بين ما هو مكتوب ومرئي يعيش الخيال ويتجول كيفما يريد، ودائماً تبقى الصورة أكثر تجسيداً، وأعمق قدرة على الوصف والتأثير، وتحريك مكنونات النفس البشرية، بما فيها من طموحات الفكر أو شطحات الإغراء، أو رغبات الجنس.
كتابنا ومفكرونا طرحوا القضايا الجنسية ومشاكل العلاقة بين الرجل والمرأة، بأشكال وأنماط مختلفة، بعضها كان فاضحاً، وبعضها الآخر تستر خلف الحياء وعدم التلصص فيما وراء ورقة التوت، وبقيت الكلمات تحمل مدلولات صريحة أو رموزاً يؤولها البعض كيفما سرح عقله أو سارت غرائزه. وأبدع أيضاً فنانونا في مجالاتهم المختلفة، حول ذات المضمون، وكانت اللوحة أو الصورة صادمة، وغارقة في تفصيلات أعطت ما أعطت من إيحاءات رفضها البعض بقوة وتقبلها البعض بغصة في الحلق. ثم جاءت السينما تحت لافتة «للكبار فقط»، تهدم الجدران، وتزيل الحواجز، وتعري ما لا يمكن تعريته، وتضفي عليه من لغتها مزيداً من الإثارة، ودقة في الاقتراب من مناطق كانت ولا تزال من المحرمات الثلاثة «الدين والسياسة والجنس».
نقلت كاميرات السينما ما يسميه الرافضون «وقاحة»، وما يراه الموافقون تحرراً، قدمت لقطاتها، الشفاة وهي تتقابل، الأجساد وهي تتلاصق، صعوداً وهبوطاً، ارتفعت معها أنفاس الجمهور في مقاعد المتفرجين، دون إحداث حركة أو تعليق بكلام، واكتفى الجميع بعيون مفتوحة وأفواه مشدوهة، ليتساءل الخبثاء «الفيلم قصة ولا مناظر»! تعددت مواضيع القصص، وأبدعت السينما العربية في المناظر، وخرجت عن المألوف، وغاصت في علاقة الرجل والمرأة، وأزالت ما بعد ذلك من قضبان، شذوذ الرجل بالرجل، واشتهاء المرأة للمرأة، وكأن مشاهد «البورنو» تركت بصماتها على أفلامنا، دون استئذان لعقل أو احترام لمشاعر.
«البيان» في السطور التالية تفتح ملف «سينما الجنس» وهي تدرك أنه مليء بالخطوط الحمراء، السير فيه كمن يمشي على ألغام تكاد تنفجر بين لحظة وأخرى. في مهرجان دمشق السينمائي الأخير، تطرق فيلم «خارج التغطية» للمخرج عبداللطيف عبدالحميد، لمشهد جنسي إباحي لم تتعود عليه السينما السورية المحافظة، إذ اعتبر من المشاهد الجريئة للغاية، عبرت من خلاله البطلة عن حرمانها عشر سنوات من ممارسة الجنس، ورغم أن اللقطات لم يكن بها عري، لكن الصورة ذات الدلالة الجنسية كانت مثيرة للانتقادات ومربكة لمجتمع لا يزال يضع قيوداً على علاقة الرجل بالمرأة.
الحب والحياة
وتتوالى المشاهد والتعبيرات والتلميحات أكثر في الفيلم اللبناني «سكر بنات» للمخرجة نادين لبكي، التي تضفي عليه الطابع النسائي الخالص من خلال عوالم أربع نساء يبحثن عن الحب والحياة، ومنهن نسرين «تجسدها ياسمين المصري» بروح مرحة رغم الظروف السيئة، فهي ابنة عائلة محافظة مخطوبة لشاب من عائلة محافظة أخرى.
