قالت صحيفة «يو إس تودي»ان الأزمة الاقتصادية الراهنة، تشكل أكبر اختبار لنظام العولمة المالي، الذي شهد النور غداة سقوط جدار برلين عام 1989.

وشبهت الصحيفة الولايات المتحدة بمغامر جريء، تحيط به الرمال المتحركة من كل جانب، فيما العالم من حوله يسعى لإنقاذه بمد حبل النجاة، وجره إلى بر الأمان. وقالت المجلة، إن ستة أشهر من أسوأ أزمة مالية، خلال عقد من الزمن، غاص بها الاقتصاد الأميركي، انطلقت شرارتها من الفترة التي عصفت بالرهن العقاري، وانتشرت لتعم النظام البنكي برمته.

وأضافت، إن الصادرات وحدها بقيت البقعة المشرقة الوحيدة، في الأفق الاقتصادي، مضيفة 9. 0 نقطة في المئة إلى النمو الاقتصادي خلال الربع الثالث من العام الجاري، وهو الأكبر من نوعه منذ 1980.

ومضت الصحيفة متسائلة عما إذا كان العالم، سيواصل مجدداً انتشال الولايات المتحدة من عثرتها، أم أن «العم سام» سيجر الآخرين معه. في تلك الأثناء قال «كنيث روجوف» الخبير الاقتصادي في جامعة هارفارد، محذراً من أن الهوة سحيقة، وستجر الجميع إلى غورها.

لكن في ظل التوقعات التي تشير إلى أن النمو في الولايات المتحدة خلال الربع الأخير من العام، سيكون بطيئاً أو شبه غائب، وأسعار النفط تتراوح عند 80 دولارا للبرميل، والتضخم يطل برأسه في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، فإن ثمة أسبابا كثيرة للقلق.

وهو الأمر الذي دعا «سونغ وون سون» الرئيس التنفيذي لها نمي بانك في لوس انجلوس إلى القول «بأن ذلك تحول إلى ظاهرة عالمية». معرباً عن قناعته، بأن ما خفي كان أعظم. وليس من السهولة، إغفال التغييرات الدراماتيكية التي أعادت صياغة نظام التمويل العالمي في أقل من عقدين.

فاليوم أخذت الرساميل تتدفق في أنحاء العالم أكثر من أي وقت في العقد الماضي إذ نمت التدفقات الرأسمالية العابرة للحدود منذ 1973 من 5 في المئة إلى 21 في المئة من الاقتصاد العالمي، وفقاً لفردريك ميشكين محافظ البنك الاحتياطي الفدرالي. وواضع كتاب «العولمة الكبرى القادمة».

وعلى صعيد متصل قال «سون» إن العلاقات المالية بين الأمم، باتت اليوم أشبه ما تكون بشبكة العنكبوت». وأضاف: «إننا لم نعدو وحدنا»، ولم يعد بإمكاننا التحكم في مصائرنا، سواء في كوريا الجنوبية أو الولايات المتحدة، أو اليابان أو أي مكان آخر.

وفيما يخص الولايات المتحدة، فإن جدول الرساميل المتدفقة إلى الاقتصاد المحلي، أو الخارجة منه، عام 1989، تحول الآن إلى سيل جارف. فقد بلغت قيمة السندات الآجلة والأسهم والمصانع التي يملكها أميركيون نهاية 2006، 7. 13 تريليون دولار بزيادة عن 1. 2 تريليون دولار عام 1989، فيما قاربت الأصول الأميركية التي يملكها مستثمرون أجانب 3. 16 تريليون دولار مقابل 3. 2 تريليون عام 1989.

وقالت يواس تو دي إن تلك القنوات المالية المتشابكة نظرياً تقود إلى تخصيص أكثر فاعلية للرساميل بغية استثمارها على النطاق العالمي. إلا أن الآلية المالية التي تزداد تعقيداً تحمل في ثناياها مشاكل عدة، فانطلاق مشكلة هذا العام، في قطاع واحد وهو سوق الإسكان الأميركي،

ما لبثت أن سرت عدواه لتطال أسواق الائتمان العالمية ويرجع ذلك إلى أن المؤسسات المالية العالمية، أعادت تحزيم تلك الرهون الأميركية كضمانات مطورة، ما لبثت أن باعتها إلى البنوك والشركات والحكومات المحلية، في أنحاء العالم.

وفي خطاب له في 27 نوفمبر قال كريستيان نوير محافظ بنك فرنسا المركزي «إنه نتيجة للتكامل المالي العابر للحدود، فإن من الراجح أن تنتشر الأسعار المحلية، والصدمات المتعلقة بالسيولة في أنحاء المعمورة، فالأحداث البعيدة لابد أن تكون لها تداعيات حادة.

وقالت الصحيفة، إنه في غمرة التعديلات القائمة في انكماش الائتمان العالمي، فإن أفقاً مالياً جديداً بدأ في الظهور. فالولايات المتحدة الرائدة في قيادة النمو العالمي زمناً طويلاً أخذت في التعثر، فيما بدأت أوعية استثمارية حكومية، من الصين والشرق الأوسط، والمسماة صناديق الثروة البادية، تتحول بصورة متزايدة إلى قوة شرائية لا يستهان بها في كثير من الأسواق، إلى جانب مستثمرين أفراد.

