تحفل أفق عام 2008 بمؤشرات تنم عن اتجاه الضغوط التضخمية نحو الانحسار،وينهض المشهد على تقديرات تتوقع تراجع أسعار إيجارات الوحدات السكنية، وانحسار أسعار مواد البناء، وهدوء وتيرة النمو الاقتصادي.

وتخلص هذه التقديرات إلي رسم صورة لمشهد التضخم خلال العام الجديد تحوي على معلم أساسي يتمثل في انخفاض تكاليف المعيشة بشكل يعزز القدرة التنافسية للدولة كمركز للتجارة والأعمال، وبشكل يؤدي إلي احتواء التضخم عند مستويات متدنية.

وقد تركز القدر الأكبر من النقاش المثار داخل دوائر الأعمال وشرائح المجتمع بمختلف مستوياتها في العام المنصرم حول ارتفاع تكاليف المعيشة خاصة صعود رسوم الإيجارات، حيث ينظر إلي التضخم على أنه أكثر الأخطار التي تحف الاقتصاد الوطني ضخامة،

بل وصل الأمر ببعض المحللين إلي توصيف التضخم على أنه الهاجس الوحيد الذي يؤرق الجميع، وصار السؤال الذي يجري تداوله في أوساط المحللين، هو أوجه التأثير المحتمل لارتفاع التضخم على النمو الاقتصادي، وما إذا هناك بصيص من الضوء سيشع في نهاية هذا النفق.

خطر التضخم

وتنطلق المخاوف حيال تزايد وتيرة نمو التضخم من وجود إدراك بأن الإمارات تحتاج إلى مكافحة التضخم عن طريق إتباع سياسة نقدية فعالة تهدف إلى ضبط حجم السيولة المتداولة والحد من الإنفاق مقابل تشجيع الادخار من دون إلحاق أضرار بالطلب،

حيث انه إذا ترتب على مثل هذه السياسة إبطاء في النمو الاقتصادي فإن ذلك أهون من ترك النمو ضحية لاستفحال التضخم مع كل ما يترتب عليه من أضرار بالغة تتعدى الاقتصاد إلى مجالات عديدة أخرى، بما في ذلك الحد من القدرة التنافسية للاقتصاد إقليميا وعالميا.

وتنشأ الضغوط التضخمية عن عملية النمو الاقتصادي المتسارع، بما يفضي إلى ارتفاع الطلب في مواجهة استجابة العرض الضعيف نسبيا، وبالتالي تبرز أهمية اتخاذ التدابير الاقتصادية التي تهدئ الاقتصاد وتعزز العرض من الضغوط التضخمية، مما يقود في نهاية المطاف إلى تعزيز الأداء الاقتصادي القوي الحالي للإمارات.

تكلفة السكن

وتشكل تكلفة السكن ـ بحسب وزارة الاقتصاد ـ أهم مكون في مؤشر الأسعار، وتبلغ نسبتها 1. 36 من 100 في المؤشر، بمعنى آخر تقدر تكاليف السكن بنسبة 1. 36 % من مصروفات الأسرة، إذ يتألف مؤشر الأسعار الرسمي من تسعة مؤشرات مكونة له، يمثل كل واحد منها مجموعة من البضائع والخدمات التي تستهلكها الأسرة في العادة.

يتم احتساب وزن هذه المؤشرات وفقاً لأهميتها في (سلة التسوق) التي تشكل متوسط المصروفات الأسرية خلال العام، وتضم المكونات الأخرى المهمة كلا من المواصلات والاتصالات بنسبة 9. 41% والغذاء والمشروبات والتبغ بنسبة 4. 14% والخدمات الترفيهية والتعليمية والثقافية بنسبة3. 10%.

وتفيد بيانات وزارة الاقتصاد أن الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك تشير إلى انه ارتفع من 7. 121 نقطة في عام 2005 بأساس عام 2000 إلى 0. 133 نقطة في عام 2006 مما يشير إلى ان معدل التضخم في الدولة قد بلغ 3. 9% في عام 2006.

