خلص محللون في تناولهم تأثير أزمة الرهن العقاري عالي المخاطر العالمية على الاقتصاد الإماراتي إلى نفس النتيجة التي خلص إليها معالي سلطان بن ناصر السويدي محافظ مصرف الإمارات المركزي باستبعاد أي تأثيرات سلبية في سوق الائتمان العقاري محلياً.
وذهب البعض إلى حد القول بأن المقولة التي كانت رائجة في يوم من الأيام والقائلة بأن الاقتصاديات العالمية تصاب بوعكة برد قاسية بمجرد إصابة الاقتصاد الأميركي بالزكام غير ممكن إطلاقها بعواهنها على الاقتصاد الإماراتي، فرغم تعرض الاقتصاد الأميركي لأزمة رهن عقاري وتراجع سعر صرف الدولار، إلا أنه في المقابل، يحتفظ الاقتصاد الإماراتي بكامل لياقته وعافيته.
وقد ثارت تساؤلات بين المهتمين والمراقبين في دول مجلس التعاون الخليجي وفي الإمارات خصوصاً حول إمكانية انتقال الأزمة إلى أسواق المنطقة وكيفية التصدي لها إذا ما حدث ذلك، وذلك في ظل العولمة بشكل عام وعولمة الأسواق المالية على وجه الخصوص، واجتهد المحللون في تسليط الضوء على أسباب وتداعياتها على الأسواق المالية،
وتقييم المخاطر الناجمة عن انتقالها إلى الأسواق الخليجية، وسياسات وإجراءات التخفيف من آثارها. وأستأنس معالي سلطان بن ناصر السويدي محافظ مصرف الإمارات المركزي بلغة الأرقام للتدليل على سلامة وعافية سوق الائتمان العقاري في الدولة بقوله: إن انكشاف البنوك الإماراتية على القروض العقارية يقع تحت النسبة المحددة،
مشيراً إلى أن هذه القروض تتوزع ما بين قروض أفراد بنسبة 2. 41% من مجموع القروض العقارية، وقروض شركات بنسبة 3. 29% وقروض مطوري عقارات بنسبة 5. 29%. وقد نهض مثل هذا الاهتمام من جانب الباحثين والمحللين استنادا إلى واقع مفاده أن الولايات المتحدة تشكل ثقلا مهما في صيرورة الأوضاع الاقتصادية بالإمارات التي حافظت حتى الآن بعلاقة الربط بين عملتها والدولار الأميركي،
حيث ما زالت الولايات المتحدة تشغل مكانة القطب الرئيسي على صعيد الاقتصاد العالمي، بمساهماتها بنحو 30% من إجمالي الناتج العالمي، وحوالي 20% من مقياس تعادل القوة الشرائية الذي يأخذ في الحسبان معدلات التضخم وأسعار الصرف، وذلك بالرغم من تعرض مكانتها للتراجع بفعل النمو السريع لاقتصاديات كل من روسيا والهند والصين والتي تتجاوز حصتها مجتمعة في الإنتاج العالمي حصة الولايات المتحدة.
استبعاد التأثر بالمخاطر
وطرحت أزمة سوق الائتمان العقاري الأميركية نوعين من التساؤلات، يتعلق أولها بمدى ونطاق تأثيرات هذه الأزمة على أسواق الائتمان في منطقة الخليج بشكل عام والإمارات على نحو خاص، فيما يتصل ثانيها بما إذا كانت الإمارات ستواجهه أزمة رهن عقاري خاصة بها،
وخلصت إجابات المحللين على هذين السؤالين إلى نتيجة مؤداها أنه من غير المحتمل حدوث ذلك، أو على الأقل، لم يحن الوقت بعد لظهور أعراض هذه الأزمة في أسواق الائتمان المحلية. من جانب، أعرب شاهزاد شاهباز الرئيس التنفيذي في بنك دبي الوطني عن اعتقاده بأنه إذا ما كانت هناك أية تأثيرات محلية،
فإنها ستكون محدودة. وأضاف شارحا أنه يمكن أن يشعر بهذه التأثيرات كل من المؤسسات والأفراد الأثرياء الذين يستثمرون في محفظة الرهون العقارية العالية المخاطر، أو الأدوات المالية ذات الصلة.
ويتفق مونيز بازي مستشار مالي ومدير إقليمي سابق بمؤسسة ميريل لينش مع الرأي القائل بانكشاف منطقة الشرق الأوسط أمام مخاطر أزمة الرهن العقاري ولكنه قلل من أهمية هذه التأثيرات بقوله انه لن تكون هناك أهمية كبيرة لمثل هذه المضاعفات، ومع ذلك، يعتقد بازي أن آثار الأزمة في الولايات المتحدة لم تمتد الخارج، وأن حجم المشكلة مازال غير معروف،
كما أنه من غير المعروف بموعد انتهاء هذه الأزمة، واستدرك شارحا بأن مبعث القلق الرئيسي بالنسبة له يتمثل في صناديق التحوط، نظرا لاعتياد هذه الصناديق علي الانخراط في إستراتيجيات استثمارية بالغة التعقيد وتابع قائلاً: إن الكثير من المستثمرين المحليين مشاركين في صناديق التحوط، وهو ما يبعث علي القلق،
حيث أصابت الأزمة بالفعل بعض صناديق التحوط العالمية في الشركات الاستثمارية الكبرى علي غرار «بير ستيرنز» و«سيتي جروب» وجولدمان ساكس»، كما طالت تأثيراتها شركات العقارات المستقلة في الولايات المتحدة، من بينها، شركة «هوم ديبوت» التي سجلت أرباحاً ربعية أقل بسبب تأثرها بسوق العقار، بل شعرت شركات المعادن والتعدين الأقل ارتباطا بسوق العقارات بتأثيرات هذه الأزمة.
