جاء نبأ ولادة السوق الخليجية المشتركة « بعد مخاض عسير». النبأ زفه قادة دول مجلس التعاون الخليجي لشعوب بلدانهم في القمة الخليجية التي عقدت مؤخرا في العاصمة القطرية الدوحة حيث شدد قادة البلدان الخليجية على ضرورة تعميق المواطنة ودعوا إلى تحقيق المساواة التامة في المعاملة بين مواطني دول المجلس في ممارسة المهن والحرف والأنشطة الاقتصادية والاستثمارية.
ولا يختلف اثنان على أن ذلك الإعلان يعكس وجود رغبة حقيقية لدى قادة البلدان الخليجية في تحقيق وحدة خليجية متكاملة تفضي إلى ولادة عملة خليجية موحدة خاصة أن البلدان الخليجية تتداخل وتتشابك مصالحها بشكل يجعل من الصعب وربما من المستحيل فصل تلك المصالح عن بعضها البعض ناهيك عن رباط الدم والدين والعادات والتقاليد والأهداف والمصير المشترك.
ولكن ماذا سيعني تأسيس سوق خليجية مشتركة بالنسبة للمواطن الخليجي العادي وللمستثمر الخليجي بشكل عام وكيف سينعكس هذا التأسيس على أسواق المال والعقار وعلى قطاعات أخرى كالسياحة والخدمات والصناعة والنفط في المنطقة الخليجية، والسؤال الأهم هو كيف ستتأثر التجارة الخليجية البينية بذلك السوق خاصة أن القوانين والتشريعات التجارية في البلدان الخليجية مازالت غير موحدة ناهيك عن تفاوت الأنظمة المالية الخليجية في دول المجلس فمنها الحر والمفتوح ومنها المنغلق والمتحفظ.
وسنناقش من خلال هذا التحقيق إن كان تأسيس هذا السوق سيدعم ما يعرف بالمواطنة المالية في الدول الخليجية أيضا سنقف في تحقيقنا عند سؤال مهم للغاية وهو: إلى أي مدى سيساهم تأسيس السوق الخليجية المشتركة في الإسراع في توقيع العديد من الاتفاقيات التجارية الدولية العالقة بين دول المجلس وتكتلات اقتصادية أخرى على غرار اتفاقية التجارة الحرة لدول المجلس مع الإتحاد الأوروبي والتي مازالت تسير في طريق متعثر لأكثر من 16 عاما.
وفيما وقعت دول خليجية اتفاقية مماثلة مع الولايات المتحدة لا تزال دول خليجية أخرى تطمح في هذا التوقيع. «البيان الاقتصادي» يفتح ملف «السوق الخليجية المشتركة» ومستقبل المنطقة الخليجية مع ولادة السوق. قال عبدالله صالح رئيس مجلس إدارة بنك دبي الوطني إن تأسيس السوق الخليجية المشتركة سيؤدي لتعزيز قطاع التجارة وبالتالي مضاعفة ما يجنيه مواطنو دول المجلس من تزايد حجم التجارة البينية.
ويرى عبدالله صالح إن من ثمار تلك السوق أن مواطني دول المجلس سيعاملون ضمن الدول الأعضاء على قدم المساواة من ناحية ملكية العقارات، وملكية الأسهم والمنازل والمشاريع التجارية والسفر والاستخدام والتأمين الاجتماعي، وممارسة مختلف الأنشطة الاقتصادية والتجارية والخدماتية، وكذلك من ناحية الضرائب وتأسيس المشاريع التعليمية والخدماتية والاجتماعية والصحية. ويؤكد عبالله صالح على أن الاحتياطيات الضخمة من النفط والغاز لدول الخليج قد أتاحت لتلك الدول أن تصبح لاعباً أساسياً في سوق الطاقة الدولي.