ويعزى هذا الارتفاع إلى الزيادة في أسعار مجموعة السكن وخدمات المسكن على مستوى الدولة بنسبة 3، 15% مع تباين هذه النسبة حسب إمارات الدولة وفقا لنموها الاقتصادي وواقعها العقاري، حيث ارتفع الرقم القياسي من 1، 130 نقطة في عام 2005 إلى 1، 150 نقطة في عام 2006.

ولعل الإدراك العام بأن تكلفة الإيجارات تشكل السبب الرئيسي المسئول عن ارتفاع معدل التضخم، هو ما دفع المسئولين في الدولة إلى جعل جهود مكافحة التضخم تبدأ من معالجة ظاهرة الارتفاعات الصاروخية في أسعار الإيجارات،

وهو ما تبدى بشكل جلي في تصريحات معالي الشيخة لبنى القاسمي وزيرة الاقتصاد بإشارتها إلى أن الحكومة تدرس قوانين جديدة تهدف إلى احتواء التضخم عن طريق الحد من ارتفاع الإيجارات وتعزيز المنافسة.

وقالت الوزيرة إن دول المنطقة جميعها قد شهدت نسب تضخم متزايدة في الأعوام الماضية وتحديدا منذ 2001 بسبب الزيادة في أسعار النفط العالمية وعودة رؤوس الأموال العربية إلى المنطقة والتي أدت إلى زيادة السيولة النقدية (M1) بنسب كبيرة (تجاوزت 15% سنويا للإمارات) مما أثر بصورة مباشرة على زيادة نسب التضخم في دول المنطقة.

وللوقوف على الآثار الاجتماعية والاقتصادية على سكان الدولة والناجمة عن التضخم، بدأت الوزارة بتنفيذ مسح إنفاق ودخل الأسرة منذ مطلع أبريل 2007 والذي سيستمر العمل فيه حتى نهاية مارس 2008، وسيوفر هذا المسح قاعدة واسعة من البيانات تسمح بإجراء مزيد من الدراسات عن الواقع الاقتصادي للأسر في جميع إمارات الدولة والوقوف على الآثار المترتبة على ارتفاع الأسعار.

وهكذا، تعمل وزارة الاقتصاد جاهدة على كبح جماح التضخم من خلال الآليات المتعددة التي أنشأت في الأشهر القليلة الماضية والتي سوف تؤسس قريبا، فعلى سبيل المثال فقد أنشأت إدارة حماية المستهلك في أواخر 2006 والتي نجحت، بالرغم من حداثة نشأتها، في تقليص زيادة أسعار عدة سلع استهلاكية.

وقد نبه تقرير صندوق النقد الدولي إلى أن تخفيف قيود الطاقة الإنتاجية خاصة في قطاع الإسكان والنقل سيكون أمرا حيويا لتجنب السخونة الزائدة للاقتصاد وتقليل التضخم، مضيفا بأنه من شأن تواصل المشروعات في هذه القطاعات، أن يساعد في تخفيف ضغوط التضخم،

ويسهم أيضا في زيادة قدرة الاستيعابية للاقتصاد، وتوقع تقرير صندوق النقد الدولي نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي للإمارات بنسبة 7. 7% هذا العام 2007 مقارنة ب4. 9% في 2006 و2. 8% في 2005.

ويتوقع حسب التقرير أن يظل نمو الطلب المحلي الحقيقي قويا ليعكس النمو المطرد في عدد السكان، والاستهلاك الخاص المستمر، بالإضافة إلى الاستثمار النشيط في مشاريع تحتية كبيرة. وقال صندوق النقد أن الناتج المحلي الاسمي للإمارات سينمو العام الحالي إلى 1. 679 مليار درهم (185 مليار دولار) مقارنة ب7. 599 مليار درهم (4. 163 مليار دولار) في 2006.

ويعزى هذا النمو الاقتصادي إلى الإستراتيجية الاقتصادية المنفتحة على السوق العالمي، ومناخ ملائم للأعمال وارتفاع أسعار النفط من ضمن عوامل أخرى.وتزامن النمو المتسارع مع معوقات للطاقة الإنتاجية في السنوات الأخيرة إلى ضغوط على الأسعار، ونتج عن ذلك ارتفاع في معدل التضخم. وقدر صندوق النقد الدولي معدل التضخم في الإمارات بـ 3. 9% العام الماضي، متوقعا أن ينخفض العام الحالي إلى حوالي 8%.

