تبشر آفاق عام 2008 بأن يقود القطاع النفطي في الدولة مسيرة النمو الاقتصادي، وأن تعوض الارتفاعات المتوقعة في الإيرادات النفطية والناتجة عن تسجيل أسعار النفط العالمية خلال الأشهر الأخيرة من العام المنصرم مستويات قياسية اقتربت من حاجز المئة دولار للبرميل الواحد الاعتدال المرجح لوتيرة نمو القطاعات غير النفطية.

وبالتالي، يقدم العام الجديد برهانا ودليلا إضافيا على متانة أسس ومقومات استراتيجية التنويع الاقتصادي، بالنظر إلى استهدافها إرساء اقتصاد ينعم بتعدد مصادر وروافد الدخل، وتوظيف الثروة النفطية في تطوير القطاعات الاقتصادية غير النفطية، من دون الانجراف نحو إهمال ثروات الطاقة التي تشكل عصب الحياة بالنسبة للاقتصاد الإماراتي،

ومن ثم، سارت خطط وبرامج توسع القطاعين النفطي وغير النفطي على خطين متوازيين من دون تصادم أو تعارض، بل وانضمت عمليات الاستحواذ على الأصول الخارجية لتشكل الضلع الثالث الذي تنهض عليه نهضة الاقتصاد الإماراتي، بحيث صارت الإمارات في نظر الكثير من المحللين ليست مصدرة للنفط فحسب، على نحو ما هو شائع ومتداول في مختلف الأوساط، بل مصدرة كذلك لرأس المال.

وبناء على هذا التناغم والتكامل بين مختلف القطاعات الاقتصادية في الدولة، تبلور خلال العام المنصرم برنامج شامل ومتكامل لزيادة طاقة الدولة الإنتاجية من موارد النفط الخام والغاز الطبيعي والتي تشكل عصب اقتصاد الدولة أطلق عليه بعض المحللين مجازا اسم «برنامج العقد المقبل» والذي لا يقف عند حدود إطالة إعمار الآبار النفطية من خلال حمايتها من التآكل وإدارة عمليات التخطيط والتطبيقات الهندسية،

بل يمتد الأمر كذلك إلى السعي نحو زيادة الاحتياطيات من خلال عمليات التنقيب والاستكشاف، ومن ثم، تزخر أجندات عمل الشركات العاملة في قطاع النفط والغاز بالعديد من المشروعات التطويرية للحقول النفطية بغرض إطالة أمد عمرها وزيادة إنتاجيتها عن طريق توظيف أحدث تكنولوجيات التنقيب والاستخراج، فضلا عن العمل على اكتشاف حقول نفطية جديدة، من شأنها أن تسهم في زيادة الاحتياطيات النفطية.

تلبية الطلب المحلي

وشكل هذا البرنامج ـ في رأي المراقبين ـ علامة فارقة في تاريخ السياسة النفطية للدولة، من زاوية تأسيس مرحلة جديدة تختلف كليا عن سابقتها، وهو الأمر الذي أضفى عليه السمة الاستراتيجية، بالنظر إلى سعيه إلى تحقيق جملة من الأهداف،

يبرز من بينها الحفاظ على مكانة الإمارات كدولة منتجة رئيسية للنفط والغاز والحفاظ على حصتها السوقية في ظل التغيرات الماثلة والكامنة على صعيدي الطلب والإمداد العالميين، وتلبية احتياجات الطلب المحلي المتصاعد على موارد الطاقة.

ومن ثم، يؤكد برنامج «العقد المقبل» أن القطاع النفطي سيظل يشغل مكانة القلب بالنسبة لهيكل الاقتصاد الإماراتي، حيث أنه يعد المصدر الرئيسي للنمو الاقتصادي، بالنظر إلى إسهام العوائد الهيدروكربونية بحوالي 35% من الناتج المحلي الإجمالي وبنحو 80% من إجمالي عوائد الدولة و90% من إجمالي حصيلة الصادرات، ومع صعود أسعار النفط إلى مستويات قياسية،

وبروز توقعات بأن هذه الأسعار ستحافظ على قوتها قوية لبعض الوقت في المستقبل، في ضوء تراجع إنتاجية الدول خارج أوبك، واستمرار تعطش أسواق النفط العالمية، يطل القطاع الهيدروكربوني في الدولة بوصفه حجر الزاوية في المضي قدما نحو إنجاز أهداف استراتيجية التنويع الاقتصادي.

