أكد البنك الدولي في تقرير شامل أصدره قبل عدة أيام واستعرض فيه جملة التطورات الاقتصادية والاجتماعية في الدول النامية خلال العام 2007 أن هذه الدول وعلى الرغم من ارتفاع حجم المعونات والمساعدات المقدمة لها، فإنها لا تزال تواجه تحديات مثبطة للهمم وخاصة في مجال الحد من تفشي الفقر بغية تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية الجديدة التي تحدد غايات محددة يجب تحقيقها بحلول عام 2015.

وتمثل هذه البلدان ثلثي سكان العالم، ويقطنها أكثر من 70 في المئة من السكان الفقراء في العالم النامي الذين يعيشون على أقل من دولارين للشخص في اليوم الواحد. وفيما يخص القطاع الزراعي، قال التقرير ان القطاعات الزراعية والريفية قد عانت هي الأخرى من الإهمال وقلة الاستثمارات على مدى السنوات العشرين الماضية.

وفي حين يعيش 75 في المئة من فقراء العالم في مناطق ريفية، فإن نسبة المساعدات الإنمائية الرسمية الموجهة لقطاع الزراعة في بلدان العالم النامية لا تتخطى بالكاد 4 في المئة. وحول تدفق الاستثمارات الأجنبية للدول النامية، قال التقرير انه على الرغم من ارتفاعها إلى نحو 483 مليار دولار عام 2006، إلا أن هذه التدفقات قد تركزت في عدد محدود من البلدان.

إذ لا يمكن إدراج سوى ما يقل عن اثني عشر بلداً من البلدان المتوسطة الدخل ضمن البلدان المقترضة من أسواق السندات. وطالب البنك الدولي البلدان الغنية أن تعمل على إصلاح سياساتها التي تُلحق الضرر بالفقراء، وخاصة فيما يخص خفض الدعم المالي للقطاع الزراعي.

وقال التقرير في عرضه الشامل للتطورات الاقتصادية في العالم والدول النامية في نهاية العام 2007، ان البلدان الغنية تعهدت بتقديم 1. 25 مليار دولار من أجل إعادة تجديد الموارد المالية للمؤسسة الدولية للتنمية التي تشكل الأداة الرئيسية للبنك الدولي لمساعدة بلدان العالم الأكثر فقراً.

وكانت مجموعة البنك الدولي قد تعهدت في وقت سابق بتقديم 5. 3 مليارات دولار أميركي «وفاء منها بالعهد» الذي قطعته، على حد قول رئيس البنك روبرت زوليك. وتمول المؤسسة الدولية للتنمية الاحتياجات الأساسية، كمشاريع البنية الأساسية، والرعاية الصحية، والتعليم،

ولكنها تستهدف بشكل متزايد برامج من قبيل ـ المعونة من أجل التجارة ـ التي تساعد البلدان الأكثر فقراً على أن تصبح أكثر قدرة على المنافسة على الصعيد العالمي. وقال زوليك إن المؤسسة تحقق نجاحاً في مهامها نظراً لأنها تركز على تحقيق النتائج، والفعالية، وترسيخ الشعور بالملكية الوطنية.

وحول تطورات المناخ أكد التقرير إن البلدان النامية أكثر عرضة لتغير المناخ من البلدان الغنية، حيث إن الفقراء هم أكثر من يتعرضون لمخاطر نتيجة زيادة التقلّبات السريعة والمفاجئة في الأنماط المناخية مثل الفيضانات ونوبات الجفاف.

ومن المتوقع أن يؤثر تغير المناخ الناجم عن أنشطة البشر تأثيراً سلبياً على الإنتاجية الزراعية في مختلف المناطق المدارية وشبه المدارية، إلى جانب تدني كمية المياه ونوعيتها في معظم المناطق الجافة وشبه الجافة، وزيادة تفشي الملاريا وحمى الدنغ وغيرهما من الأمراض المنقولة عن طريق الحشرات في المناطق المدارية وشبه المدارية، وكذلك الإضرار بالأنظمة الإيكولوجية والتنوع البيولوجي فيها.

