من رأى المشاهد الأولى لمسلسل «صراع على الرمال»، أدرك الجهد الإبداعي الكبير الذي بذله المخرج حاتم علي للوصول إلى مقاربة بصرية تلفزيونية، ترتقي إلى مستوى السينما الملحمية، وهذا هو دأبه منذ أن قرر خوض غمار الإخراج متخلياً عن نجوميته في ميدان التمثيل، حيث كان يصنف من الطبقة الأولى لنجوم الدراما التلفزيونية السورية.

حاتم علي قرر أن يحول الملحمة التلفزيونية «صراع على الرمال» إلى قصيدة بصرية تنسجم مع روح القصيدة النبطية، في تحد إبداعي جديد يخوض غماره بعد تجارب وصفت بأنها مغامرات فنية محفوفة بالمخاطر بدءاً من «الزير سالم» و«ربيع قرطبة» و«صلاح الدين» ومروراً بمسلسل «التغريبة الفلسطينية» وانتهاء ب«الملك فاروق».

«البيان» التقت حاتم علي.. وحاورته حول مسلسله الجديد «صراع على الرمال» الذي تتواصل عمليات تصويره في عروس الصحراء السورية مدينة تدمر التاريخية، بعد أن أنجز عمليات التصوير في المغرب.

* ما الذي جذبك إلى مسلسل «صراع على الرمال»، وهل شعرت بأنها مغامرة خصوصاً أنها التجربة الأولى لك على صعيد إخراج مسلسل بدوي؟

- جذبني إلى هذا العمل طبيعة العلاقات بين شخصياته، وأيضاً أفكاره الفنية التي يطرحها، إضافة إلى الشكل الفني الذي هو برأيي واحد من الإغراءات التي يواجهها المخرج في أي عمل سيقدمه، ربما سيكون إغراء مهماً تماماً كأهمية المحتوى والمضامين التي يطرحها العمل الفني.

والمسلسل الذي أستقي مادته من أشعار وخيال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، يحاول رصد صراع بين قبيلتين متناحرتين في مطلع القرن الثامن عشر في منطقة الجزيرة العربية، وخلال هذا الصراع تنشأ علاقة حب بين شاب وفتاة من القبيلتين المتصارعتين،

والمسلسل يطرح أسئلة حول قدرة هذا الحب على أن يعيد للطبيعة توازنها ، وهل يمكن للحب بكافة أشكاله أن ينمو تحت ظلال سيوف وفي جو من الكراهية.؟. أم أن الأمان شرط لسيادة كل المعاني الخيرة في العالم؟

* لكن هناك انطباع سائد بأن المسلسلات البدوية لديها سقف معين لا يمكن لها أن تتجاوزه، فكيف تجاوزت في هذا العمل ذلك السقف؟

- يمكن اعتبار العمل دراما تاريخية وليس دراما بدوية فحسب، على اعتبار أن زمن الأحداث في مطلع القرن الثامن عشر. ومع الأسف ساد لسنوات طويلة التعامل مع هذا النوع من الدراما على أنها صناعة من النخب الثاني أو الثالث،

هذا العمل محاولة لرد الاعتبار لهذا النوع من الدراما، من خلال توفير كل ما يتطلبه العمل الفني من ممثلين ومن ديكورات وملابس وطاقم فني في التصوير والماكياج والمعارك، إضافة، بطبيعة الحال، إلى نص جيد ومتماسك ومبني على فكرة وأشعار لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. أنا أؤمن بأن توافر كل هذه العناصر، لابد وأن يكون مقدمة لعمل نطمح أن يكون عملاً جيداً.

منجز بصري

* أتيت إلى هذا المسلسل وخلفك منجزات كبيرة على صعيد الدراما العربية، ما الجديد الذي أضافه هذا العمل لك كمخرج؟

- الشكل والمضمون أمران لا ينفصلان، الشكل حامل لمضامين فكرية ومن دونها يصبح مجرد شكل لا معنى له. ما جعلني أتحمس لخوض هذه التجربة رغبتي في التجريب، عملت في الدراما التاريخية والدراما المعاصرة وجربت إلى حد ما الدراما الكوميدية، والدراما السياسية،

وأظن أن هذا العالم أي البيئة البدوية مغرية من الناحية البصرية لي، مغرية بطبيعة العلاقات الاجتماعية الموجودة فيها، ومن نواح كثيرة جداً.. التعامل مع هذه البيئة باحترام وبحرفية وبمهنية أظن انه قد يقودنا إلى تقديم عمل جيد يساهم في التنوع الذي تميزت به الدراما السورية.