واعتبر بعض المحللين أن هذا البرنامج قد جاء في الوقت المناسب، من زاوية توافقه مع اتجاه عدد من دول أوبك لزيادة طاقتها الإنتاجية، حيث أعلنت المملكة العربية السعودية تخطيطها لزيادة طاقتها الإنتاجية إلى 5. 12 مليون برميل يوميا بحلول عام 2009، وعلى المنوال ذاته، حددت الكويت هدفا لزيادة طاقتها الإنتاجية إلى 2. 3 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2010،

وبالتالي، جاء توجه السياسة النفطية للدولة نحو زيادة الطاقة الإنتاجية منسجما مع الاتجاه السائد لدى الدول المصدرة للنفط، وجاء في التوقيت ذاته معبرا عن حرص الدولة على الحفاظ على مكانتها كرابع أكبر دولة منتجة للنفط داخل أوبك.

وما يميز هذا البرنامج عن البرامج الأخرى المماثلة في الدولة المجاورة أنه يستند في تنفيذه على علاقات المشاركة بين شركة أدنوك ومجموعة الشركات التابعة لها وشركات النفط الدولية، وذلك بالنظر إلى تبني الدولة معادلة ناجحة للموازنة بين الشركات الوطنية والعالمية بما يحقق المصالح الوطنية العليا في تطوير الحقول والاحتياطيات النفطية،

وبما يؤكد النهج القوي الذي تنتهجه الدولة في تواصل انفتاحها على العالم، وبحيث أصبحت الآن محط الأنظار كدولة تحظى بالاحترام والتقدير، وقد أكسبت هذه المعادلة الدولة وضعا متميزا بين الدول الأعضاء الأخرى في منظمة الدول المصدرة للنفط، بحيث أضحت الدولة الوحيدة من بين هذه الدول التي تنسج علاقات مشاركة مع الشركات العالمية تنهض على أساس التقاسم في الإنتاج.

عمليات الاستحواذ

وعلى أرضية الازدهار المتوقع في العوائد النفطية، تؤشر توقعات المحللين والمراقبين الى أن العام الجديد سيشهد انتعاشا أكبر في عمليات الاستحواذ على أصول خارجية، وهو ما سوف يكسب استراتيجية التنويع الاقتصادي بعدا خارجيا، بأن تشتمل على مصدر ورافد آخر إضافي للدخل ممثلا في العوائد المتحققة من الأصول الخارجية جنبا إلى جنب مع الروافد الأخرى للدخل والمستمدة من القطاعات الاقتصادية الأخرى في الدولة،

ويبرهن مثل هذا الأمر على حصافة وعقلانية الدولة في توظيف عائداتها النفطية، وقد خلص صندوق النقد الدولي إلى مثل هذا الاستنتاج في تقرير صادر عنه مؤخرا، كما كان أحد التفسيرات التي أوردتها مؤسسة موديز انفستورز سيرفيس لرفع تقييماتها السيادية للدول الخليجية الست في أكتوبر الماضي والذي تضمن رفع التقييم الطويل الأجل للسندات الحكومية بالعملة الأجنبية لدولة الإمارات من إيه 1 إلى إيه 3.

ولقد شهدت الإمارات خلال السنتين الماضيتين ظهور جيل جديد من الشركات الكبيرة التي تمكنت من اختراق الأسواق العالمية للاستحواذ على شركات أجنبية كبرى بدعم من مستثمرين إماراتيين بشكل أساسي، وباتت تنافس كبريات الشركات النفطية العالمية، وأصبحت هذه الشركات مثل «آبار» و«طاقة» و«دانة غاز» و«رأس الخيمة للبترول» ذات قدرة عالية على المنافسة العالمية،

وعمدت هذه الشركات، بما استطاعت تأمينه من سيولة من خلال الإصدار الأولي لأسهمها، إلى إنفاق قسم من رؤوس أموالها لتنفيذ جملة من عمليات الاستحواذ على أصول، ويتضح من كل هذه الأمثلة، الطموح الكبير الذي يميز استراتيجيات الشركات الإماراتية لاختراق الأسواق العالمية للطاقة من خلال سياسة الاستحواذ والمشاركة في الصفقات الكبرى.