فضلاً عن أن الخصومات التجارية التي شابت العلاقات الصينية ـ الأميركية طويلاً، بدأت تميز علاقات الصين مع أوروبا. في مقابلة معه قال هنري بولسون وزير الخزانة الأميركي إن الولايات المتحدة تمتلك اقتصاداً قوياً معرباً عن إيمانه باستمراره في النمو.

وأضاف إن المسؤولين يولون عناية فائقة للأسواق المالية، ويبذلون قصارى جهودهم للتقليل من آثار الهزة على الاقتصاد. ومن المؤكد أن تجاوز الأزمة سيستغرق بعض الوقت معرباً عن ثقته في الأسواق، وفي المؤسسات المالية.

ولا ريب أن العولمة تساعد في تخفيف حدة المصاعب الآنية، فالمستثمرون الأغنياء الأجانب بدأوا في الظهور كلاعبين رئيسيين في إعادة رسملة القطاع المالي للولايات المتحدة، من خلال ما أسماه «روجوف» كبير الخبراء الاقتصاديين السابقين في صندوق النقد، الدولي، «ملاءة السيولة العالمية».

إذ إن الانفجار الرهني، أحدث فجوة في الميزانيات العامة للبنوك، مما اضطر تلك البنوك إلى تدعيم احتياطياتها الرأسمالية. وهو الأمر الذي دعا سيتي جروب الشهر الماضي، إلى جمع 5. 7 مليارات دولار، عن طريق بيع حصة مقدارها 9. 4 في المئة إلى هيئة أبوظبي للاستثمار الحكومية وفي الوقت ذاته، فإن التجارة العالمية تدعم الشركات الأميركية،

وقد تكون الأرباح تتراجع على النطاق المحلي غير أنها ظلت قوية في الخارج ففي الربع الثالث، انخفضت الأرباح محلياً بنسبة 2. 4 في المئة، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. فيما ارتفعت بنسبة 20 في المئة في الأسواق الأجنبية،

وفقاً لبنك أوف أميركا ومن جهة أخرى قال هارولد، مجرو الثالث رئيس «بزنس راوندتيبل» إن الرؤساء التنفيذيين ظلوا متفائلين، بخصوص الاقتصاد لان تجارتهم الأجنبية أبلت بلاء حسنا. مضيفاً أن العالم ينمو بسرعة فائقة، وينمو بمعدل أفضل لذلك، فإن تأثير اقتصاد ما على منطقة أو على العالم، بات اليوم أقل.

ويتوقع صندوق النقد الدولي، أن يتباطأ توسع الاقتصاد العالمي، من معدل سنوي بلغ 25. 5 في المئة خلال الربع الثالث من عام 2007، إلى 5. 4 في المئة في الربع الرابع من عام 2008. ولو صحت توقعات المنظمة المالية العالمية، فإن العالم سينعم العام القادم، بموجة عارمة من النمو القوي للعام السادس، بفضل الأسس السليمة وقوة اقتصادات الأسواق الناشئة.

وقالت الصحيفة، إن الحدود التي تبتعد فيها الاقتصادات الأخرى عن اعتمادها التقليدي على محرك الاقتصاد الأميركي، تسعى خاضعة للجدل، فمن جانب هناك ثلاثة بلدان، وهي الصين والهند وروسيا، شكلت اكثر من نصف النمو العالمي خلال السنة الماضية وفقا لصندوق النقد الدولي،

لذلك فإن من المتوقع أن تتحمل الأسواق الناشئة مسؤولية في المحافظة على استمرار نمو الاقتصاد خلال عام 2008 غير أن الاقتصاد الأميركي يظل الأكبر في العالم، وان أي انخفاض حاد في الطلب هنا على سلع الآخرين ستكون له انعكاساته، حيث إن كندا والمكسيك ترسلان 81 في المئة من صادراتها إلى الولايات المتحدة، هما الشريكان الرئيسيان لها،

وهي البلدان الأكثر تعرضاً للتباطؤ الخطير في الولايات المتحدة، ومن جانب آخر، فإن ضعف الاقتصاد في الولايات المتحدة. قد يضر بلداناً أخرى، باختلال أسواق المال العالمية، ويعرقل دخول الرساميل، ويحبط التجارة.

وتقول «جاينز يلين» رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو إن اقتصادات الولايات المتحدة والاقتصادات الآسيوية ليست متباعدة، وإن أي تباطؤ هنا قد تكون له انعكاساته في خفض النمو.

ومن جهة أخرى قالت الصحيفة، إن قدرة بقية العالم على تجنيب انخفاض النمو الأميركي تتطلب برهانا، غير أن العلاجات التي قدمتها البنوك المركزية لمحاربة الانكماش الائتماني، ألقت أعباء إضافية على أجزاء أخرى من النظام المالي العالمي، الذي سيلحق في النهاية الضرر ببعض الأسواق الناشئة.