ترسم آفاق عام 2008 صورة بالغة الروعة عن تواصل قوة أداء الاقتصاد الوطني، وعكست التحليلات والتوقعات معالم هذه الصورة التي تبرهن على ارتقاء اقتصاد الدولة إلى مصاف الاقتصادات الصاعدة القوية، وتتزين أيضاً الأفق بعلامات ومؤشرات تدل على اكتساب النمو الاقتصادي قدراً عالياً من المناعة والصلابة في مواجهة الهزات والقلائل الاقتصادية.

وتتفق آراء المحللين على أن نجاح استراتيجية التنويع الاقتصادي قد حصن النمو الاقتصادي من التقلبات التي تشهدها أسواق النفط العالمية، بحيث صار الاقتصاد الإماراتي أقل انكشافاً للتداعيات السلبية الناجمة عن تقلبات أسعار النفط.

ومن ثم، تتزين أفق العام الجديد بتوقعات تتنبأ باعتدال وتيرة النمو الاقتصادي على نحو يلطف سخونة النمو المحموم ويكبح تصاعد قوة التضخم والنمو الزائد لمستويات السيولة، في الوقت الذي سيحصل فيه القطاع غير النفطي في الإمارات على الدعم من جراء التوسع السريع لقطاع السياحة وازدهار نشاط القطاع المالي والشحن والصناعة،

وفي المقابل، تطل توقعات أخرى تتنبأ بتواصل مسيرة النمو القوي خلال العام الجديد، وذلك بفعل توسعات القطاعات غير النفطية وارتفاع العائدات البترولية. وتظهر أفق عام 2008 أن تنافسية وديناميكية بيئة الأعمال ستجذب حجماً ضخماً من رؤوس الأموال الخاصة،

وأنه من المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه على مدى السنوات القادمة، كما ستؤدي الزيادة السريعة في الاستثمارات الخاصة والقفزة القوية في الإنفاق الحكومي إلى إعطاء قوة زخم لتواصل نمو القطاع غير النفطي.

واستقطب النمو الضخم للنشاط الاقتصادي في الإمارات اهتمام المحللين والخبراء، واسترعى انتباههم أن مصادر الانتعاش لم تعد مستمدة فحسب من العقارات والمشروعات العقارية الضخمة، بل أضحت المسألة المثيرة للاهتمام تتعلق بتطور أسواق المال وصناعة المال، وبالتالي، تجمع التوقعات على أن العام الجديد سيشكل محطة بارزة في مسيرة النمو السريع الذي شهده الاقتصاد الإماراتي منذ عام 2003،

وذلك في ضوء تحقيق القطاعات غير النفطية كالسياحة والبناء معدلات نمو من رقمين، وارتفاع متوسط دخل الفرد سنوياً إلى 38 ألف دولار، فضلاً عن شغل الاقتصاد الإماراتي الآن مكانة ثاني أكبر اقتصاد على مستوى العالم العربي بعد المملكة السعودية.

وفيما قامت إمارتا أبوظبي ودبي بإطلاق مشروعات طموحة، وهيئتا الساحة لتواصل مسيرتهما في تحقيق مستويات نمو عالية في المستقبل، نشطت الإمارات الأخرى في تبني خطط للتوسع والنمو، حيث أطلقت إمارتا رأس الخيمة وعجمان برامج ضخمة للتوسع العقاري، في حين، واصلت إمارة الشارقة تركيزها على الصناعات التحويلية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

مواصلة مسيرة الازدهار

وقيم صندوق النقد الدولي إماراتي أبوظبي ودبي بأنهما ستكفلان مواصلة الإمارات مسيرة الازدهار الاقتصادي، بفضل انتهاجهما استراتيجية تنمية موجهة إلى الخارج، وتبنيهما سياسات مالية تتميز بالحصافة، وتحقيقهما نمواً اقتصادياً مبهراً على مدى السنوات القليلة الماضية.