لكن إسهامها في التجارة العالمية وثقلها الاقتصادي ما زالا صغيرين كما يرى عبدالله صالح والذي توقع أنه عندما يتم التوحيد الاقتصادي، فسينتج عنه كيان جديد يستحوذ على 5. 1% من الناتج المحلي الإجمالي للعالم وستكون حصته من الصادرات العالمية أكثر من 3%. لكننا لو أخذنا باعتبارنا صغر حجم سوق الخليج، فسيكون من غير الإنصاف مقارنته بالسوق الأوروبية. كما أن التجانس القائم بين دول الخليج بعيد عن التنوع الذي واجهته الدول الأعضاء في السوق الأوروبية لدى تأسيسه.
والسوق المشتركة سوف تستفيد من النمو القوي في الطلب الداخلي على البضائع والخدمات. كما أن مجلس التعاون الخليجي يمتلك إحدى أكثر القواعد الاستهلاكية حيوية على مستوى العالم بسبب العاملين السكاني والاقتصادي. وحجم وقيمة السوق الخليجية الموحدة سينموان بصورة جوهرية بحيث تصبح السوق كتلة تجارية كبرى وفعالة تتمتع بأرجحية سوقية عند التفاوض مع الآخرين حول اتفاقيات تجارة حرة مستقبلاً.
وأضاف أنه سيتاح لمنتجي البضائع والخدمات الوصول بدون عوائق لقاعدة أوسع من المستهلكين ضمن السوق، كما أن الشركات ذات الكفاءة ستستفيد من ازدياد أحجام وفورات الحجم وارتفاع مستوى التنافس وانخفاض التكاليف، وهو ما سيقود لأرباح أكبر. أما المستهلكون فسوف يستفيدون من قيام السوق الخليجية المشتركة عبر حصولهم على منتجات وخدمات أرفع مستوى وأقل ثمناً، مع ازدياد الخيارات بالنظر للبيئة التنافسية.
وبصورة عامة، سوف تسعى مختلف الأعمال لابتكار منتجات جديدة بسبب التنافس، من ناحية أخرى، قد تضطر المؤسسات التي كانت تحظى سابقاً بالحماية والدعم الحكوميين إلى العمل بجهد أكبر أمام الشركات المماثلة الأكثر كفاءة حتى ضمن حدود البلد الواحد. وسيكون على المؤسسات التي تفتقر للكفاءة أن تتحمل نتائج ذلك ، وهو ما قد يترك أثراً على عمليات الاستخدام.
فالسوق الواحدة تتميز بطبيعة تنافسية للغاية، وذلك سيجعل من الصعب للغاية على الشركات ذات الطبيعة الاحتكارية مواصلة عملها، كما أن التجارة الحرة للمنتجات الزراعية والصناعية وللموارد الطبيعية ضمن الدول الأعضاء في المجلس ستؤدي مستقبلاً لتنسيق التنمية الاقتصادية في مجلس التعاون الخليجي.
ومن المحتمل أن يحل الإنتاج المحلي محل البضائع المستوردة بسبب وحدة الرسوم الجمركية والأسواق الأوسع وبدء عملية وفورات الحجم (السعودية مثل كلاسيكي على ذلك)، كما قد يقود مستقبلاً إلى صادرات ذات قدرة تنافسية أيضاً. والانتقال الحر وغير المقيد لرأس المال سيتيح للسوق توفير جاذبية أكبر للمستثمرين الأجانب ويسرّع عمليات الإصلاح الاقتصادي في المنطقة بهدف التنويع والابتعاد بالاقتصاد أكثر فأكثر عن الاعتماد على العوائد النفطية.
وما من شك أن التأثير التراكمي لتلك التغييرات الجذرية سيساعد الدول الأعضاء على التقليل التدريجي من اعتمادها على النفط ويتيح لها الاندماج الكامل في الاقتصاد العالمي. ويعتقد عبدالله صالح بأن السوق الخليجية المشتركة سوف يعين الدول على الاستفادة من قيام سوق أكبر حجماً عبر ترسيخ اقتصاداتها وبالتالي الوصول بها إلى وفورات الحجم وتخفيض النفقات الإنتاجية.