وعلاوة على ذلك، فقد يؤدي ارتفاع منسوب سطح البحر نتيجة للزيادة المتوقعة في درجات الحرارة إلى تشريد عشرات الملايين من البشر الذين يعيشون في مناطق منخفضة، مثل دلتا غانغ ودلتا النيل، إلى جانب اختفاء الدول الجزرية الصغيرة من على الخريطة.

ويقول التقرير انه لمواجهة هذه المشكلة، فقد طالبت قمة مجموعة الثماني، التي عقدت في غلين إيغلز في اسكتلندا قبل عامين، من البنك الدولي تقديم خطة تساعد على تسريع وتيرة الاستثمار في الطاقة النظيفة من أجل بلدان العالم النامية، وذلك بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية الأخرى.

ووفقاً لهذا الإطار، يحتاج قطاع الطاقة الكهربائية إلى 165 مليار دولار أميركي من الاستثمارات كل عام من العقد الحالي. ولم تتحدد الموارد التمويلية إلا لنصف هذه الاحتياجات. وهناك حاجة أيضاً إلى عشرات المليارات من الدولارات لتغطية التكاليف الإضافية اللازمة للتحول إلى اقتصاد منخفض الانبعاثات الكربونية.

وستصل التكاليف الإضافية لمشروعات الحماية من التقلبات المناخية المرتبطة بإعانات وتمويل بشروط ميسرة للبلدان النامية إلى حوالي مليار دولار سنوياً، بينما قد يصل إجمالي التكاليف التي يتحملها القطاعان العام والخاص في بلد نام إلى عشرات المليارات من الدولارات سنوياً.

كما يحذر التقرير أيضاً من أن إمدادات الأغذية العالمية تواجه ضغوطاً من جراء اتساع نطاق الطلب على الغذاء والأعلاف والوقود الحيوي؛ وتزايد أسعار الطاقة؛ وازدياد قلة الأراضي الزراعية وشحة الموارد المائية؛ بالإضافة إلى الآثار الناجمة عن ظاهرة تغيّر المناخ. وبدورها، فإن تلك العوامل تُلقي بظلال من الشك وعدم اليقين على مستقبل أسعار المواد الغذائية.

الجدير بالذكر أن قطاع الزراعة يستهلك ما نسبته 85 في المئة من المياه المُستخدمة في العالم، وان له دوراً في إزالة الغابات والأحراج، وتدهور حالة الأراضي، والتلوث. ويوصي التقرير باتخاذ إجراءات من شأنها إقامة أنظمة إنتاج أكثر استدامة، كما يحدد الحوافز اللازمة لحماية البيئة.

ويضيف التقرير انه في البلدان التي يقوم اقتصادها على الزراعة ـ والتي تضم 417 مليون شخص في المناطق الريفية، يعيش منهم 170 مليوناً على أقل من دولار أميركي في اليوم للفرد ـ فإن لقطاع الزراعة أهمية بالغة في تحقيق النمو الكلي، وتقليص الفقر، وتحقيق الأمن الغذائي.

وتقع معظم تلك البلدان في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث يعمل 65 في المئة من القوة العاملة في قطاع الزراعة الذي يسهم بما نسبته 32 في المئة من النمو في إجمالي الناتج المحلي. ويطالب البنك الدولي في تقريره البلدان الغنية بالعمل على إصلاح سياساتها التي تُلحق الضرر بالفقراء.

فعلى سبيل المثال، من الضروري أن تخفض الولايات المتحدة الدعم المالي المُقدم إلى زراعة القطن، وذلك بالنظر إلى أن هذا الدعم يؤدي إلى تخفيض الأسعار أمام أصحاب الحيازات الصغيرة في إفريقيا.

وعلى صعيد المجال الناشئ للوقود الإحيائي، فإن المشكلة تتمثل في الرسوم الجمركية المُقيدة وارتفاع الدعم المالي في البلدان الغنية، مما يؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، والحد من فرص التصدير أمام المنتجين الأكفاء في بلدان العالم النامية.