ولاحظ صندوق النقد أن النجاحات المتحققة قد عكست إدارة إمارة أبوظبي الماهرة للثروة النفطية للدولة، واندفاع إمارة دبي القوي على مسار التنويع الاقتصادي، مقدراً بأن إيرادات الصادرات النفطية دفعت فائض الحساب الجاري في عام 2006 إلى حوالي 36 مليار دولار بما يعادل 22% من الناتج المحلي الإجمالي، وساهمت كذلك في تحقيق الموازنة العامة فائضاً يعادل 29% من الناتج المحلي الإجمالي، وزادت كذلك الاحتياطات إلى 28 مليار دولار.

تباطؤ معدل النمو

وفي هذا الإطار، توقعت دراسة لغرفة تجارة وصناعة دبي تباطؤ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لاقتصاد الإمارات من مستواه المرتفع حالياً إلى 7% مقابل انخفاض التضخم تدريجياً إلى 5% خلال الفترة 2008 و2012 مقارنة بأكثر من 9% حالياً.

وقالت الدراسة إنه بفضل استراتيجية التنوع الاقتصادي، سوف يزداد اعتماد النمو على الأنشطة غير النفطية مثل الصناعة التحويلية، البناء والتشييد، النقل، السياحة، الخدمات المالية والخدمات التجارية، وتوقعت الدراسة أن يظل نمو الطلب المحلي الحقيقي قوياً ليعكس النمو المطرد في عدد السكان والاستهلاك الخاص والاستثمار النشط في مشاريع تحتية كبيرة.

ورصدت الدراسة تحقيق اقتصاد الإمارات نمواً مطرداً، حيث زاد متوسط النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي عن 10% في الأعوام الخمسة الأخيرة. ويعزى هذا النمو الاقتصادي المطرد إلى الاستراتيجية الاقتصادية المنفتحة على السوق العالمية وتوافر مناخ ملائم للأعمال وارتفاع أسعار النفط.

وفي السياق ذاته، توقعت مؤسسة (ف جي هيرمز) أن يحافظ اقتصاد الإمارات على نموه في عام 2008 في ظل الإنفاق الحكومي الكبير وارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية. وقدرت الدراسة أن الناتج الإجمالي المحلي سيرتفع إلى 9% في عام 2008، حيث من المتوقع أن تحفز الاستثمارات الجديدة القطاعات غير النفطية،

وأشارت إلى أن النمو الاقتصادي على المديين القصير والمتوسط سيكون قوياً جداً وان الناتج الإجمالي المحلي سينمو بنسبة 9% في عام 2008 وسيحافظ على هذا النمو حتى نهاية هذا العقد. وخلصت الدراسة إلى أن زيادة الإنفاق الحكومي ستزيد من ثقة القطاع الخاص في الاقتصاد

وان الاستثمار سيكون واقعاً مهماً للنمو الاقتصادي حتى نهاية هذا العقد وبعده حيث ستلعب أبوظبي دوراً مهماً ومتزايداً وستزيد نسب نمو الوافدين وهبوط نسبة أسعار الفائدة وزيادة ثقة المستهلكين مع النمو المطرد للاستهلاك. وأضافت أن الناتج الإجمالي المحلي للقطاع غير النفطي سينمو ما بين 9 إلى 11% في السنوات الثلاث المقبلة.

رفع التقييم الائتماني

وفي السياق ذاته، رصدت مؤسسة التقييم الائتماني الدولية «موديز» أن الاقتصاد الإماراتي نجح خلال العام 2007 في أن يعتلي موجة النمو بين اقتصاديات المنطقة، وأن يحقق معدلات نمو قوية بلغت 1. 7%، وسط توقعات متفائلة بأن يحافظ على قوة الأداء خلال العام الجديد، وأن يصل النمو في الناتج المحلي الإجمالي إلى، 2. 7% مستفيداً من التوقعات المستقبلية المستقرة للاقتصاد الوطني،

ونتيجة لهذا الأداء القوي رفعت «موديز» السقف الائتماني الممنوح للدولة من حيث الودائع المصرفية بالعملات الأجنبية من «ءف2» إلى «ءف2/ذ ـ 1»، فيما ثبتت الوكالة تصنيف الدولة من حيث إصدارات السندات عند مستوى «ءف2» مع توقعات مستقبلية مستقرة للاقتصاد والأداء الحكومي.

