استقرت أسعار النفط قرب أعلى مستوياتها على الإطلاق أمس، حيث سجل خام غرب تكساس المتوسط للعقود الآجلة تسليم فبراير المقبل 46. 99 دولارا للبرميل بانخفاض مقداره 16 سنتا عن سعر الإقفال السابق. وكانت أسعار النفط قد قفزت إلى مستوى قياسي عند 100 دولار للبرميل أول من أمس الأربعاء وسط ما قال متعاملون إنها موجة عمليات شراء للمضاربة أوقد شرارتها توتر سياسي وشح مخزونات الطاقة وضعف الدولار.
وأسفر ارتفاع النفط إلى سعر 100 دولار ذي الأهمية النفسية عن تراجع وول ستريت وألقى بظلاله على توقعات اقتصادية غائمة بالفعل في الولايات المتحدة التي تعصف بها أزمة سوق الإسكان. وقال تود سالمون نائب الرئيس للبحوث لدى شافيرز لأبحاث الاستثمار «بلوغ النفط 100 دولار أثار بعض المخاوف بشأن المستهلك والتضخم».
وقفزت الأسعار 58% في 2007 وهي أكبر زيادة سنوية خلال هذا العقد مدفوعة بارتفاع الطلب في الصين وغيرها من البلدان النامية وشح مستويات المخزون وتفاقم الاضطراب الاقتصادي. وعزز ضعف الدولار من المكاسب في قطاع السلع الأولية مع إقبال المستثمرين على المنتجات المسعرة بالعملة المتراجعة.
وتأتي الزيادة الأخيرة وسط تجدد العنف في نيجيريا ثامن أكبر بلد مصدر للنفط في العالم. وأدت هجمات شنها من يشتبه بأنهم متشددون في مدينة بورت هاركورت النفطية إلى زيادة المخاوف من احتمال حدوث تعطيلات جديدة للصادرات. وقال اوليفر جاكوب من مؤسسة بتروماتريكس «مع انخراط الجيش وزعماء الميليشيات في مواجهات عنيفة فإن خطر تعطل إمدادات النفط في نيجيريا لا يزال أعلى عما كان عليه في الأشهر القليلة الماضية».
ودفع تكرر هجمات المتشددين منذ فبراير 2006 الآلاف من عمال النفط الأجانب إلى الخروج من منطقة دلتا النيجر الغنية بالخام وخفض الصادرات بنحو 20%. ويتوقع محللون أن تواصل الأسعار صعودها في السنوات الخمس المقبلة إذا لم يتدهور النمو الاقتصادي ويتباطأ الطلب على الوقود. كما يرجح أن تستمر موجة الصعود في أسعار الخام التي بدأت عام 2002 مدعومة بتراجع الإنتاج في بعض المناطق خارج منظمة أوبك إلى جانب النمو الكبير في الطلب من جانب بلدان تتصدرها الصين والضغوط على مصافي النفط من أجل إنتاج الوقود.
وقال كريس فورسبولز المحلل لدى مؤسسة فورتيس في بروكسل «يمكن أن يواصل النفط الارتفاع فوق هذا المستوى. انها ببساطة العوامل الأساسية للعرض والطلب». وتابع «الطلب يتزايد وأعتقد أن هناك مشكلة هيكلية في قطاع التكرير. هناك طلب كبير على المنتجات عالية الجودة والمصافي غير قادرة على إنتاج هذه الأنواع من المشتقات».
ومن جانبه قال كيفن نوريش المحلل لدى بنك باركليز كابيتال في لندن «من الصعب التفكير في أي تصور لا ينطوي على ارتفاع مطرد في المتوسط السنوي للأسعار. هذا مدفوع بنفس التوجهات التي كانت قائمة، تزايد معدلات التراجع في الإنتاج لدى الدول المنتجة غير الأعضاء في أوبك من خارج الاتحاد السوفيتي السابق. لا يزال نمو الطلب مستقرا رغم ارتفاع الأسعار».
وقال بيتر بوتل المحلل لدى كاميرون هانوفر «جميع العوامل التي دفعتنا فوق مستوى 80 دولارا تدفعنا الآن إلى أعلى، إلى أن نحصل على مزيد من الإمدادات أو إلى أن يبدأ الطلب في التراجع فلا يوجد ما يمنع من توقع أي أرقام». وفي إطار الجدل الدائر حول مستويات الأسعار قال معهد أبحاث الاقتصاد الألماني «دي.آي.دبليو» إن تجاوز سعر برميل النفط الخام حاجز المئة دولار ليس نهاية المطاف.