ضبط الإنفاق

ولفت تقرير صندوق النقد الدولي إلى أنه في حالة الإخفاق في تبطئه التضخم بشكل مؤثر في عام 2007، سيكون من الضروري العمل بشكل أكبر على ضبط الإنفاق من جانب المؤسسات العامة وشبه العامة، وذلك بهدف احتواء نمو الطلب المحلي، مشيرا إلى أن تقييد الزيادات في الإيجارات تعتبر مسألة عرضية، وستزال هذه القيود، بمجرد تحسن عرض المساكن.

بيد أن هناك عوامل أخرى مسببه للتضخم، فعلى الرغم من حيوية وأهمية التدابير النقدية والإدارية كتلك الخاصة بوضع أسقف على زيادات الإيجارات والأسعار، إلا أن البعض يري أن هذه الإجراءات لن تؤدي إلى حل مشكلة التضخم بشكل كامل، بالنظر إلى وجود مسببات أخرى للتضخم،

يبرز من بينها، ضعف الدولار الأميركي الذي يرتبط به الدرهم الإماراتي، وهو الأمر الذي قاد إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة، وذلك نتيجة لصعود الأسعار العالمية للسلع الغير نفطية كالسلع الغذائية، الأمر الذي من شأنه أن دفع الأسعار المحلية في اتجاه الصعود.

قاعدة التكاليف

وبناء على ما سبق، أعتبر التقرير الصادر عن بنك كريديه سويس أن تصاعد تكاليف العمالة إلى جانب العناصر الأخرى لقاعدة التكاليف، سيشكل مصدرا مهما لزيادات الأسعار، وتوقع التقرير أن تواصل تكاليف الإجازات تغذية التضخم،

بالنظر إلى تسارع وتيرة نمو الطلب على الوحدات السكنية خلال السنوات الأخيرة وتأخر قوي العرض في الاستجابة لهذا النمو الضخم في الطلب، ومع ذلك، ستخف حدة هذه الضغوط، مع طرح وحدات سكنية جديدة خلال الأشهر المقبلة.

وقيم تقرير بنك كريديه سويس أنه على الرغم من التأخر في تسليم بعض الوحدات السكنية عن الموعد المقرر للتسليم، إلا أن عام 2007 قد شهد دخول أعداد إضافية من الوحدات السكنية إلى السوق العقارية،

وأن العامين المقبلين سيشهدان إتاحة المزيد من الوحدات السكنية للبيع أو للإيجار، ومع ذلك، سيحول الطلب القوي على الوحدات السكنية والتجارية من جانب المواطنين الخليجيين والمقيمين من الدول الأخرى والذين ينظرون إلى الإمارات على أنها الملاذ الآمن لرأسمال، دون تهدئة أسعار الإيجارات على نحو سريع.

وتوقع تقرير بنك كريديه سويس أن يتراجع مؤشر سعر المستهلك من مستواه القياسي الذي سجله في عام 2006 والبالغ 3. 9% إلى 4. 6% في عام 2007، ثم إلى 4. 4% في عام 2008، وذلك على أساس سنوي، ومع ذلك، تظل هناك - وبحسب التقرير ـ مخاطر تعديل هذه التنبؤات في اتجاه الصعود.

وفي هذا الإطار، توقعت دراسة صادرة عن غرفة تجارة وصناعة دبي أن ينخفض التضخم تدريجيا وأن يبلغ المتوسط نحو 5% خلال الفترة 2008 و2012، ويعزى ذلك إلى ترشيد الإنفاق الحكومي وتوفير المزيد من أماكن السكن، وهما السببان الرئيسيان في الضغوط التضخمية بالاقتصاد.

كما توقعت أن يزيد الاستثمار بفضل مناخ الأعمال الجذاب في الإمارات وإستراتيجية النمو الطموحة على اعتبار أن عددا كبيرا من مشاريع الاستثمار في البنية التحتية وقطاع النفط حاليا إما تحت التنفيذ وإما تخطط له الحكومة وتنفذ مشاريع استثمارية أخرى من قبل القطاع الخاص تحديدا في مجال العقارات.

