إتسم عام 2007 بحراك قوي في ملف الطاقة وأسهمت الجغرافيا السياسية كثيراً في تحديد مسارات أسواق النفط خلال العام. وأصبح أمن الطاقة يشكل الملف الأبرز بالنسبة للدول الكبرى، الأمر الذي جعل من مناطق الإنتاج الجديدة في افريقيا وغيرها من قارات العالم ساحة تنافس محمومة بين الولايات المتحدة الأميركية والصين وأوروبا.

وبات من المؤكد أن واشنطن وغيرها من عواصم الاستهلاك النفطي لم تعد تتجاهل تهديدات وتحذيرات مناطق وقرى نائية لم يكن لها صوت من قبل مثل قرية «ود المنسي» السودانية و«دلتا النيجر» النيجيرية ومناطق إنتاج في فنزويلا وبعض دول أميركا اللاتينية الأخرى، فقد تحولت هذه المناطق إلى قوى مؤثرة في صناعة قرارات الأسواق. ورأينا كيف أن مسار تداولات «نايمكس» ولندن وسنغافورة تغير فجأة في بعض الأيام لمجرد حادث سياسي صغر أو كبر حجمه في أي منطقة من العالم مهما كان وزنها.

وكسرت أسعار النفط عند إغلاق تداولات الأسبوع الأخير من 2007 حاجز ال97 دولارا للبرميل مدعومة بضعف الدولار وهبوط مخزونات الخام الأميركية والتوترات السياسية بعد اغتيال زعيمة المعارضة الباكستانية بينازير بوتو والتوترات في شمال العراق، قبل أن تتراجع قليلاً لتستقر عند 3. 96 دولاراً. وساعد آخر تقرير للمخزون الأميركي في 2007 يظهر هبوطا أكبر من المتوقع في مخزونات النفط والمشتقات الوسيطة أسعار النفط على تعزيز مكاسبها.

ويجوز لنا أن نطلق على عام 2007 عام «الهيمنة النفطية» بلا منازع، حيث سيطرت عملية ارتفاع أسعار النفط على الهم الاقتصادي العالمي، وأظهرت مدى أهمية عنصر الطاقة في تشكيل العلاقات الدولية. وارتفعت أسعار النفط أكثر من 45% منذ مطلع العام كما تعدى برنت وهو خام القياس الأوروبي التسعين دولاراً للمرة الأولى، ودار متوسط سعر سلة منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، والتي تشمل خامات 11 دولة حول مستوى السبعين دولاراً.

وبعد أن اعتقد الخبراء أن النفط قد بلغ ذروته بعيد الأعاصير القوية التي ضربت السواحل الأميركية في أغسطس من عام 2006 حيث سجل 78 دولاراً وقتها قبل أن يتراجع قليلاً ويتحرك في نطاق ضيق، تداخلت عوامل عديدة خلال النصف الثاني من 2007 لتدفع الأسعار نحو مستوياته الحالية المرتفعة، وبرز العامل الجيوسياسي بقوة.

إضافة إلى عاملي ضعف الدولار الأميركي والمضاربات التي نجمت عن تضخم الثروات في بعض المناطق وعززها أكثر اعتبار أسواق الطاقة ملاذاً آمناً تفوق على كل الأوعية الاستثمارية بما فيها الذهب الذي تعرض لنكسات كبيرة قبل أن يعاود الارتفاع مرة أخرى متأثراً بالتباينات الكبيرة التي سادت أسعار الصرف العالمية.

والملاحظ أن أسواق النفط ابتعدت خلال العام عن التأثر المباشر بالعوامل التقليدية والتي يتمثل أهما في ميزان العرض والطلب، ولم تكن لمسألة توقف الإنتاج أو ارتفاع الطلب العالمي في بعض المراحل تأثيراً يذكر على تحركات الأسعار كما كان يحدث في السابق.

وبالمقارنة مع الفترات الزمنية التي شهدت ارتفاعاً ظاهراً في الأسعار وإن لم يكن بنفس المستوى الحالي، والتي كانت أبرزها الفترة التي أعقبت حرب 1973 والتوترات الخليجية خلال ثمانينات القرن الماضي والعقد الأخير منه، إضافة إلى مرحلة التدخل الأميركي في العراق، نجد أن مستويات المعروض لم تكن ذات تأثير مباشر على تداولات الأسواق.