وقالت كلوديا كيمفرت خبيرة المعهد في حديث لصحيفة «برلينر تسايتونج»، «من المحتمل أن يرتفع سعر برميل النفط خلال خمس سنوات إلى 150 دولارا وأن يصل السعر في غضون عشر سنوات إلى 200 دولار». وأضافت الخبيرة أن التراجع الكبير في كميات المخزون الاحتياطي من النفط سيدفع الأسعار إلى مستويات عالية للغاية.
وأرجعت الخبيرة الارتفاع الأخير في سعر النفط إلى عمليات المضاربة التي تتسبب وحدها في زيادة السعر بنحو 20% طبقا لتقديرات الخبراء. واستبعدت الخبيرة انخفاض أسعار النفط خلال الأسابيع المقبلة وتوقعت في المقابل ارتفاع سعر البرميل خلال هذه الفترة إلى 105 دولارات. وعلى الفور توالت ردود الفعل العالمية وأبدت العديد من البلدان المستهلكة مخاوف كبيرة من المستوى الحالي للأسعار.
من جانبها قالت وزارة الطاقة الأميركية إن بلوغ أسعار النفط مستوى قياسيا مرتفعا عند 100 دولار للبرميل يعكس طلبا عالميا قويا ومتزايدا على الطاقة. وأوضحت «هذه الأسعار تذكير عنيف بقوة وتزايد الطلب على الطاقة في دول العالم وعدم كفاية الاستثمار في زيادة الإنتاج». وأضافت «يواجه العالم الآن شحا في العرض والطلب حيث إن الطلب على النفط يتجاوز المعروض منه».
وأكدت الوزارة أنها لن تؤجل تسليمات نفطية للاحتياطي الاستراتيجي وستمضي في خططها لإضافة 3. 12 مليون برميل من الخام خلال النصف الأول من العام وذلك رغم ارتفاع الأسعار إلى مستوى قياسي. وكانت الوزارة قالت الخريف الماضي إنها ستضيف نفطا من رسوم الامتياز العينية إلى الاحتياطي اعتبارا من يناير بمعدل نحو 70 ألف برميل يوميا على مدى ستة أشهر. وقالت ميجان بارنت المتحدثة باسم الوزارة «الزيادة المتواضعة والتي تبلغ أقل من 1. 0% من الاستهلاك اليومي العالمي للاحتياطي النفطي الاستراتيجي من رسوم امتياز عينية سوف تستمر كما أعلنا».
وقال وزير النفط الهندي مورلي ديورا إن وصول أسعار النفط الخام العالمية إلى حاجز المئة دولار أمر يثير انزعاج الهند. لكنه أوضح أن رفع أسعار التجزئة المحلية للوقود ليس الحل الوحيد وان الحكومة قد تدرس خفض الرسوم الجمركية لتخفيف خسائر شركات النفط الحكومية التي يتعين عليها بيع الوقود بأسعار تحددها الدولة. وقال ديورا إن الأحزاب اليسارية التي تمنح الحكومة أغلبية برلمانية أكدت للمسؤولين أنها ستتعاون في الجهود الرامية لتخفيف وطأة الأسعار الفلكية للنفط.
لكن في الجانب الآخر بدا أن منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» مستمرة في التمسك برؤيتها لموقف الأسواق. وقال وزير النفط القطري عبد الله العطية إن المنظمة لا تستطيع القيام بأي شيء حيال أسعار النفط الحالية ذلك أن الزيادة ترجع إلى عوامل سياسية ومضاربات وليس مشكلات في المعروض.
وأوضح «لا أعتقد أن أوبك تستطيع عمل أي شيء، إذا كان هذا مرتبطا بالمعروض لاستطعنا التحرك. لكنني متأكد من أنها العوامل السياسية. المضاربة قوية جدا. انها لعبة مضاربين». وأكد العطية أن أوبك لا تعتزم إجراء محادثات طارئة بعدما بلغ السعر 100 دولار.
وتعقد المنظمة اجتماعها التالي في أول فبراير. وبحلول ذلك الوقت ستتطلع المنظمة إلى الربع الثاني من العام عندما يتراجع الطلب على النفط مع انتهاء فصل الشتاء في نصف الكرة الشمالي. وقال العطية «سيكون علينا أن نتحرك بحذر كبير حينئذ».
وأوضح شكري غانم رئيس المؤسسة الوطنية الليبية للنفط «أوبك ليس بيدها الكثير. معظم دول أوبك تنتج بأقصى طاقة». وفي ذات الإطار قال حجة الله غانمي فرد مدير العلاقات الدولية في شركة النفط الإيرانية إن هناك إمدادات نفط كافية في السوق في الوقت الحالي وعزا ارتفاع أسعار النفط إلى السيولة الهائلة في الأسواق المالية. وأوضح «أعتقد أن المشكلة الرئيسية تكمن خارج سوق النفط. فهناك كثير من السيولة متاحة».
