عرضت مسرحية «ديالوغ» على خشبة مسرح الرونبوان في باريس ضمن فعاليات مهرجان الخريف الباريسي. كتب المسرحية رولان دوبيار عام 1975. في هذه المسرحية نرى رجلين يتحدثان طيلة العرض بحيث يغلب على حوارهما طابع فكاهي مسلٍ يتقاطع أحياناً مع مسرح العبث، فلا يمكن أن نتجاهل التأثير الذي أحدثه مسرح يونسكو وبيكيت على كتابات رولان دوبيار الذي كان معاصراً لهما.
في هذه المسرحية القصيرة التي تدور أحداثها بين صديقين يروي كل واحد قصته للآخر يبدو الحوار مركزاً على المواقف الفكاهية التي جمعت هذين الصديقين بحيث أننا نشهد على لعبة الكلام بينهما والتي ينتج عنها مجموعة من المواقف الضاحكة كالفهم الخاطئ لبعض العبارات أو تضمين بعض العبارات معاني أخرى تجعل من الجمهور ينفجر ضحكاً لدى سماعها.
في هذا المسرح المتكلم يقف الممثلان على الخشبة العارية من أي ديكور وأحياناً يجلسان على كرسيين وبذلك يبدو أن إخراج المسرحية يعتمد على إبراز قيمة هذا الكلام باعتباره المادة الأساسية التي يراد إيصالها للجمهور. تساهم الإضاءة المتقطعة بتقسيم مشاهد المسرحية والدلالة إلى الأوقات والفصول بحيث يبقى انتباه الجمهور مشدوداً على الإسقاطات الضوئية المركزة عليه.
في تلك اللغة البسيطة التي يستقبلها الجمهور دون عناء ينجح الكاتب بطرح لغة مسرحية كوميدية تعتمد على ألفاظ سهلة مستوحاة من الكلام اليومي المعروف لدى ذلك الجمهور الذي يتابع تلك الحواريات بكل ما تحمله من سوء تفاهم بين الرجلين أو القصص التي يرويها كل واحد منهم.
من أهم المواضيع التي يطرحها الصديقان هي وضع الممثل في الحياة الاجتماعية باعتبار أنهما يعملان كممثلين في أحد المسارح ويرويان المفارقات المضحكة التي يتعرض لها الممثل في العمل. وهنا نشير إلى أن الكاتب يعبر عن التزامه بوضع الممثل وأهمية الانتباه لهذه المهنة الشاقة والممتعة في آن واحد.
ويحرص الكاتب رولان دوبيار على المحافظة على قوة الصورة والتصاقها بالفكرة الداخلية التي يريد البوح بها فهو يقدم لنا مواقف طريفة بين شخصين فيجعل من حالة الدخول والخروج للنكتة أو الطرفة عنواناً لمسرحيته. كأن غاية تلك الكتابة هي الولوج إلى «أنا» المتفرج في حالات ألمه وفرحه.
وهنا فإن الكاتب يقدم عبر هذه المسرحية مواقف من الواقع الذي تعيشه الشخصيات كل يوم دون أن ترضى بأزلية هذا الواقع الذي يفيض بالأحداث، إنه يضع أطيافا من ذاته، أملا على ورق، ربما سيكتب لهذا الأمل أن يخرج من روح الورق ويعانق أفكار الآخرين، هؤلاء الذين يعيشون ويحلمون بالعيش الحر الكريم لم يعد يهمهم شيء سوى الحفاظ على وقع النفس في أجسادهم.
هكذا هو المسرح.. الكلمة فيه حاملة للحياة، يطوعها الكاتب لتعبّر عن مكامن الشخصيات بحيث تشكل جسداً واحداً يطرح نفسه على مسرح العالم. ولما كانت الكلمة هي الأداة الوحيدة التي يملكها الكاتب المسرحي ففيها يحاكي حالة العالم ويسائله كي يجبره على الكلام والتساؤل، فإن هذه الكلمة قد تكون مأساوية بعض الأحيان، لكن ذلك يهدف لإعادة تعريف المواضيع والقيم التي فقدت قيمتها مع تراجع منزلة الكلمة.
ولهذا فقد كان دور المتفرج محورياً في عملية تلقي النص وتوظيفه بحسب أوجه المعنى ومساحات الكشف التي يقدمها طوراً بطور. أو ليست كتابة المسرح محاولة للتعبير عن الآخرين بكل حالات معاناتهم وتفاصيل حياتهم ؟ أوليس مهد المسرح فكرة تداعب مخيلة الكاتب الذي يداعب بدوره أوراقه فيخط كلمات فيها مآثر من الحياة.
تبدو هذه المشاركة أحد أهم أهداف المسرح، فمنها ينبثق معنى جمالي يتجسد بالكلمة التي تخرج من الكاتب المسرحي بفرديته لتتجه إلى المتفرجين بمجموعهم. فالكلمة أو الفكرة تكون ملك الكاتب أولاً، وما أن تحتضنها خشبة المسرح حتى تخرج من سره لتعانق داخل من يلتقي بها.. وهنا يكمن حلم الكاتب المسرحي.
وإذا كان العالم يتكون من جسد وروح، فإن المسرح يجسد تجلي هذا العالم حيث يخلق الكاتب المسرحي رولان دوبيار حياةً من عجينة الكلمات أملاً بالوصول إلى تحولات لا منتهية من المعاني. وعلى هذا النحو فإن البعد الشعري في مسرحية الديابلوغ يسمح لنا بالدخول في تفاصيل زمن سابق على زمن الكتابة المسرحية، ذلك الزمن الذي يسمو وجوده كأن الكاتب يأمل بالولوج عبر كلماته إلى عالم الكلمة الداخلي التي تعتمل في صدر المتلقي وتداعب مخيلته.
باريس ـ منتجب صقر