ويتضح هذا بشكل جلي من خلال مجموعة من المؤشرات مثل تزامن ذروة الأسعار الحالية مع تراجع الطلب في الصين وغيرها من البلدان الاستهلاكية الكبرى، وزيادة معروض المنتجين من بلدان أوبك وخارجها، حيث شهدت الفترة الأخيرة دخول العديد من المنتجين الجدد في قارتي افريقيا وآسيا.

كما زادت الطاقة الإنتاجية في العديد من بلدان أوبك بفضل الاستثمارات الجديدة حيث رفعت السعودية إنتاجها إلى أكثر من 9 ملايين برميل يومياً، كما زادت أيضاً دول مثل فنزويلا وليبيا والجزائر وغيرها إنتاجها بعد دخول حقول جديدة. وضخت بلدان أوبك مجتمعة ما متوسطه 31 مليون برميل يومياً، أي ما يشكل أكثر من ثلث الاستهلاك العالمي الذي يدور حول 80 مليون برميل يومياً.

وكانت المخاوف الأمنية حاضرة بقوة ضمن العناصر الرئيسية المؤثرة على تحديد حركة الأسواق. واستجابت الأسواق لأحداث في العديد من أنحاء العالم كان آخرها حادثة اغتيال الزعيمة الباكستانية بنازير بوتو وقبلها التوترات على الجبهة اللبنانية إضافة إلى حركة الحشود التركية في المناطق الكردية بشمال العراق.

وشكلت الإمدادات الإيرانية هاجساً أمام الأسواق والدول المستهلكة على السواء، ويتوقع محللون أن يؤدي أي تصعيد جديد في التوتر القائم بين طهران والغرب إلى توقف جزء كبير من صادرات إيران النفطية. كما تقول طهران إن العقبات التي تضعها الولايات المتحدة أمام الاستثمارات النفطية قد تؤدي إلى نقص كبير في إنتاجها.

وفي هذا الإطار قال الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز إن أسعار النفط ستصل إلى 200 دولار للبرميل إذا شنت الولايات المتحدة هجوما على إيران. وفي نيجريا تواصلت موجة العنف في منطقة دلتا النيجر الغنية بالنفط والتي تشكل مصدراً لمعظم صادرات نيجريا ثامن أكبر مصدر للنفط في العالم. وأدت الهجمات المتكررة إلى توقف عمليات الشركات الكبرى هنالك مراراً.

وأربك التراجع الكبير في سعر صرف الدولار الأميركي أسواق النفط العالمية بشكل غير مسبوق، فمعظم البلدان المنتجة للنفط تسعر صادراتها بالدولار الأمر الذي أدخل من جديد مقياس التضخم في الأسعار وأعاد للأذهان حالة العقود الماضية التي عاشت فيها العملة الأميركية أفضل حالاتها.

وتقول العديد من البلدان المنتجة إن عائداتها تأثرت سلباً بتراجع الدولار، ما دفعها للتفكير إلى التحول نحو سلة من العملات الأخرى لتفادي أية آثار سلبية تنجم عن بيع منتجاتها النفطية بالعملة الأميركية.

ودخلت أيضاً أزمة الرهن التي اجتاحت قطاع العقار الأميركي كأحد أبرز المؤثرات على حركة تداولات واستهلاك النفط، وقالت وكالة الطاقة الدولية إن مشاكل أسواق الائتمان العالمية زادت احتمال تراجع نمو الطلب العالمي على النفط، كما قلصت توقعات النمو في الكثير من المناطق المستهلكة وأثرت بالتالي بشكل مباشر على الطلب.

وخفضت الوكالة التي تقدم المشورة إلى 26 بلدا صناعيا مستهلكا للنفط توقعاتها لنمو الطلب في الربع الأخير من العام بواقع 570 ألف برميل يوميا وبمقدار 180 ألف برميل يوميا أخرى في الربع الأول من العام المقبل. وقالت الوكالة في آخر تقرير شهري لها عن سوق النفط إن الطلب على النفط في الولايات المتحدة أكبر مستهلك للخام في العالم يقل 4. 0% عنه قبل عام. كما تراجعت واردات الصين ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم إلى أدنى مستوياتها في عشرة أشهر في أكتوبر.

وقدرت الوكالة أن يبلغ الاستهلاك العالمي للنفط في المتوسط 5. 87 مليون برميل يوميا خلال العام، مشيرة إلى أن تلك التقديرات تقوم على أساس بيانات تشير إلى أن نمو الاقتصاد العالمي سيبلغ في المتوسط نحو 5. 3% مقابل 3. 2% للولايات المتحدة الأميركية المستهلك الأكبر للطاقة في العالم.