وأضاف أن الأرقام تشير الآن إلى أن هناك إمدادات نفط كافية في السوق، ولكن هناك نقصا في طاقة التكرير خلال فصل الشتاء في نصف الكرة الشمالي. وردا على سؤال عن اجتماع فيينا قال مسؤول نفط إيراني آخر طلب عدم الكشف عن اسمه «لا يزال أمامنا شهر. ووزراء أوبك يدرسون عادة العرض والطلب ومستويات المخزون ثم يأخذون قرارا. فلننتظر حتى الأول من فبراير».
الاقتصاد العالمي يتأقلم مع الاتجاه الصعودي
تمكن الاقتصاد العالمي حتى الآن من التأقلم مع الأسعار الآخذة في التزايد غير أن آخرين في صناعة النفط يقولون إنه لم يتضح نهائياً بعد ما إذا كانت أحدث زيادة في الأسعار ستعطل النمو وتحد من الطلب على النفط.
وقال نعمان بركات نائب رئيس ماكواري فيوتشرز يو.اس.ايه ردا على سؤال بشأن الاتجاه الذي ستسلكه الأسعار خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة «يمكن توقع أي من الطريقين، يمكن أن تكون الأسعار أعلى كثيرا بسبب استمرار الطلب القوي من جانب البرازيل والهند والصين لكن على الجانب الآخر يمكن أن تكون أقل بكثير لأن مستويات الأسعار العالية هذه قد تتسبب في ركود عالمي».
غير أن أغلب التوقعات تشير إلى استمرار نمو الطلب. وأبقت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها السنوي بشأن توقعات الطاقة العالمية الذي نشر في السابع من نوفمبر على تقديراتها لنمو الطلب العالمي على النفط بنسبة 3. 1% سنويا حتى عام 2030 رغم رفعها مستوى التوقعات لزيادة الأسعار.
لماذا وصلت الأسواق إلى هذا المستوى؟
ضعف الدولار الأميركي
ساعد تراجع قيمة الدولار الأميركي مقابل عملات رئيسية أخرى على تعزيز عمليات الشراء في مختلف السلع الأولية حيث يرى المستثمرون أن الأصول المسعرة بالدولار رخيصة نسبيا. كما نال ضعف العملة الأميركية من القدرة الشرائية لإيردات أوبك وزاد القدرة الشرائية لبعض المستهلكين المسعرة وارداتهم بعملات أخرى غير الدولار.
مضاربات صناديق الثروات
منذ خفض مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي أسعار الفائدة في منتصف أغسطس وقيام بنوك مركزية بضخ مليارات الدولارات في الأسواق المالية لتخفيف أزمة ائتمان صعدت أسعار النفط والذهب. وتزدهر تدفقات الاستثمار من صناديق معاشات التقاعد والتحوط على السلع الأولية ومن بينها النفط وكذلك المضاربات.
ارتفاع وتيرة الطلب
في حين كانت الارتفاعات السابقة في الأسعار تنتج عن اضطرابات في الإمدادات فإن الطلب من دول مثل الصين والولايات المتحدة هو المحرك الرئيسي للزيادات الراهنة. وتباطأ نمو الطلب العالمي بعد ارتفاعه في عام 2004 لكنه مستمر في الزيادة ولم يكن لارتفاع الأسعار حتى الآن أثر يذكر على النمو الاقتصادي.
قيود الإنتاج والإمداد
بدأت منظمة أوبك التي تضخ أكثر من ثلث إنتاج العالم من النفط خفض إنتاج الخام أواخر 2006 لكبح تراجع في الأسعار. وساعد تراجع إمدادات أوبك الى السوق على ارتفاع الأسعار هذا العام في حين أخذت البلدان المستهلكة تقودها وكالة الطاقة الدولية تناشد المنظمة ضخ المزيد من الخام. وقررت أوبك في اجتماع عقدته في ديسمبر إبقاء إنتاج النفط عند مستواه.
موجات العنف العالمية
انخفضت إمدادات الخام من نيجيريا ثامن أكبر بلد مصدر للنفط في العالم منذ فبراير عام 2006 بسبب هجمات متشددين على صناعة النفط في البلاد. وأوردت الشركات تفاصيل وقف إنتاج نحو 547 الف برميل يوميا من انتاج نيجيريا بسبب الهجمات وعمليات تخريب. كما يشعر مستهلكو النفط بالقلق بشأن تعطل الإمدادات من إيران رابع أكبر مصدر له في العالم.