ويؤكد هذا التقرير كذلك أن ثمة حاجة ملحّة في أن تقوم البلدان الصناعية، التي كانت تمثل أكبر المساهمين في ظاهرة الاحترار العالمي، ببذل مزيد من الجهد لمساعدة المزارعين الفقراء على تكييف أنظمة الإنتاج الزراعي لديهم مع تغيّر المناخ.

وحول قضايا التعليم في الدول النامية، قال التقرير ان البنك الدولي يعتبر أكبر مصدر على مستوى العالم لتقديم المساندة الخارجية لقطاع التعليم، حيث زادت قيمة قروضه بشكل قليل على ملياري دولار أميركي في السنة المالية 2007 إلى برامج التعليم والتعلّم، معظمها بشروط ميسرة من المؤسسة الدولية للتنمية.

وازداد الإقراض لبرامج التعليم إلى إفريقيا ـ بشروط المؤسسة الدولية للتنمية في أغلبها ـ إلى رقم قياسي غير مسبوق بلغ 707 ملايين دولار أميركي. وركز الكثير من مشاريع البنك الدولي على تحقيق المساواة بين الجنسين في التعليم للفتيات وأطفال الأسر الفقيرة والريفية.

وحول قضايا التنمية والتدفقات الاستثمارية للدول النامية، قال التقرير ان اقتصادات البلدان المتوسطة الدخل حققت نمواً بلغ في المتوسط 8. 5 في المئة على مدار السنوات الأربع التي سبقت حتى عام 2006، ويُعد هذا أسرع معدل للنمو في ثلاثة عقود.

كما عملت هذه البلدان بكل جد واجتهاد لتصبح أكثر مناعة ضد صدمات الأسواق المالية مثل الأزمة المالية في آسيا في فترة التسعينات من القرن العشرين التي دفعت بملايين الناس إلى هوة الفقر.

وقامت هذه البلدان أيضاً بتقوية ميزانياتها العمومية من خلال تبني سياسات للمالية العامة تتصف بمزيد من الحصافة والحكمة، وبناء احتياطيات دولية من العملة الصعبة بالإضافة إلى الحد من اعتمادها على الاقتراض الحكومي.

وبالنسبة لعدد من البلدان المتوسطة الدخل، تعني المكافآت العائدة على هذه الجهود زيادة في الوصول إلى تدفقات رأس المال الخاص العابرة للحدود. ويدرك المستثمرون والمقرضون على نحو متزايد أن هذه البلدان تشكل مكاناً جيداً لتوظيف أموالهم.

وقد بلغ صافي التدفقات الرأسمالية الخاصة إلى البلدان النامية مستوى قياسياً قدره 483 مليار دولار أميركي في عام 2005. إلا أنه بالرغم من التقدم الذي حققته البلدان المتوسطة الدخل كمجموعة، إلا أن الأداء الاقتصادي للبلدان بمفردها يتفاوت إلى حد كبير.

وقد تأثر النمو الاقتصادي القياسي على مدى السنوات الأربع الماضية بشدة بالنجاحات الاقتصادية التي حققتها الهند والصين. وباستبعاد كل من الهند والصين من هذه البيانات، يتجه متوسط معدل نمو البلدان المتوسطة الدخل نحو الانخفاض من 8. 5 في المئة إلى 3. 4 في المئة للسنوات الأربع السابقة حتى عام 2006.

وعلى الرغم من الارتفاع الهائل في التدفقات الرأسمالية الخاصة، إلا أن هذه التدفقات قد تركزت في عدد محدود من البلدان. إذ لا يمكن إدراج سوى ما يقل عن اثني عشر بلداً من البلدان المتوسطة الدخل ضمن البلدان المقترضة من أسواق السندات الراسخة الأقدام حيث يستطيعون الوصول إلى السوق بصورة منتظمة وبتكلفة مستقرة. وتندرج ضمن هذه المجموعة بلدان أخرى لم تتمكن إلا من الوصول المتقطع إلى السوق أو انعدم وصولها تماماً.

المنامة ـ حسن العالي