ويتمثل ذلك في طلب الخطيب إقفال خطيبته أزرار قميصها وربط شعرها عند زيارتها لعائلته فقط، لكنه يمد يده ليتحسس ساقها سراً من تحت الطاولة خلال جلوسهما لمائدة الغذاء، وربما يكون مشهد رفع الطفل الجالس تحت نفس الطاولة لتنورتها والنظر إلى ساقيها المثال الأكثر وضوحاً ودلالة على حالة المحافظة المظهرية التي تخفي نوعاً من أنواع الحياة الجنسية المسكوت عنها في تلك البيئات.
والمثال الآخر للمرأة هي ريما «تجسدها جوانا مكرزل» دون تكلف حيث يقدمها الفيلم باعتبارها مثلية ترفض الجنس الآخر بملابسها وتصرفاتها، وتعوض عنه بتحرشات مع إحدى مرتادات صالون التجميل النسائي والتي تبادلها بصمت نفس مشاعرها.
قد نشاهد فيلماً لا يحمل قبلة واحدة أو مشهداً حميمياً، ويكون فيلم قليل الأدب، لأنه لم يحترمنا كمشاهدين، وفيلم آخر يحمل بعض المشاهد التي يعتبرها البعض خارجة ويكون فيلماً مؤدباً لأنه يقدم لنا حقيقة قد تكون مفزعة، هذا هو حال الفيلم المصري «مواطن ومخبر وحرامي» للمخرج داوود عبدالسيد، فالفيلم من مشاهده التي تم حذفها يتبادل الصديقان زوجات بعضهما، فالمواطن يضاجع زوجة الحرامي والعكس، وفي ذلك إشارة لاختلاط الحابل بالنابل وسقوط مجتمع أفرز طبقات مشوهة تبدو جميلة من الخارج قبيحة من الداخل.
باحثات عن الحرية
هل نغمض أعيننا عن تلك الحقائق، وهذه الأفلام ونقول كل شيء بخير وإننا مجتمع بلا أمراض أو نستند إلى مقولة إيناس الدغيدي مخرجة أشهر الأفلام في هذا المجال مثل «مذكرات مراهقة» و«الباحثات عن الحرية»، وتيجي نرقص عندما تلقي بقنبلة «أغلب من يعلن عن نظافة أفلامه، لا يمارسها في حياته الشخصية»!
أثارت موجة أفلام الانحراف ردود فعل قوية من جانب الكثير من النقاد والكتاب الذين يرون فيها جرياً وراء الإثارة، بحجة إبراز الجوانب السلبية في سلوك الفتيات، والتركيز على انحراف الرجال، أو تعميق ظواهر الشذوذ عند الطرفين، وأصبحنا نرى ونسمع كلمة ـ المثلية ـ وهي تتردد ملأ السمع والبصر وتمر على البعض مرور الكرام.
انتشرت في أسواق السينما المصرية في مطلع السبعينات أفلاماً حاولت تقديم الجنس وربطه بفساد الحالة العامة للبلاد ـ بعد هزيمة 1967 ـ كما جاء في «حمام الملاطيلي» لصلاح أبو سيف، و«ثرثرة فوق النيل» لحسين كمال ـ أكثر من قدم أفلاماً بها شخصيات تتمحور حول الجنس ـ قدم في ست سنوات ستة أفلام منها «أبي فوق الشجرة» و«نحن لا نزرع الشوك» و«أنف وثلاث عيون» و«دمي ودموعي وابتسامتي».
والجديد في الفيلم الأخير هو نوعية القواد الذي أصبح من رجال الأعمال، حيث المستوى الاقتصادي والاجتماعي الرفيع، والذي يدفع زوجته لطريق الرذيلة، كما أن الدافع للجنس نفسه لم يكن من أجل الحصول على المال لمواجهة قسوة الحياة وإنما لمزيد من الثراء ومزيد من السلطة.