وهي تتخذ من توفر الاستثمارات الخارجية صمام أمان ضد التقلبات الاقتصادية الإقليمية والعالمية، حيث تمكنت العديد من الشركات في الدولة من الاستحواذ على حصص في الشركات العالمية، كما نشطت هذه الشركات في أسواق السندات والعقارات،

وبالتالي، تمتعت الإمارات بمركز أصول خارجي ضخم ومتنام، حيث أفاد مصرف الإمارات المركزي بأن الإمارات سجلت صافي أصول أجنبية قيمتها 8. 166 مليار دولار بحلول نهاية عام 2005، فيما قفز فائض الحساب الجاري ليصل إلى 25% من الناتج المحلي الإجمالي، وأنه من المتوقع أن ينمو هذا الفائض ليبلغ 28% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2006،

ولا تأخذ هذه الأرقام في حسبانها أنشطة هيئة أبوظبي للاستثمار التي عملت منذ ثلاثين عاما كصندوق ادخار لصالح الأجيال المقبلة في الإمارة، ووفقا لتقديرات بنك ستاندارد تشارترد فإن هيئة أبوظبي للاستثمار تستثمر عوائد أبوظبي من النفط وتدير محفظة تتراوح قيمتها بين 450 مليار دولار وخمسمئة مليار.

استثمارات في قطاع الغاز

وفي سياق توقعات المحللين حول ما يحمله أفق العام الجديد على صعيد الأجندة النفطية في الإمارات، يقدر البعض بأن تلبية الطلب المحلي من موارد الطاقة ستتصدر أولويات هذه الأجندة، حيث يمثل تلبية الطلب المتصاعد على الغاز الطبيعي في رأي يوسف عمير بن يوسف الأمين العام للمجلس الأعلى للبترول الرئيس التنفيذي لشركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» مشكلة غير قاصرة على دولة الإمارات ولكنها قضية عالمية.

وتشير التقديرات التي أعلنتها شركة أبوظبي لصناعات الغاز المحدودة (جاسكو) خلال مؤتمر جاستك 2006 إلى أنه من المتوقع أن يصعد طلب قطاعات الإنتاج النفطي والصناعات ومرافق المياه والكهرباء على الغاز الطبيعي الحلو في إمارة أبوظبي بنسبة 20% سنويا،

ويضاف إلى هذا الرقم، معدل النمو السنوي للطلب على الطاقة الكهربائية في إمارة دبي والذي يبلغ 15%، إلى جانب معدل النمو المتصاعد لطلب مولدات الطاقة الكهربائية ومحطات تحلية المياه والصناعات في الإمارات الشمالية.

وأشارت تقديرات وكالة الطاقة الدولية ومقرها باريس أنه من المتوقع خلال العقود القادمة أن يصعد الطلب على المصادر الرئيسية للطاقة في الإمارات والذي وصل عام 2003 إلى 39 مليون طن من الوقود المكافئ للنفط، بنسبة 9. 2% ليصل إلى 84 مليون طن من الوقود المكافئ للنفط بحلول عام 2030، أي ما يعادل ضعف المستويات،

كما أنه من المتوقع أن يزداد توليد الطاقة الكهربائية من 53 تيراوات ـ ساعة في عام 2004 إلى 128 تيراوات ـ ساعة بحلول 2030، وهو ما يتطلب توليد طاقة كهربائية جديدة مقدارها 31 غيغاوات خلال الفترة 2004 ـ 2030، وقدرت التوقعات بأن حوالي ثلاثة أخماس الطاقة الكهربائية التي سيتم توليدها ستتجه إلى المحطات الجديدة لتوليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه.

وأفادت وكالة الطاقة الدولية في سياق توقعاتها بأنه من المحتمل أن تعمل المحطات الجديدة من خلال احتراق الغاز، وبالتالي ستكون الدولة بحاجة إلى استثمار 35 مليار دولار خلال الفترة من 2004 إلى 2030 في مشروعات البنية التحتية لقطاع الكهرباء، وذلك لأجل تلبية احتياجات النمو الاقتصادي.

وتمتلك الإمارات احتياطيات من الغاز تبلغ (1. 6) تريليونات متر مكعب حالياً وهذا يضعها في المرتبة الخامسة على المستوى العالمي بعد روسيا وإيران وقطر والمملكة العربية السعودية، وترتكز سياسة الدولة الخاصة بصناعة الغاز على تطوير مصادر الغاز

مع إعطاء الأولوية لاستخدامه بكثافة في الاحتياجات المحلية الخاصة بتوليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه. كما تم التخطيط لاستخدامه في تشغيل المصانع والتوسعات الجديدة فيها والمشاريع البتروكيماوية وإعادة حقنه في الحقول النفطية لتحفيز عملية الإنتاج

دبي ـ «البيان»