ويعتقد عبدالله صالح بأن التحرر الشامل لمكونات الإنتاج والموارد والبنية التحتية والعمل والسوق الداخلي الموسع يمكن له أن يقود الأسعار نحو التراجع بسبب الوصول إلى وفورات الحجم ويؤدي كذلك لتحسين النوعية وزيادة الوفرة، وبحيث يتمكن مستقبلاً من التنافس في أسواق دولية أكبر.
ويرجح أن يجلب سوق المال المشتركة عدة فوائد، أولها الحجم الذي سيكون أكبر بكثير، ثم الكفاءة المحسّنة في استغلال رؤوس الأموال، التكاليف الأدنى للمعاملات، الشفافية في التسعير والتنافسية المتزايدة، وجميعها ستعزز من كفاءة السوق. ويرى عبدالله صالح بأن السوق المشتركة ذي العملة الموحدة سيقود إلى تخفيض تكاليف تحويلات العملات، ويقضي على المخاطر المرتبطة بأسعار العملات، ويحسن من شفافية التسعير، وبالتالي يؤدي لازدياد التنافس مما ينعش التجارة والاستثمار والنمو.
كما سيوفر السوق للدول الأعضاء قدرة أكبر على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية إلى المنطقة. فمع تطور مناخ الاستثمار ليصبح أكثر حيوية، ومع تحسن الاتصالات بين الدول الأعضاء، سيؤدي ذلك لتعاون أوسع، وستنمو حوافز الأعمال والاستثمارات، وسيختار المزيد من رؤوس الأموال البقاء في الدول الأعضاء.
وبالنظر إلى أن 40% من موارد الطاقة العالمية تتركز في المنطقة، ينبغي إعادة تدوير السيولة الفائضة والعمل على زيادة تنويع الأنشطة الاقتصادية وتقليص الاعتماد على عوائد النفط المتقلبة. ويشدد عبدالله صالح على ضرورة أن يكون التركيز على تنمية سوق رأس المال والبنية التحتية. كما يجب استثمار الأرباح الفائضة بالصورة المثلى ضمن المنطقة بحيث يصبح سوق رأس المال أداة مهمة للتنمية الاقتصادية.
وتوقع عبد الله صالح بأن تكون الرسوم الجمركية أول الأشياء التي ستطالها الإصلاحات التي ستسعى السوق المشتركة لتحقيقها، والتي سيكون لها آثار بعيدة المدى. وسيتبعها قوانين مدنية وتجارية موحدة لإرساء الحقوق المشتركة لمواطني الدول الأعضاء، وخصوصاً منها ما يتعلق بالمساواة في الإقامة والعمل والأمن الاجتماعي وتملك العقارات وغير ذلك. وسينجم عن التنظيم المالي انخفاض التضخم وتقلص كلفة الأموال.
كما ستتراجع تكلفة التحوط ضد تقلب أسعار صرف العملات. وسيؤدي قيام سوق خليجية مشتركة ذي عملة مشتركة إلى تكوين واحد من أكبر أسواق رؤوس الأموال السائلة في الشرق الأوسط. وهكذا سيكون بوسع المستثمرين ومديري الثروات الإقدام على الاستثمار في المنطقة من دون الخوف من مخاطر إضافية بشأن العملات.
ويرى أن السوق المشتركة سوف تسرّع من عملية تبني إطار قانوني مشترك يغطي التجارة والاستثمار الإقليميين. ويرى صالح بأنه سيتعين على الدول الأعضاء التحرك باتجاه معايير أوسع للشفافية والإفصاح بما يضاهي المعايير الدولية، وهو أمر لا بد منه لاستمرارية الاقتصادات الكفؤة.
كما سيكون عليها توحيد قوانين وإجراءات الاستيراد/التصدير، وتوحيد سياسات التبادل التجاري مع العالم الخارجي. إن إقامة ظروف تواصلية بين الشركات العائلية والمستثمرين أمر في غاية الأهمية. ولعل أحد الأمور الأكثر إلحاحاً هو توحيد وتطبيق عملية الإفصاح والالتزام.