معاناة الجماهير
كما شهدت موجة أفلام الانفتاح ـ بصخبها الأجوف الذي يستثمر معاناة الجماهير بأكثر ما يحلل أو يتناول الأسباب ـ حيث أنتج 542 فيلماً خلال عشرة أعوام بمعدل 54 فيلماً في العام الواحد منها 29 فيلماً دارت حول موضوع الجنس، مثل دائرة الانتقام، أمواج بلا شاطئ، عندما يسقط الجسد، السقا مات، شفيقة ومتولي، لا عزاء للسيدات، المشبوه، حب في الزنزانة، خمسة باب، درب الهوى، وشوارع من نار.
يرى البعض أن ما قدمته السينما المصرية في ذلك الوقت، سينما نظيفة بمعناها اللائق حتى وإن احتوت على مشاهد ساخنة، أمام ما اتجهت له السينما اللبنانية وبعض شركات الإنتاج التي اتخذت من الكويت مقراً لإنتاج وتصوير أفلامها، وتم خلال هذه الفترة تقديم فيلمين ركزا على الجنس وصوراه في مشاهد فاضحة أقرب ما تكون إلى أفلام جنسية.
وبين الحين والآخر يتم إعادة تصديرهما وعرضهما في قنوات الأفلام المشفرة لمنع عرضهما في غالبية الدول العربية، وهما (سيدة الأقمار السوداء)، (ذئاب لا تأكل اللحم) للمخرج اللبناني سمير أ. خوري.
في عام 1986 كان موعد مصر مع أول دعوى قضائية ضد فيلم سينمائي من عدد من المحامين الشباب الذين لا يعرفهم أحد، أما الفيلم فكان «وللحب قصة أخيرة» بطولة يحيى الفخراني ومعالي زايد، والسبب مشهد ساخن جداً في الفراش بين بطلي الفيلم، وكان المطلوب إيقاف عرض الفيلم وسحبه من جميع دور العرض.
أثارت تلك الدعوى ضجة كبيرة في وقتها، لأن الجمهور لم يعتد مثل هذا النوع من الدعاوى، كما اعتادوا مشاهدة الأفلام السينمائية منذ مطلع القرن الماضي، وبدون أن يطلب أحد منع عرضها لأن بها مشاهد ساخنة، والأمثلة عديدة وتضم أشهر أفلام السينما المصرية، بدءاً من ثلاثية نجيب محفوظ وحسن الإمام، والقاهرة 30، وميرامار، وشباب امرأة، وغيرها من الأفلام.
العذراء والشعر الأبيض
كما شهدت فترة الثمانينات أفلاماً للثنائي نبيلة عبيد والمخرج حسين كمال اللذين قدما أفلاماً مثل «العذراء والشعر الأبيض» و«أرجوك أعطني هذا الدواء» و«الراقصة والسياسي»، وغيرها من الأفلام التي امتلأت بمشاهد جنسية، على حد وصف البعض، إلا أنها مشاهد سبق وقرأها الملايين في روايات إحسان عبدالقدوس قبل أن تتحول إلى أفلام سينمائية، وبدون أن نرى أحداً يطالب بمنع هذه الروايات من التداول.
وبعيداً عن المشاهد الساخنة بين الرجل والمرأة، قدمت أيضاً السينما المصرية في أفلام قلائل، سلوك الرجل الشاذ، وتعاملت معه في إطار التلميح لا التصريح، ومن أشهر تلك الأفلام «حمام الملاطيلي»، وجسد فيه الفنان يوسف شعبان دور شاذ جنسياً، ولكن من خلال بعض الإشارات التي توحي بذلك، وهناك فيلم «قطة على نار» الذي قام ببطولته نور الشريف وبوسي، وظهر فيه صديق نور الشريف شاذاً جنسياً، وانتحر بعد أن رآه نور الشريف في أحد الأوضاع المخلة ـ دون إظهارها على الشاشة.
ويعد فيلم «الإرهاب والكباب» من أكثر الأفلام التي تعاملت مع هذا النمط من الشخصيات بخفة ظل، رغم أن عرض هذا النمط من الشخصيات لم يتعد المشهد الواحد من الفيلم الذي قام ببطولته عادل إمام.