وحاولت البلدان المستهلكة تحميل أوبك مسؤولية رفع الأسعار من خلال مطالبتها بزيادة المعروض، لكن الأخيرة نفت عن نفسها المسؤولية وقالت على لسان مسؤولين فيها إنها تضخ بمستويات عادية، وأن خلل الأسواق ناتج عن عوامل خارج إرادتها وأكدت مراراً أن الأسواق خرجت عن سيطرتها وأصبحت رهينة للمضاربات والعوامل السياسية والجغرافية.

وأشارت المنظمة في أكثر من تصريح إلى أن أسواق النفط فيها ما يكفي من المعروض. وكانت أوبك التي تسيطر على أكثر من ثلث إمدادات النفط العالمية زادت إنتاجها للمرة الثانية خلال العام بمقدار 500 ألف برميل يوميا بدءا من أول نوفمبر، لكن المتعاملين يخشون ألا تكفي هذه الكمية للحيلولة دون انخفاض المخزون بشدة عندما يرتفع الاستهلاك في العالم الغربي خلال فصل الشتاء.

وكان من أبرز أحداث العام انعقاد القمة الثالثة في تاريخ أوبك بالعاصمة السعودية الرياض.وتزامنت القمة مع مرحلة حساسة في أسواق الطاقة التي تشهد ارتفاعاً غير مسبوق، الأمر الذي أدى إلى تبادل الاتهامات بين معسكري المنتجين والمستهلكين بشأن الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى اشتعال أسعار النفط.

وكانت القمة هي الثالثة من نوعها منذ تأسيسها في 1960، حيث عقدت قمتان رئاسيتان، الأولى في الجزائر عام 1975، والثانية في كراكاس عام 2000. وبعثت القمة برسالة واضحة للمستهلكين مفادها أن زمن الضغوط قد ولى وانه لا بد من الحوار المباشر بين المنتجين والمستهلكين وأن يقوم كل طرف بدوره من أجل خلق توازن في الأسواق. وشهدت القمة عودة الأكوادور بعد قطيعة استمرت 12 عاماً إضافة إلى دخول عضو جديد وهو أنغولا.

حضور قوي لعوامل الارتفاع

يقول محللون إن أسعار النفط وبسبب الظروف الحالية المحيطة بالاقتصاد العالمي باتت مشدودة نحو أفق ال100 دولار. وأجج تصاعد التوترات الجيو ـ سياسية الناجم عن اغتيال بنازير بوتو أسعار النفط التي بلغت الخميس مستواها القياسي منذ شهر وارتفعت بخمسة دولارات خلال أسبوع. وعلى الرغم من أن باكستان ليست بلدا منتجا للنفط غير أنها تقع في منطقة بالغة الأهمية من الناحية الاستراتيجية.

وبالإضافة إلى حريق في أنبوب نفط في نيجيريا اكبر مصدر للنفط في افريقيا، فإن انخفاض المخزون الأميركي من النفط يظهر «مستوى مهما من الاستهلاك النفطي» في الولايات المتحدة، بحسب بيرين في الوقت الذي أسهمت فيه مخاوف من تباطؤ كبير في ما وراء الأطلسي في تراجع أسعار النفط في الأسابيع الأخيرة.

ويؤثر العامل الجيو ـ سياسي على أسواق المواد الأولية مع تواتر التدخلات العسكرية التركية ضد متمردي حزب العمال الكردستاني في شمال العراق البلد الذي يملك رابع احتياطي عالمي من النفط. ووفقاً لخبراء فقد بات من الصعب مع اقتراب الأسعار مرارا من هذه العتبة الرمزية ألا تبلغها، لأن برميل النفط سبق وان اقترب من المئة دولار في بداية ديسمبر من هذا المستوى البالغ الرمزية.

تحديات رفع الطاقة الإنتاجية

اعتبر خبراء أن التحديات التي تواجه التوسع في طاقة الإنتاج لدول أوبك وغيرها من البلدان المنتجة الأخرى تكمن في استقرار أسواق النفط حول أسعار عادلة وتعاون الأطراف المنتجة والمستهلكة لتحقيق هذا الأمر إلى جانب استتباب الأمن والاستقرار في بعض مناطق الإنتاج.

