيمة الحقيقية للعملات المحلية.
ويذكر أن معهد التمويل الدولي كان قد توقع في دراسة له أن ترتفع صافي التدفقات الاستثمارية للدول النامية من 573 مليار دولار عام 2006 إلى 620 مليار دولار عام 2007 وذلك على الرغم من أزمة أسواق الدين العقاري التي شهدتها الولايات المتحدة خلال شهر أغسطس الماضي.
إلا أن التقرير يتوقع أن تنخفض هذه التدفقات إلى 593 مليار دولار عام 2008 وذلك بسبب تقلص حجم القروض المقدمة من البنوك العالمية للأسواق الناشئة. وبالنسبة لمعظم الدول النامية فإن الانخفاض في معدل نمو التدفقات المالية سوف لن يعني بالضرورة تطورا سلبيا بشكل كامل حيث أنها بحاجة نوعا ما إلى تخفيف الضغوط على أسعار الموجودات في أسواقها بما في ذلك معدلات الصرف كما أن ذلك قد يسهم في احداث توازن أفضل في النمو الاقتصادي.
كما يلفت تقرير معد التمويل الدولي بدوره النظر إلى المخاطر الرئيسية التي تواجه الأسواق الناشئة فيما يخص التدفقات المالية خلال العام 2008 حيث يرى التقرير أنها ذات وجهين، الأول مخاطرة انخفاض التدفقات المالية والوجه الآخر الزيادة المفرطة للتدفقات المالية وكلا الحالتين سوف تؤديان إلى إحداث الاضطرابات في تلك الأسواق.
لذلك يدعو التقرير السلطات المركزية إلى الإبقاء على سياستها المحافظة والحذرة في ادارة تلك التدفقات وأبعادها عن الموجودات الأكثر حساسية. كما يرى التقرير أن هناك مخاطر ثلاثة رئيسية أخرى تهدد تلك الأسواق وأولها الارتفاع المفرط في أسعار الموجودات نتيجة ارتفاع العملات المحلية مقابل الدولار حيث أن ذلك يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم في الأسواق المحلية ويلحق الضرر بقواعد عريضة من الفئات الاجتماعية.
وثاني تلك المخاطر هو استمرار تقلبات سعر الدولار الأميركي نتيجة المديونية الأميركية الكبيرة وانعكاس ذلك على السوق المحلي في الولايات المتحدة بما في ذلك أسواق المستهلك والمستثمرين والارتباطات المتولدة عن ذلك في الأسواق الناشئة وخاصة ضعف الثقة في أسواق الموجودات الأميركية مثل العقارات وغيرها.
وثالثا فإن الارتفاع الكبير في أسعار الموجودات المحلية في الأسواق الناشئة قد يعرضها إلى هزات وتقلبات وتحركات تصحيحية في أواخر عام 2008 وعام 2009 وهذا سوف يكون له آثار سلبية وضارة على المستثمرين كما حدث في أسواق الأسهم الخليجية خلال العامين الماضيين.
تأثير قصير الأجل لأزمة الرهن العقاري
قال التقرير ان تأثيرات أزمة أسواق الرهن العقاري الأميركية كانت قصيرة الأجل حيث استطاعت الأسواق الناشئة التغلب عليها وذلك يعود لعدة أسباب:
أولاً أن جذور أزمة الرهن العقاري الأميركية تعود إلى قطاعات وصلت مراحل النضج وليس في قطاعات نامية.
وثانياً السياسات الاقتصادية والمالية السليمة التي اتخذتها الدول النامية لمواجهة تلك الأزمة مما وضع تلك الأسواق في مكانة أفضل لمواجهة الهزات الخارجية خلال السنوات ال25 الماضية.
وثالثاً الاستجابة السريعة للدول الصناعية وخاصة الاحتياطي الفيدرالي في توفير السيولة وخفض أسعار الفائدة مما وفر دعماً كبيراً للأسواق النامية، كما أتاحت تلك الإجراءات للاقتصاد العالمي ككل أن ينمو بشكل مستقر خلال هذا العام والعام المقبل ما لم تحدث هزات اقتصادية أو مالية جديدة.
ورأى التقرير أن هذا لا يعني أن الأسواق الناشئة قد تجاوزت أزمة الدين العقاري الأميركي بشكل كامل، حيث ان الارتفاع الحاصل في التدفقات الاستثمارية لثلاثين بلداً رئيسياً شملها التقرير والتي تقدر بنحو 545 مليار دولار كانت ستكون أكبر حجماً لو لم تحدث تلك الأزمة.
ووفقاً للتقرير فإن التوقعات الخاصة بـ 2008 تظهر انخفاض صافي التفقدات الاستثمارية بنحو 27 مليار دولار وذلك يعود أساساً إلى انخفاض صافي القروض المقدمة من البنوك التجارية العالمية للدول النامية. لذلك، فإن الدول التي تعتمد بشكل كبير على الاقتراض الخارجي في تمويل النمو الاقتصادي.
المنامة ـ حسن العالي
