استقرت أسعار النفط أمس بعد صعودها بنحو 5 دولارات في ثلاث جلسات. وفي إحدى مراحل التداول نزل سعر عقود النفط الأميركي الخفيف لأقرب استحقاق شهر فبراير 5 سنتات إلى 92,95 دولارا للبرميل في التعاملات الالكترونية عبر نظام جلوبكس. وكان العقد قفز 84,1 دولار عند التسوية في بورصة نايمكس أول من أمس الاربعاء.

وجاء صعود الأسعار الأخير بعد قيام طائرات حربية تركية بقصف أهداف للمتمردين الأكراد في شمال العراق معيدة إلى أذهان المستثمرين المخاطر التي تكتنف إمدادات النفط في الشرق الأوسط. في الأثناء قال محللون إن افق المئة دولار للبرميل بات منظورا في سوق النفط خلال العام 2008 بعد ان سجلت أسعار الذهب الأسود ارتفاعا كبيرا على مدى العام الماضي بدون بروز اشارات تعكس الاتجاه حتى وان القى تباطؤ الاقتصاديات الغربية بظلاله على الطلب.

فبعد ان كان سعر برميل النفط يقل عن خمسين دولارا في يناير، اتجه بقوة نحو الاعلى ليبلغ 99,29 دولارا في 21 نوفمبر مسجلا بذلك مستوى قياسيا تاريخيا. وقلة هم المراقبون الذين توقعوا مثل هذا الارتفاع الكبير ومنهم بنك الاستثمار «غولدمن ساكس» الذي توقع منذ العام 2005 زيادة الأسعار ويتوقع في الوقت الحاضر ان يصل سعر برميل الخام إلى 105 دولارات في نهاية العام 2008.

ورأى ليو درولاس، كبير الخبراء الاقتصاديين في مركز الدراسات غلوبال اينرجي في لندن، «ان شتاء باردا وخفضا في إمدادات منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» أو زيادة اقل من الانتاج للدول غير الأعضاء في المنظمة قد تدفع الأسعار إلى ما فوق المئة دولار».

ويعتبر ديفيد كيرش، المحلل في شركة الاستشارات بي.اف.سي اينرجي في واشنطن، ان ثمة احتمالات كبيرة بان تتخطى الأسعار المئة دولار للبرميل في العام 2008 وان عبر عن «بعض الشكوك بصدد الطلب». ولفت إلى ان «سلامة البلدان الصناعية تثير شكوكا وهذه المخاوف قد تحول دون تجاوز المئة دولار» للبرميل.

فالولايات المتحدة التي تعد الاقتصاد الاول في العالم، ستواجه على ما يبدو أزمة القطاع العقاري وتشديد شروط الاقتراض في آن واحد. وفي ظروف كهذه، يتوقع المحللون في مصرف الاعمال النيويوركي «ميريل لينش» ان يبلغ متوسط سعر البرميل 82 دولارا في 2008. ومن جهة المنتجين، فان الدول الثلاث عشرة الاعضاء في اوبك قد تشجع على خفض الأسعار من خلال زيادة انتاجها، لكنها استبعدت مثل هذا الاحتمال أثناء اجتماعها في أبوظبي مطلع ديسمبر.

والبعض يحمل أوبك مسؤولية مباشرة في ارتفاع الأسعار هذه السنة، ويقول ليو درولاس «لان اوبك لم تنتج كميات كافية فهذا هو الأمر بكل بساطة». وراى ديفيد كيرش ان 2007 كان عام «عودة أوبك» بعد ان تراجع نفوذها النفطي الذي ينتج 40% من النفط العالمي، بعض الشيء خلال السنوات السابقة.

ولفت الانتباه أيضا إلى احتمال ان يصبح النفط سلعة استثمار مالي للمضاربين وصناديق التقاعد. وأوضح في هذا الصدد «ذلك بدأ أواخر العام الماضي ونرى الآن ظهور أنواع أخرى من المستثمرين»، مضيفا «من قبل كان الأمر بوجه العموم كناية عن أموال مضاربة، لكن الآن نرى صناديق التقاعد التي هي أكثر محافظة وتتخذ مواقف على المدى الطويل، والنفط يدخل ضمن استراتيجية شاملة» للتوظيف المالي.

وتندد دول أوبك من جهتها بدور المضاربين في زيادة الأسعار وتقلباتها. واحد العوامل التي يمكن ان يكون له تأثير اقل على الأسعار في العام 2008، هو إيران. فنشر تقرير للاستخبارات الأميركية مؤخرا يؤكد ان هذا البلد الذي يعد المنتج الثاني في اوبك، أوقف برنامجه النووي العسكري في العام 2003، يخفف من مخاطر نشوب أزمة مكشوفة مع الولايات المتحدة التي عاد تهديدها إلى دفع الأسعار نحو الارتفاع على مدى العام 2007.

وبدأت آثار ارتفاع أسعار الطاقة تظهر بقوة على العديد من بلدان العالم. وتوقع معهد أبحاث الاقتصاد الألماني «دي.آي.دبليو» ارتفاع أسعار الغاز في ألمانيا اعتبارا من ربيع العام المقبل 2008. وقالت كلوديا كيمفرت خبيرة الطاقة إن متوسط الزيادة في أسعار الطاقة سيصل إلى 20% وتوقعت أن ترفع معظم شركات الإمداد بالغاز والبالغ عددها 750 شركة أسعارها خلال شهري مارس وأبريل المقبلين.

وأرجعت الخبيرة سبب الزيادة إلى ارتفاع أسعار النفط خلال الشهرين الماضيين واقتران سعر الغاز بارتفاع أسعار النفط وانتقدت في الوقت نفسه ضعف المنافسة في قطاع الطاقة في ألمانيا وخاصة الغاز. وأشارت إلى تنفيذ ثلث شركات الغاز اعتبارا من مطلع العام المقبل زيادة في الأسعار متوسط نسبتها ستة بالمئة.

وفي ذات السياق قررت حكومة نيبال زيادة أسعار البنزين بنسبة 9% وهي الزيادة الثانية خلال شهرين في محاولة من جانبها لتقليل العجز في إمدادات الوقود. وذكرت شركة نفط نيبال «إن.أو.سي» المملوكة للدولة أن سعر لتر البنزين سيصل إلى 80 روبية (26ر1 دولار) بزيادة قدرها 7 روبيات تقريبا. وفي الوقت نفسه فإن أسعار المنتجات النفطية الأخرى مثل السولار والكيروسين والغاز البترولي المسال لن تتغير.

وتستورد شركة إن.أو.سي كل احتياجات نيبال من النفط. وقد عجزت الشركة عن سداد نحو ملياري وربية للهند التي تستورد منها احتياجاتها مما دفع السلطات الهندية إلى خفض كمية الصادرات إلى نيبال بمقدار النصف. وأدت الخطوة الهندية إلى انخفاض حاد في إمدادات البنزين بنيبال حيث يضطر أصحاب السيارات إلى الانتظار لساعات عديدة في محطات الوقود من أجل الحصول على لترات قليلة من البنزين.

وقال مسئولون إن الزيادة الأخيرة في الأسعار سوف تقلص خسائر الشركة المملوكة للدولة بمقدار 79 مليون روبية. وكانت الحكومة قد قررت في منتصف أكتوبر الماضي زيادة سعر البنزين في محاولة لتخفيف العجز في الإمدادات لكن دون جدوى ومنذ ذلك الحين زاد سعر البنزين بنسبة تتجاوز 20% .