وقالت المؤسسة في تقرير صار عنها إن الاقتصاد الإماراتي نجح في تحقيق معدلات نمو متسارعة خلال السنوات الخمس الأخيرة، حيث قفز الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من 6. 2% خلال العام 2002 إلى 9. 11% في 2003 قبل أن يتراجع إلى 7. 9 في 2004 والى 2. 8% في 2005

ويرتفع مجدداً في العام 2006 إلى 4. 9% ليعود إلى الاستقرار عند 1. 7% في هذا العام وسط توقعات بأن يحافظ على نفس المستوى خلال 2008 في حدود 2. 7%. وقالت المؤسسة إن العامل الأساسي وراء قرارها الخاص برفع التقييم الائتماني للدولة يرجع إلى التحسن المستمر والأداء المتميز لموازنة الدولة،

إلى جانب أن أسعار النفط المرتفعة سمحت للحكومة بمواصلة حيازة كميات ضخمة من الأصول الخارجية وبمعدلات مرتفعة، الأمر الذي أسهم في تعزيز الأسس الائتمانية للحكومة. وتوقعت المؤسسة أن تتمكن الدولة من تسجيل فائض مالي ضخم هذا العام أيضاً،

كما أنه من المتوقع أن تظل نسبة الدين الحكومي إلى إجمالي الناتج المحلي في حدود 7. 11% للعام الجاري و8. 11% للعام الجديد، فيما يتوقع أن تتراجع نسبة الميزان التجاري الجاري إلى الناتج من 22% خلال 2007 إلى 9. 20% في2008 ،

وأوضحت الوكالة أن هناك دلائل على نمو اقتصادي مفرط في بعض القطاعات، إلا أن مخاطر اختلال الاقتصاد الكلي للدولة منخفضة، وأكدت أن الدولة مستمرة في تنويع مواردها الاقتصادية، الأمر الذي يسهم في تسجيل قطاعات الاقتصاد غير النفطي مستويات نمو سريعة ومرتفعة.

أجندة عمل تخاطب المستقبل

تغطي إستراتيجية الحكومة الاتحادية ستة قطاعات رئيسية يندرج تحتها العديد من القطاعات الفرعية، وتتضمن هذه القطاعات قطاع التنمية الاجتماعية ويشمل التعليم قبل الجامعي والتعليم العالي والبحث العلمي والرعاية الصحية والرعاية الاجتماعية والثقافة.

ويشمل قطاع التنمية الاقتصادية التنافسية والسياسات المالية والنقدية والتجارية وقطاع العدل والسلامة ويشمل النظام القضائي والنظام الوطني للطوارئ وقطاع تطوير القطاع الحكومي وقطاع البنية التحتية ويشمل الكهرباء والماء، البيئة، الإسكان، والطرق والمواصلات العامة وأخيراً قطاع تنمية المناطق النائية.

وتستهدف الإستراتيجية الجديدة للحكومة الاتحادية تعزيز مبدأ التنمية المستدامة والمتوازنة ورفع مستويات المعيشة وزيادة كفاءة الوزارات والجهات الحكومية، وتنشيط دور الوزارات على المستويين التنظيمي وصنع القرارات.

أجندة أبوظبي

وبدا هذا التوجه واضحا في أجندتي السياسة العامة التي أطلقتهما كل من إمارة أبو ظبي ودبي، حيث عكست أجندة السياسة العامة لسنة 2007 ـ 2008 التي أطلقتها إمارة أبوظبي خطة عمل متكاملة للمرحلة القادمة للدوائر المحلية في حكومة ابوظبي لتحقيق التنمية المستدامة، وتوفر أجندة السياسة العامة فرصة كبيرة للقطاع الخاص للعمل في قطاعات ظلت في الماضي حكراً على الحكومة

أما بالنسبة للمواطنين والمقيمين فإن الأجندة تبشر ببدء حقبة جديدة من الشفافية والمساءلة والأداء الحكومي المتميز. وتشتمل الأجندة على العناصر الرئيسية للرؤية الخاصة بإقامة اقتصاد يتميز بالانفتاح والتنوع والشفافية والتطبيقات المتطورة لقواعد الحوكمة،