الانعكاسات على قطاع العقارات
وتوقع صالح إن تكون نتائج «خطوة تأسيس السوق المشتركة» والتي وصفها بالجوهرية ضخمة، وأن تؤثر على اقتصادات الدول الأعضاء جميعاً، وخصوصاً الإمارات التي يحتل اقتصادها مرتبة رائدة كنموذج فريد للنمو. ومما لا شك فيه أن الحق في فرص متساوية في العمل والإقامة وتملك العقارات وغير ذلك سيكون له وقع عميق على مجمل القطاعات الاقتصادية، وخصوصاً القطاع العقاري الذي يتميز في الإمارات بالطلب الشديد.
وستقع الدول الأعضاء الأخرى أيضاً تحت تأثير التطورات الكبيرة التي ستدعم قطاعات عديدة مثل التجزئة، النقل والاتصالات والبنوك والخدمات، وغيرها. وسيكون هناك طلب على إقامة أو دمج عدد أكبر من الشركات المساهمة العامة، وخصوصاً في قطاع المصارف. وستكتسب عملية خصخصة الاتصالات والبنية التحتية للنقل زخماً كبيراً نتيجة توحيد التعرفة الجمركية.
الغلاء و التضخم
ويرى عبدالله صالح بأن منافع السوق المشتركة تتجلى بالميزة النسبية الناجمة عن تغيرات الأسعار بعد إزالة العوائق، وتتراكم تلك المنافع بسبب تخفيض الإيجارات الاحتكارية وتراجع معدل عدم الكفاءة وتحقيق وفورات الجملة.ويرجح عبدالله صالح أن تدفع السوق المشتركة الدول الأعضاء نحو تبني سياسات اقتصادية مشتركة وفرض قواعد وضوابط أكثر حزماً تتعلق بالميزانية، لأن العجز المالي المفرط في دولة عضو يمكن أن ينسف استقرار أسعار الصرف في السوق بأجمله.
إن كبح الإنفاق العام وتطبيق نظام مالي أفضل، مقرونين بأسواق أكبر وأكثر كفاءة، مع تحرك حر للبضائع والخدمات واليد العاملة، وتوفر موارد مجمعة سيكون لها جميعاً أثر صحي على الأسعار والتضخم في كافة الدول الأعضاء.
ويرى عبدالله صالح أن قيام السوق المشتركة سيشجع على تنفيذ تنسيق أوسع بين الدول الأعضاء في مجالات النفط والغاز والبتروكيماويات وغيرها. كما أن حرية تحرك المواطنين وتمتعهم بحقوق مشتركة في العمل وتملك العقارات والامتيازات الاجتماعية والسفر وغير ذلك ستترك وقعاً كبيراً وحتمياً على الصناعة بأنواعها وعلى التجارة عموماً. ومن المرجح أن تكون قطاعات العقار والتجزئة والنقل والسياحة والمواصلات هي التي ستشهد ترسيخاً وتحقيقاً لكامل طاقاتها.
إن الخبرات التي تراكمت لدى الإمارات العربية المتحدة في مجالات الخدمات مثل البنوك والمال، الاتصالات، النقل، السفر / السياحة، إدارة الأصول، التطوير العقاري وغيرها، سيمكن لبقية الدول الأعضاء مشاركة الإمارات فيها بما يحقق الفائدة المشتركة. كما أن قطاعي الضيافة والرعاية الصحية قد يكونان بين القطاعات الأخرى التي ستستفيد أكثر من توحيد السوق.
الاتفاقيات الدولية
يرى عبدالله صالح بأنه ينبغي على الدول الأعضاء تبني طريقة جماعية لرسم السياسات وإقامة العلاقات الاقتصادية مع الدول والكتل والتجمعات الإقليمية الأخرى، وكذلك مع المنظمات الإقليمية والدولية. كما أنه سيكون بمقدورهم التفاوض جماعياً وإبرام الاتفاقيات الاقتصادية مع الشركاء التجاريين مما يمنحهم مركز قوة. ومع مرور الزمن، ستصبح السوق الخليجية المشتركة جزءاً أساسياً من منطقة تجارية عربية أكبر تنخرط فيها معظم دول العالم العربي للأسباب التي أوردناها فيما سبق.
كتبت ـ كفاية أولير