وجسد فيه دور مواطن يبحث عن موظف لإنهاء أوراق أبنائه الدراسية فيخبرونه أنه في دورة مياه أحد الفنادق القريبة من مجمع التحرير، فيبدأ في الطرق على الأبواب منادياً على «مدحت»، فيخرج إليه شاب يقول له «لو عايزني أبقى مدحت أبقى مدحت»، ومن الطريف أن اسم مدحت أصبح يومها رمزاً بين الشباب للدلالة على هذه النوعية من الشخصيات.
عمارة يعقوبيان
وإذا كانت هذه الأفلام تعاملت مع قضية الشذوذ بنوع من الفكاهة، أو دون التفريط في التصريح بأي كلمة، فإن فيلم «عمارة يعقوبيان» الذي جسد فيه الممثل خالد الصاوي شخصية رئيس تحرير إحدى الصحف الذي يعاني من الشذوذ الجنسي، تعد المرة الأولى التي يتعرض لها فيلم بجرأة واستفاضة لهذا النمط من الشخصيات.
يذكر أن هذه الشخصية التي جسدها خالد الصاوي كانت قد عرضت على الفنان فاروق الفيشاوي، إلا أنه رفضها خوفاً من ردة فعل الجماهير عند عرضها، وهو ما يطرح تساؤلاً، عما إذا كان فيلم عمارة يعقوبيان يمثل مرحلة جديدة في التعامل مع، الشخصيات والأفكار دون قيود أو حدود!
السينما المصرية لم تتعامل مع الشواذ جنسياً من الرجال فقط، قدمت أيضاً الشواذ من النساء، ولعل أشهر تلك الأفلام فيلم «الطريق المسدود» الذي قدمته فاتن حمامة في الستينات من القرن الماضي، وظهرت في بعض مشاهده الفنانة ملك الجمل وكانت تجسد شخصية امرأة شاذة تعمل معلمة في إحدى المدارس.
أما الفيلم الثاني فهو «الصعود إلى الهاوية» الذي قامت ببطولته مديحة كامل وجسدت فيه الفنان إيمان شخصية عميلة الموساد الشاذة جنسياً التي تقوم باستقطاب النساء من خلال علاقتها بهن.
يبقى لنا سؤال يقول: هل تنجح السينما بعد هذه الأفلام في إصلاح الخلل الموجود لدى البعض في المجتمعات العربية، أم أن طرح هذه الشخصيات من خلال تلك الأفلام السينمائية سيقتصر على مجرد الطرح فقط والاستفادة منها في شباك التذاكر؟!
إغراءات امرأة مختلفة
هل تراجعت السينما المسماة بالنظيفة، كما يسميها البعض؟ أم أنها لم تكن أكثر من موجة أو موضة حاول البعض مجاراتها لأسباب كثيرة، لكنها سرعان ما ستنهار أمام تيار سينمائي جديد يؤمن بالجرأة وبضرورة التحليق بعيداً عما هو سائد ومتداول ومألوف. أثار فيلم خالد يوسف الجديد «حين ميسرة» موضوع المثلية الجنسية عند النساء.
وتؤدي الفنانة تغادة عبدالرازق دوراً قصيراً يتجلى في خمسة مشاهد فقط، تجسد خلاله دور امرأة شاذة تحاول الإيقاع بسمية الخشاب، المقبلة من منطقة عشوائية فقيرة، لكنها تتمتع بأنوثة صارخة، تجعلها فريسة للرجال الذين يجبرونها على امتهان الرقص بعد تعرضها للاغتصاب.
ولا تجد أمامها سوى الصراخ في مواجهة اغراءات المرأة الشاذة قائلة: «هو انتو ملقتوش غير جسمي تطمعوا فيه رجاله ونسوان»، وترد عليها غادة بحدة: «هو إنت عندك غيره..»! انتشرت المشاهد المثيرة بين غادة عبدالرازق وسمية الخشاب على أجهزة الموبايل يتناقلها الشباب، فيما بينهم على صورة رسائل.
دبي ـ أسامة عسل