* هل استعنت بخبرات غير سورية؟

- بطبيعة الحال، المعارك صممها وشارك في تنفيذها فريق إسباني، والماكياج من إيران، والموسيقي الأردني طارق الناصر يشارك أيضاً في صناعة بنية موسيقية غنائية للعمل. نجوم من سوريا ومن المغرب ومن الأردن.

أعتقد أن العمل يضم خبرات عربية متنوعة وغير عربية. وأظن أن هذا أصبح مطلباً ليس ترفيهياً بل هو مطلب جوهري وأساسي للدراما، فيما إذا أرادت فعلاً أن تساير متطلبات المشاهد العصرية، مع ما تقدمه هذه الصناعة كل يوم من منجزات تقنية وفنية جديدة.

* هل لديك مقترحات بصرية تعتبرها خاصة في هذا العمل؟

- أنا لا أقصد ذلك قصداً، وكل نص يطرح على المخرج حلوله الخاصة، وأي استقدام لحلول جاهزة، سيكون برأيي خطأ فادحاً يرتكبه المخرج عادة. بمعنى آخر، أنا شخصياً لا أقصد شيئا جديدا، لكن المادة نفسها تطرح عليك حلولها المختلفة عن العمل الذي سبقها.

* الشائع أن مفردات الحياة البدوية بسيطة، ولا تتيح للمخرج أن يجمح بخياله؟

- لا أظن ذلك، فأنا أراها على نفس درجة المقترحات الاجتماعية التي يقدمها العمل التاريخي، لكن أعتقد أن الحياة الاجتماعية، كعادتي في كل أعمالي، لابد وأن تكون حاضرة في العمل، وهذه ربما واحدة من الأشياء التي لم نشاهدها سابقاً في مسلسلاتنا البدوية التي تبدو شخوصها وكأنها تعيش مقطوعة عن العالم الخارجي،

في عالم أنا أسميه الواقع التلفزيوني على اعتبار أن المسلسلات البدوية تستنسخ شخوصها وطبيعة علاقاتها من مسلسلات أخرى سبقتها، وشيئاً فشيئاً أصبح لدينا بدواً تلفزيونيين، لا يمتون إلى البدو الحقيقيين بصلة.

الماضي معاصراً

* البعض يرى أن اللجوء إلى الأعمال البدوية أو التاريخية نوع من الهروب من الواقع، كيف ترى الأمر؟

- أظن أن العمل التاريخي، وكل تجاربنا لعمل مسلسل تاريخي لم تكن بمنأى عن تدخلات الرقابة وربما أكثر بكثير. وبالتالي ليس صحيحاً أن العمل التاريخي هو هروب من استحقاقات الواقع..أعتقد أن معاصرة العمل الفني أساساً لا تنبع من زمن وقوع الأحداث، وإنما من الأفكار والمضامين التي يطرحها هذا العمل.

وفي هذا المعنى يمكن القول إن الكثير من المسلسلات التي تدور أحداثها في زمن مضى هي أكثر معاصرة من الكثير من الأعمال التي تقع أحداثها في الزمن الحاضر، ولكنها بأفكارها التي تطرحها وبالمعالجات الفنية المتخلفة تعود إلى العصور الوسطى وعصور الظلام. وبالتالي معاصرة العمل الفني لا علاقة لها بزمن الأحداث.

* بعد النجاح الكبير لمسلسل «الملك فاروق» وقبله «التغريبة الفلسطينية» و«صلاح الدين»، هل بت تخشى على هذا النجاح؟

- كل عمل فني يحمل خطورته بذاته، ولا يمكن التكهن أبداً بنتائجه لأنها ليست مرهونة فقط بشخص المخرج، وإنما بالظروف المحيطة بعملية صناعة العمل الفني وأيضاً، والأهم بظروف عرضه، وهذه أمور لا يمكن لصانع العمل أن يتحكم بها. إذن كل عمل فني هو بحد ذاته مخاطرة ومغامرة جديدة.