وتوفر دقة التقديرات حول النمو في الطلب على النفط والأثر الذي تتركه سياسات الدول المستهلكة على ذلك من خلال إجراءاتها للحد من استهلاك النفط والاتجاه نحو البدائل وأن الحوار بين الأطراف الأساسية في السوق النفطية يفتح المجال لإقامة تفاهم مشترك على قاعدة تبادل المنافع في المدى الطويل ضمن شراكة يمتلك فيها المنتجون النفط الخام ويمتلك المستهلكون الأسواق وتمتلك الشركات التكنولوجيا ورؤوس الأموال.

البلدان المستهلكة توسع طاقاتها والطلب العالمي يرتفع

تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الطلب سيرتفع بمعدل 2. 2 مليون برميل يومياً العام المقبل. والمعروف أن الطلب على الطاقة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستوى النشاط الاقتصادي ومعدلات نموه. لكن في الجانب الآخر تحاول البلدان المستهلكة الكبرى زيادة طاقاتها الإنتاجية. وفي هذا الإطار قالت الصين إنها تتوقع رفع إنتاجها بمعدل 5. 1% خلال الفترة المقبلة.

ومن المتوقع أن يقفز إنتاج الصين من 186 مليون طن في 2007 إلى 189 مليون طن في 2008. ويقول مسؤولون صينيون إن الاعتماد على النفط المستورد سيكون في حدود 47% فقط العام المقبل. وفي وقت سابق حاولت الصين بكل ما لديها من جهد ان تحافظ على وارداتها النفطية السنوية دون 60% من إجمالي النفط المستهلك بحلول عام 2020. ويتوقع أن يصل الطلب على النفط إلى 450 حتى 600 مليون طن في الصين مع حلول عام 2020.

وتقدر دراسة حديثة أجرتها أوبك نمو الطلب العالمي على النفط خلال الفترة 1997 ـ 2020 بنحو 03. 1% سنوياً في المتوسط وبذلك يبلغ تقديرها لهذا الطلب نحو 99 مليون برميل يومياً بحلول عام 2020. ومن جانبها تقول وكالة الطاقة الدولية ان النمو في حجم الطلب العالمي على النفط سوف يتسارع كلما اقتربنا من عام 2010 وتقدر حجم الارتفاع في كل سنة بين عامي 2005 و 2010 بمعدل سنوي يبلغ 9. 1 مليون برميل سنوياً.

أما تقرير وزارة الطاقة الأميركية فقد قدر الطلب العالمي على النفط بنحو 117 مليون برميل يومياً في عام 2020 مقارنة بـ 77 مليون برميل يومياً في الوقت الحالي. وفي ذات الإطار تتوقع نشرة «وورلد أوت لوك» الباريسية ان يرتفع الطلب العالمي على النفط بنحو الثلثين خلال الأعوام المقبلة على الرغم من توقعات تراجع معدلات النمو الاقتصادي العالمي في حالة عدم مجاراة الاكتشافات النفطية لمعدلات الاستهلاك المتزايدة .

وقالت دراسة صادرة عن مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية ان منطقة الخليج العربي تمثل مركز الثقل النفطي العالمي، حيث تنتج نحو 15 مليون برميل في اليوم من إجمالي الإنتاج العالمي البالغ 70 مليون برميل في اليوم بنسبة 4. 21% وتوقعت أن يشهد حجم الاحتياطي الخليجي تزايداً مستمراً ليصل إلي 700 مليار برميل عام 2020 أي ما نسبته 66% من إجمالي الاحتياطي العالمي.

وتؤكد الدراسة أن معدل النضوب في الحقول الأميركية وبحر الشمال وغيرها يتراوح بين 3. 4 و 6. 9% من قدرتها الإنتاجية مما يشير إلى أن العالم سيعتمد على دول النفط العربي لتلبية ما لا يقل عن 66% من وارداته من النفط بحلول عام 2025.

وتوقعت الدراسة أن يصل حجم الإنتاج اليومي في الولايات المتحدة عام 2010 إلى 5. 1 مليون برميل يومياً وترتفع الواردات النفطية إلى 16 مليون برميل يومياً. أما الاحتياطي النفطي الأميركي فقد تراجع من 60 ملياراً عام 1973 إلى أقل من 5 مليارات برميل ويتوقع أن يصل إلى خمسة مليارات فقط عام 2010.

دبي ـ كمال عبدالرحمن