كما يتوقع أن يظل إجمالي توازن الميزانية فائضا، ويشير ذلك إلى ضبط الحكومة للإنفاق بهدف التقليل من الضغوط التضخمية في الاقتصاد ومن المتوقع خلال الفترة 2008 و2012 أن يبلغ إجمالي توازن الميزانية نحو 24 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ويتوقع أن ينخفض إجمالي توازن الميزانية بمرور الزمن.

في الوقت نفسه، من المتوقع أن يرتفع الدّين الحكومي (تدريجيا وذلك بمتوسط قدره 12 في المائة. على المدى المتوسط، يتوقع أن يستمر الحساب الجاري في وضع الفائض يدعمه أداء قوي متوقع من الصادرات غير النفطية وسوف يؤدي ذلك إلى تراكم المزيد من الأصول الأجنبية الرسمية.

خلال الفترة 2008 و2012، يتوقع أن يبلغ متوسط فائض الحساب الجاري 18 في المائة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. ويتشكل الدّين الخارجي للإمارات في الغالب من التزامات البنوك التجارية الإماراتية والمؤسسات الخاصة لدى جهات خارجية.

أخيرا، زاد بشكل واضح الاقتراض الخارجي من قبل المؤسسات والشركات المالية لتمويل الاستثمار، وقد وقدرت الدراسة أن الالتزامات الخارجية للإمارات قد تضاعفت ثلاث مرات على مدى العامين الماضيين.

وبالنسبة للفترة 2008 و2012، يتوقع أن يبلغ متوسط الدّين الخارجي للإمارات 61 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الوقت الحاضر، وأشارت إلى أنه ليست هناك دلائل تشير على تأثير سالب للدّين الخارجي المرتبط بمثل هذا الإقراض نظرا إلى أن الإمارات جهة مقرضة خالصة (الأصول الخارجية الإماراتية تغطي الالتزامات الخارجية وأكثر)، لكنها لن تحتاج إلى متابعة.

ولفتت الدراسة إلى أنه في مقابل هذه التوقعات المبشرة على المدى المتوسط، هنالك بعض المسائل التي تحتاج إلى المعالجة إذا كان لهذه التوقعات أن تستمر في المستقبل. وتتمثل هذه المسائل تحديدا في الحاجة إلى تخفيض التضخم، دور السياسة المالية في إدارة الطلب بالنظر إلى القيود على السياسة النقدية، سياسات الإمارات النقدية والخاصة بسعر الصرف في سبيل الوصول إلى الوحدة النقدية لدول مجلس التعاون الخليجي.

اعتدال الأسعار

وفي السياق ذاته، توقع تقرير صادر شركة (إف جي هيرمز) الدراسة أن تكون نسبة التضخم 6. 7 % في عام 2008، ثم تتراجع إلى 2. 7% في عام 2009. ورأت الدراسة أن ارتفاع أسعار العقارات في أبو ظبي يمكن أن يحول دون انخفاض التضخم على المدى القصير والمتوسط رغم التوقعات باعتدال الأسعار.

وعلى نفس المنوال، توقعت مؤسسة التقييم الائتماني الدولية «موديز» أن يتراجع مؤشر أسعار المستهلكين «الذي يعد بمثابة المؤشر الخاص للتضخم» في الإمارات خلال العام المقبل من 9% حاليا إلى 8. 7% وهو نفس المستوى الذي سجله خلال العام2005.

وقالت إن ارتفاع مستوى التضخم في الدولة على مدى السنوات القليلة الماضية ناتج بالدرجة الأولى عن اختناقات في موارد بعض القطاعات الاقتصادية، وتوقعت المؤسسة تراجعاً تدريجياً في مستوى التضخم بالإمارات مع زوال الضغوطات الراهنة وإيجاد الحلول اللازمة لها، وعلاوة على ذلك،

رجحت المؤسسة أن تحافظ الدولة لهذا العام أيضاً على فائض في حساباتها الجارية مع ارتفاع عائداتها من تصدير الهيدروكربونات، لافتة إلى أن الحكومة والقطاع الخاص في الدولة يملكان شبكة مهمة من الأصول الخارجية التي يندرج معظمها ضمن السندات القابلة للتسييل

دبي ـ مجدي عبيد