قال محللون إن الذهب لم يرتفع إلى مستويات قياسية بعد لأن الأمر يختلف كما يبدو اختلافا كبيرا عما كان عليه في السابق. فالمقارنة بالحمى التي اجتاحت الأسواق في عامي 1979 و1980 عندما كانت الأسعار عند هذه المستويات المرتفعة توضح أن رد الفعل لارتفاع الذهب الحالي إلى مستويات غير مسبوقة خافت بكل تأكيد.

ويبرز سؤال مهم عن موقع ما يحدث الآن مما حدث آنذاك من اقبال الناس على بيع أي قطعة ذهبية في البيت للاستفادة من ارتفاع الأسعار، وأين صورة الذهب كمنقذ للبشرية. وفي موجة الصعود السابقة سارع الناس إلى بيع الذهب لتحقيق الربح حتى أن البعض خلع الاسنان الذهب لبيعها. وفي أميركا كادت تختفي خواتم التخرج من المدارس الثانوية والتي لم تكن لها قيمة تذكر إذ كان مصيرها إعادة صهرها.

وكان جيم سوردز صحفيا حرا ينشر أخبارا مالية واقتصادية لعملاء في مختلف أنحاء العالم من مكتبه في واشنطن وكان غارقا في الكتابة لنشرة إخبارية عن الذهب اسمها وولف واير. ويتذكر سوردز أن أحد أقاربه أكبر سنا منه سأله عما إذا كان يجب أن يشتري الذهب. وكان رده بالإيجاب إذا كان الغرض من شرائه علاج الأسنان أو كهدية لزوجته «لكن لا تشتريه لادخاره عندما يتقدم بك العمر». لكن جنون الشراء أصاب قريبه فتجاهل نصيحته.

وكانت نشرة وولف واير ترسل أخبارا بالتلكس لنحو 50 من كبار العملاء. وقد أسس هذه النشرة توماس وولف بعد تقاعده من منصبه كمدير لمكتب تراخيص الذهب بوزارة الخزانة الأميركية بعد أن تخلت الولايات المتحدة عن الذهب كغطاء نقدي.

وفيما يعكس الطلب المحموم على أخبار الذهب في تلك الأيام كان سعر الاشتراك في النشرة خمسة آلاف دولار سنويا أي ما يعادل حوالي 14 ألف دولار الآن. ويقول سوردز أنها كانت توصف بأنها أغلى نشرة إخبارية في العالم. ولم يكن أي خبر عن الذهب مهما صغر شأنه يقابل بالتجاهل.

ومن ذلك الاهتمام الكبير الذي أحاط بمزاد عادي نظمه الجيش الأميركي لبيع بعض المعدات. فقد كان بين القطع المعروضة للبيع في المزاد عدد غير قليل من الأطقم القديمة التي كانت مخصصة للطيارين الذين تسقط طائراتهم في أراض معادية.

وفي الماضي كان المزاد حدثا عاديا لكنه هذه المرة حظي باهتمام أكبر بكثير عندما اكتشف المهتمون أن بعض القطع المعروضة من الذهب كانت مخصصة للطيارين حتى يستطيعون استخدامها في رشوة الأعداء للخروج من أي مأزق. ووصلت أخبار هذا المزاد إلى سويسرا وجنوب أفريقيا فيما أثار استياء هواة اقتناء مثل هذه الأدوات العسكرية الذين كانوا يأملون الحصول عليها بثمن بخس.

وكان حافز البعض في الحمى التي انتشرت في تلك الأيام إما الخوف أو الرغبة في الربح. فقد كانت الحرب الباردة آنذاك على أشدها وكان الاقتصاد العالمي ضعيفا. وكان الرئيس الأميركي حينذاك جيمي كارتر يتحدث عن مشاكل بلادهالتي تعاني من تضخم مرتفع يزيد على ال10% وكان بالطبع عاملا في رفع سعر الذهب كأداة للتحوط من ارتفاع الأسعار.

كما كان اقتصاد الدول الصناعية يترنح تحت الصدمة النفطية الثانية خلال السبعينات والتي أعقبت قيام الثورة الإيرانية وبداية الحرب العراقية الإيرانية. ويقول سوردز ان شركة كبرى من شركات التعدين لعبت على المخاوف بنشر إعلان على صفحة كاملة في الصحف تظهر فيها صورة عربة يجرها حمار تنقل أسرة رثة الثياب عند نقطة حدودية.

وكان الإعلان يقول إن الأسرة لن تتمكن من اجتياز نقطة الجمارك إلى أن تسلم بعض ما لديها من عملات ذهبية. ويعلق سوردز «الرسالة واضحة. يجب أن تمتلك شيئا من الذهب حتى تحتفظ لأسرتك بالأمان».

ويغيب عن المشهد الحالي ذلك الهوس الذي صاحب ارتفاع الذهب إلى مستوى قياسي آنذاك لأسباب منها على الأرجح أن المستوى القياسي الذي سجله سعر القطع في لندن يوم 21 يناير عام 1980 وهو 850 دولارا للأوقية يعادل الآن ما يفوق 2150 دولارا. والأفضل أن يحجم الناس هذه المرة عن خلع أسنانهم الذهبية.