في خضم الأزمات المالية العالمية، عادة ما تكون أصول الأسواق الناشئة، أول المتضررين، وأكثرهم خسارة، باستثناء عام 2007 المنتهي، إذ إن الوقائع أظهرت أن من أهم الخصائص التي ميزت أزمة أسواق الائتمان العالمية، الأداء القوي لاقتصادات الدول الناشئة. وتماسكها في غمرة أسوأ أزمة في التاريخ الحديث.

وقال تقرير لصحيفة «فاينانشيال تايمز» إن الاختبار الحقيقي للقوة الجديدة لهذا القطاع ستظهر في العام الجاري 2008، حيث من المتوقع أن تزداد الظروف الاقتصادية والسوقية العالمية سوءاً. ونقلت الصحيفة عن «مارك بالستون» رئيس البحوث الكمية للأسواق الناشئة في دويتشه بانك إن ثمة نظرة جماعية تكونت مفادها أن التغيرات الهيكلية للأسواق الناشئة في السنوات الأخيرة،

تعني أن هذه الفئة لا يمكن مقارنتها بعد الآن بالفئات الأخرى، التي هددتها الأزمات. ومضى «بولتون» قائلاً: «إننا ندعم هذا الرأي، مع إقرارنا أنه لم يخضع للاختبار، وقد يكون عام 2008، العام الذي سيخضع فيه تماسك الأسواق الناشئة لاختبار حقيقي».

وثمة أسباب كثيرة للتفاؤل، فالأزمة الراهنة، على العكس من أزمات سابقة كثيرة، أطلت برأسها من عالم المال الغربي، وليس من الأسواق الناشئة، التي شهدت أداءً نشطاً لخمس سنوات متوالية، لذلك فإنه على الرغم من سيل الأخبار السيئة الجارف، التي تسرّبت من أسواق الائتمان منذ الصيف الماضي، فإن المستثمرين واصلوا ضخ الأموال في صناديق الأسواق الناشئة».

ووفقاً ل«آي،.بي.إف.آر جلوبال» التي تتعقب تدفقات الصناديق العالمية، فإن تدفقات الربع الرابع من العام الماضي 2007، تشكل 57% من التدفقات الإجمالية القياسية خلال العام إياه. ويقول براد دورهام، العضو المنتدب في «إي.بي.إف.آر.جلوبال» إن التدفقات تميزت بشهية المستثمرين، للإنكشاف على الأسواق الناشئة الأكبر، بما فيها «بريكس»، المكونة من البرازيل وروسيا والهند والصين.

وقد كسب مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق الناشئة 2. 30% منذ شهر يناير من عام 2007، فيما بلغ معدل مخاطر دين الأسواق الناشئة بمقياس مؤشر «إي إم بي آي + 1» التابع ل«جي بي مورجان» 5. 234 نقطة أساسية، فوق سندات الخزانة الأميركية المنخفضة بالمقاييس التاريخية،

ويعود الفضل في تلك الثقة الاستثمارية المتفائلة جزئياً إلى حقيقة أن الاقتصادات الناشئة، مع بعض الاستثناءات القليلة، أفضل حالاً من أي وقت، لتجاوز المصاعب المالية. فقد عمدت كثير من الحكومات إلى سداد الدين العام، وتنعم بفائض في الميزانية و/ أو الحساب الجاري، وتمتلك فائضاً قوياً من احتياطيات العملات الأجنبية، والأسواق الناشئة، كمجموعة دائنة للولايات المتحدة.

وخلاف ذلك، فإن كثيراً منها، تعتبر مصدرة للسلع، التي شهدت أسعار الكثير منها، ارتفاعا كبيراً في السنوات الأخيرة، وتعد الطفرة السلعية، أحد الأسباب التي جعلت إفريقيا باهتمام المستثمرين المتزايد تستأثر.

ومن المتوقع استمرار هذا الاتجاه العام الجاري بحسب المحللين. وعلاوة على ذلك، فإن آسيا الناشئة بصورة متسارعة، بما فيها الصين، والهند والشرق الأوسط الغني بالسيولة النقدية مرشحة للعب دور رئيسي متزايد. في أسواق الرساميل العالمية، في السنوات المقبلة وبالفعل فإن بعض المستثمرين باتوا على قناعة بأن اقتصادات البقية الباقية من العالم، انعتقت من ارتباطها بالولايات المتحدة.