كما تضمنت الأجندة الإشارة إلي أنه في الوقت الذي تولي فيه الحكومة اهتماماً كبيراً بالفرص التي يتيحها قطاعا النفط والغاز فإنها تدرك الحاجة إلى توسعة نطاق النجاح الاقتصادي للامارة وتنويعه والعمل بجد للحد من اعتماد اقتصاد ابوظبي على عمليات الاستكشاف والإنتاج في القطاعين،

ونوهت الأجندة بشأن موضوع الطاقة بأن أبوظبي تحظى بمكانة مهمة ورفيعة بين مزودي الطاقة على مستوى المجتمع الدولي وتشكل هذه المسؤولية المستمرة حجر الزاوية لسياسة الحكومة في أبو ظبي لذلك يسعى المجلس التنفيذي بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله» إلى الاستفادة من الأداء المتميز لقطاع الهيدروكربونات في الإمارة

من اجل توفير دعم اكبر لجهود التنويع الاقتصادي على مستوى قطاع الطاقة بالعمل على رفع القدرات الإنتاجية ضمن عمليات التكرير والنقل والتسويق والتوزيع والتوسع في نسبة الصادرات ذات القيمة المضافة العالية وعلى مستوى اقتصاد أبو ظبي بإحداث مزيد من التنويع عبر الدخول في صناعات جديدة بالاستناد إلى الأداء المستمر والقوي لقطاع الهيدروكربونات.

خطة دبي الإستراتيجية

وعلى نفس المنوال، ركزت خطة دبي الإستراتيجية 2007 ـ 2015 على مواطن القوة الرئيسية للإمارة، حيث تستهدف ترسيخ مكانة دبي الرائدة، والمحافظة على معدلات النمو الاقتصادي، والوصول إلى تحقيق ناتج محلي إجمالي يبلغ 108 مليارات دولار،

ورفع معدل حصة الفرد من الناتج الإجمالي المحلي إلى 44 ألف دولار في العام 2015 وتتبنى الخطة، التي تم إطلاقها تحت عنوان ( دبي.. حيث يبدأ المستقبل)، توجهاً استراتيجياً يركز على القطاعات الاقتصادية ذات القيمة المضافة العالية، والتي ساهمت كمحركات أساسية في ارتفاع معدل النمو الفعلي للناتج المحلي الإجمالي إلى 13% سنوياً منذ العام 2000،

وترمي الخطة إلى تحقيق رؤية دبي عبر تضافر جهود مختلف الجهات الحكومية وضمان وجود إطار مشترك لعمل هذه الجهات. وتركز الخطة على خمسة مجالات أساسية تتمتع بإمكانيات نمو كبيرة وتشمل التنمية الاقتصادية، التنمية الاجتماعية، البنية التحتية والأراضي والبيئة، الأمن والعدل والسلامة والتميز الحكومي.

وقد تم وضع خطط قطاعية في كل مجال من هذه المجالات بهدف صياغة مجموعة من المبادئ التي ستعتمد عليها عمليات التطوير، تستهدف خطط التنمية المحافظة على معدلات النمو الاقتصادي في دبي، التي تفوقت على مثيلاتها في بعض الاقتصاديات الناشئة مثل الهند والصين خلال السنوات الست الماضية بتسجيلها معدل نمو فعلي للناتج المحلي الإجمالي بلغ 13% سنوياً،

وتهدف الخطة تحقيق نمو سنوي لاقتصاد دبي بنسبة 11% حتى عام 2015 وارتفاع حصة الفرد بنسبة 1. 40% إلى 44 ألف دولار، وتقليص الاعتماد علي النفط ضمن من 7% في 2005 إلى 3 بالمئة بعد ثمانية أعوام.

ويبقى من المتوقع أن تنجح دبي في تحقيق أهداف الخطة الإستراتيجية قبل حلول الموعد تماما كما حدث في المرة السابقة، حيث يشار إلى أن دبي كانت قد أعلنت في عام 2000 عن خطة إستراتيجية لتحقيق أهداف محددة حتى عام 2010، بيد أنها تمكنت من تحقيق الأهداف الاقتصادية على أقل تقدير في منتصف المدة الزمنية للخطة.

دبي ـ مجدي عبيد