توقع محللون أن تواصل أسعار الحبوب العالمية المرتفعة دفع التضخم في أسعار السلع الغذائية في العام المقبل مع تزايد الطلب من الصين والهند وظهور ضيف جديد هو الوقود الحيوي الذي ينذر بأن يتحول إلى أكثر المستهلكين للحبوب شراهة.
وإذا نظرنا إلى عامل واحد أو عاملين من العوامل المجهولة في رسم صورة إمدادات الحبوب مثل خسائر طارئة في المحاصيل نتيجة ظروف جوية أو نقص المياه اللازمة للري فمن السهل تفهم المخاوف التي تهز العديد من الدول المستهلكة الآن من التضخم في أسعار المواد الغذائية.
ويقول بيل لاب الاقتصادي السابق بشركة كوناجرا فودز العملاقة للأغذية ان أسعار المواد الغذائية تتحرك الآن إلى مستوى جديد في عملية أشبه بما حدث نحو عام 1914 وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية ثم مرة أخرى في السبعينات.
وفي عام 2007 ارتفعت الأسعار ببورصة مجلس شيكاغو للتجارة وهي أسعار القياس العالمية للقمح والذرة والأرز وفول الصويا رغم حصاد محاصيل وفيرة في الولايات المتحدة. فزادت أسعار القمح بنسبة 90% وفول الصويا بنسبة 80% والذرة 20%. والاسعار الأميركية لها أهميتها لأن الولايات المتحدة مازالت سلة الغذاء بالنسبة للعالم اذ أنها أكبر مصدر منفرد للحبوب.
وأوضح لاب «ارتفاع أسعار السلع الأولية هنا سيكون له أثره على أسعار الغذاء في مختلف أنحاء العالم». وتقول فيونا بول رئيسة أبحاث الأغذية والمشروعات الزراعية لدى مصرف رابوبنك «بالنسبة لأسواق السلع الأولية يمكن لأي حدث كبير في الطقس أن يؤدي إلى تراجع المخزونات بسرعة».
وفي ذات الإطار يقول لستر براون رئيس معهد سياسات الأرض ومؤلف كتاب «من سيطعم الصين» الذي صدر عام 1995 «ما يحدث لإمداداتنا من الحبوب يؤثر على الجميع. الأمور بدأت فعلا تصبح شحيحة الآن والدول المستوردة بدأت تقلق وبعضها ربما يكون قد أصابه شيء من الذعر لأنها تحتاج لاستيراد الحبوب وليست متأكدة من وجود ما يكفي».
ويشير براون إلى أن المخزونات العالمية من الحبوب انخفضت في سبع من السنوات الثماني الأخيرة. ويقول «ستستمر الضغوط الصعودية على الأسعار. وأحد مخاوفنا هو أن يؤدي ذلك إلى قلاقل اجتماعية واضطرابات سياسية متصاعدة في الدول ذات الدخل المنخفض أو المتوسط التي تستورد حصة كبيرة من استهلاكها من الحبوب».
وفي وقت سابق من هذا الشهر قالت منظمة الأغذية والزراعة «فاو» ان 37 دولة تواجه أزمات غذائية ودعت إلى تقديم مساعدات لها. وقالت المنظمة «أسعار الحبوب العالمية المرتفعة أثارت بالفعل أعمال شغب بسبب الغذاء في عدة دول».
والحبوب هي أساس منظومة الغذاء العالمية سواء من المواد النشوية «الكربوهيدرات» أو البروتينات من خلال العلف الذي تتغذى عليه الحيوانات المنتجة للحوم والألبان. لكن دور الحبوب كعامل من عوامل التضخم ظل محدودا لعشرات السنين. فارتفاع الأسعار كان يمثل حافزا على التعجيل بزيادة المساحات المزروعة.
وتغيرت الصورة بالكامل مع بروز دور الهند والصين والوقود الحيوي. وتقول فيونا بول من رابوبنك «نمو الدخل والزيادة السكانية في الصين والهند، فهم يغيرون نظامهم الغذائي إلى النمط الغربي».
وإذا انتقلنا درجة أعلى في المنظومة الغذائية إلى اللحوم سنجد أنها تمثل عاملا اضافيا لاستنزاف امدادات الحبوب لأن انتاج كيلوغرام واحد من اللحوم مثلا يحتاج كيلوغرامات عديدة من العلف. لكن الخطر الداهم على إمدادات الحبوب هو الوقود الحيوي الذي أصبح محببا لدى المزارعين ورجال السياسة وأصحاب المشروعات الزراعية.
وأوضح براون «اذا حولنا انتاجنا بالكامل من الحبوب إلى وقود للسيارات فإنه سيلبي 16 في المئة من اجمالي احتياجاتنا من وقود السيارات. ولذلك فإنه ليس حلا حقا». وأضاف أن التاريخ سيصم قانون الطاقة الأميركي بأنه من أعظم المآسي لأنه صدر في وقت ينام فيه أكثر من 800 مليون شخص في العالم وهم جوعى. والسؤال هو هل يمكن لإمدادات الحبوب أن تلبي الطلب المتصاعد.
وعلى مدى عشرات السنين أدت عمليات تهجين المحاصيل وكذلك الهندسة الوراثية في السنوات الأخيرة إلى تحسين غلة المحاصيل وجودتها. الا أن محللين يقولون انه رغم تزايد قبول المحاصيل المعدلة وراثيا فإن الإنتاج سيظل يصطدم بعقبة مساحة الأرض القابلة للزراعة وموارد المياه اللازمة للري.
ولذلك فإن الطلب من الدول المستوردة ومن صناعة الوقود سيعمل في الآجل القصير على تقليص المخزون العالمي من الحبوب حتى اذا لم تحدث صدمات جوية أو مناخية. ويقول لاب ان ذلك كله يعمل على رفع أسعار المواد الغذائية الأميركية ويمتد أثره ليشمل العالم كله.
ويضيف «خلال السنوات الخمس المقبلة من المتوقع أن يزيد التضخم الغذائي بنسبة 5. 7 في المئة في المتوسط بزيادة كبيرة من 3. 2 في المئة في المتوسط بالسنوات العشر الأخيرة. فأسعار السلع الأولية مثل الذرة والقمح وفول الصويا والحليب بدأت تنتقل نقلة دائمة إلى مستوى جديد».
(رويترز)