وعليه، فلو أن الاقتصاد الأميركي تباطأ، فإن الاقتصادات العالمية الباقية.خصوصاً الصين، والهند لن تتأثر، وفي سياق متصل، فإن «جينغ أولريتش» رئيس الأسهم الصينية في جي بي مورجان سيكوتيز، قال إنه من ارتباط الاقتصادين الأميركي والصيني، فإن مساهمة الاقتصاد الأميركي في نمو الاقتصاد الصيني تضاءلت في السنوات الأخيرة.

وعلى وجه العموم، فإن قدرة الصين، وغيرها من الأسواق الناشئة على تخطي الصعاب، العام الجاري، تعتمد اعتمادا كبيراً على حجم الأزمة المتقدمة التي قد يثبت عمقها أكثر مما هو مقدر.

وفي الشأن ذاته، قال «أرناب داس» الرئيس العالمي لدراسات الأسواق الناشئة في «دريسنر كلاينوورت» «أن ثمة دماراً للثروة يجري في القطاعين الفردي والمالى». مضيفاَ بأن سنة عصيبة ستمر على العالم. بتباطؤ في الولايات المتحدة وبلدان الدول السبع الكبرى، الأمر الذي يتطلب من الأسواق الناشئة، وخصوصا الكبرى منها، أن تكون أكثر اعتماداً على الطلب المحلي».

ومضى تقرير الفاينانشيال تايمز إلى القول، إن بلدان الأسواق الناشئة، باتت أقل اعتماداً على نمو الولايات المتحدة، من السابق، فيما تجاوزت التجارة البينية في السوق الناشئة، التجارة بينها وبين الدول الصناعية بحسب أسامة هيماني، الاستراتيجي في يو بي إس صس.

وفي السياق ذاته، قال «بيتر إيدرمانز» من «انفستيك أست مانجمنت» إن الزعم بأن الأسواق الناشئة محصنة ضد التباطؤ في الولايات المتحدة يحمل مضامين خطيرة». وتوقع «إيدرمان» أن تتباطأ الأسواق الناشئة، حصيلة لتباطؤ الاقتصادين الأميركي والأوروبي، نظراً لانتهاء كثير من الصادرات بين أيدي المستهلكين الغربيين.

إلى جانب ذلك، فإن خروج غول التضخم من قمقمه، بدأ يثير مخاوف في عدد من الاقتصادات الناشئة، ويعود ذلك جزئيا إلى تدفقات ضخمة، تمخض عن التدفقات التجارية والاستثمارية. ويضيف داس قائلا: علاوة على ذلك كله، فإن ارتفاع أسعار السلع والطاقة، وانخفاض الدولار، الذي ترتبط به فعلياً كثير من عملات الأسواق الناشئة تهدد بفرض مزيد من الضغوط.

ولقد هزت صدمة أسعار السلع، اقتصادات عدة خصوصاً في أميركا اللاتينية ومنها البرازيل وفنزويلا وكولومبيا والايكوادور. وأن أي تدهور آخر في المناخ الاقتصادي، قد يؤدي إلى فرض ضغوط إضافية على الاقتصادات المحصنة ضد الظروف الائتمانية الصعبة،

بما فيها كازاخستان وعدة اقتصادات أوروبية شرقية وعلى صعيد متصل، فإن أصول السوق الناشئة باتت أكثر كلفة عما كانت عليه منذ عام مضى، فأسهم الأسواق الناشئة تتداول الآن «بموازاة» أسهم السوق المتقدمة.

كما ان دين السوق الناشئة نسبيا أكثر كلفة مقارنة بالائتمان في الولايات المتحدة وفقاً لما جاء على لسان «مايكل هارتنت» استراتيجي أسهم السوق الناشئة العالمية في ميريل لينش، وخلصت الصحيفة إلى القول إنه في ضوء المخاطر المحتملة والتقلبات الجائزة، فإن المستثمرين سيميزون بصورة متزايدة بين استثماراتهم في عام 2008، وخلاصة القول، أن الاستبشار بسنة سادسة أخرى من الازدهار سيشوبه قدر كبير من الحذر.

ترجمة: وائل الخطيب