حالة عدم يقين
وفيما تسود أسواق المال العالمية حالة من انعدام اليقين، أظهر قطاع العقارات في الإمارات قدرة كبيرة علي مقاومة هذه الموجة، وذلك بحسب آراء الاقتصاديين. وقدرت مؤسسة سکذ، المتخصصة في وضع التصنيفات الائتمانية، في إطار تعليقها على العشرين بنكا من منطقة الخليج العربي الذين يشملهم تصنيفها: تتمثل نتيجة بحثنا الرئيسة في أن الأغلبية العظمى من البنوك ليس لها أي علاقة بأزمة القروض الأميركية،
أو أن علاقتها محدودة للغاية، ونعتقد بأن أية مخاطر قد تحملها هذه الأزمة قابلة للتعامل معها، حيث ان حجمها صغير للغاية في هذه الدول. وأكدت مؤسسة موديز تصنيف إعمار الائتماني (A3) والذي منحتها إياه في يوليو الماضي قائلة في هذا الوقت يعتبر التصنيف ثابتا وليس هنالك أي أمر يدعو لتغييره.
وقدرت دراسة أجرتها مؤسسة «ميريل لينش» العالمية أن أسواق الرهن العقاري في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا ستشهد نمواً متزايداً لأسباب جوهرية عدة، تتمثل في زيادة نسبة الشباب بين السكان وتوفر الوحدات السكنية بشكل واسع وتوفر آليات التمويل الإسكاني الضرورية بشكل أكبر من ذي قبل.
وشملت الدراسة.أسواق السعودية والإمارات والبحرين وقطر ومصر والمغرب وتونس وجنوب افريقيا. كما شملت الدراسة بيانات عن 12 اقتصاداً آخر في وسط وشرق أوروبا. وأشارت إلى إمكانات النمو الكبيرة في قطاع تمويل الإسكان بمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا ووسط وشرق أوروبا، وبصورة خاصة لشريحة كبيرة من سكان المنطقة الذين يتراوح مستوى دخلهم بين المنخفض والمتوسط.
وقال رئيس قسم أبحاث التمويل الدولي المركب في «ميريل لينش» اليكساندر باتشفاروف: إن اختيارات الرهن العقاري أصبحت أمراً مجدياً لأعداد أكبر من الناس بفضل ارتفاع مستوى الاستقرار الاقتصادي الكلي من خلال نسب الفائدة المتدنية ومستوى التضخم الأكثر انخفاضاً مضيفاً بأن التحدي الذي تواجهه المصارف يتمثل في تلبية الطلب على التمويل عبر تطوير أساليب سوقية فعّالة.
تجاوز الأزمة
وقال ماريوس ماراثيفتس الرئيس الإقليمي لبحوث الشرق الأوسط وشمال افريقيا في ستاندرد تشارترد بنك إن أزمة الرهن العقاري تؤثر عملياً على المنطقة بما في ذلك الإمارات، لكن هناك قدرة واضحة على تجاوز تأثير تلك الأزمة في الدولة بعد أن أصبح لدى القطاع المصرفي حالياً أدوات تمكنه من التعامل بكفاءة مع الآثار الناجمة عنها،
خصوصاً وان البنوك المحلية تتمتع بقدرات مالية عالية وهي قادرة على توفير الموارد اللازمة لتمويل الإقراض من خلال زيادة رأس المال الذي يجعلها تتوسع في إعطاء القروض دون الحاجة إلى الاعتماد على توفير مواردها من الأسواق العالمية بالدولار،
لكن هناك وجهاً آخر لآثار الأزمة يتمثل بالشركات التي تحصل على الأموال بالعملات الأجنبية وبعض هذه الشركات مدرجة في أسواق الأسهم وبالتالي فإن تأثرها السلبي بتراجع موارد التمويل العالمية يمكن أن يترك انعكاساته على الأسواق المالية المحلية.
وفي السياق ذاته، استبعد ريتشارد جيبز كبير الاقتصاديين الاستشاريين في بنك أبو ظبي التجاري تأثر العوامل الهيكلية المتضمنة في الطلب القوي علي العقارات في الإمارات بالمتاعب والمصاعب التي تسود الأسواق المالية والناجمة عن مخاطر الائتمان في كل من الأسواق الصاعدة والمتقدمة على حد سواء.
وخلص ريتشارد جيبز في معرض تقييمه لقطاع العقارات في الإمارات إلى استنتاج مفاده أنه من المهم الإقرار بأن المستثمرين العالميين اكتشفوا على نحو سريع فضائل الاستثمار في العقارات الصناعية والسكنية والتجارية، بوصفها من فئات الأصول ذات القيمة المضافة.
والأكثر من ذلك، يحظى القطاع - والكلام مازال له ـ بالكثير من العوامل المعززة والداعمة، ويبرز من بينها تسارع النمو السكاني، ونمو معدلات التوظيف. إلى جانب توسع قطاعات الخدمات المالية والأعمال، وتحرير قوانين تملك الأجانب للعقارات، وعجز المعروض من العقارات السكنية والتجارية، والتطور المستمر في مشروعات الإنشاءات الضخمة.
ولاحظ ريتشارد جيبز أن أسعار إيجارات المكاتب في دبي مازالت خارج قائمة المدن العشر الأكثر غلوا في أسعار العقارات على مستوى العالم بسعر يبلغ 60. 89 دولارا لقدم المكعب الواحد، وذلك بالمقارنة مع هونغ كونغ التي تشغل المرتبة العاشرة ضمكن القائمة، والتي يبلغ فيها سعر إيجار المكاتب 20. 97 دولارا للقدم المكعب الواحد،
كما تشهد دبي الآن أعلى معدل للأشغال الفندقي، بنسبة بلغت 1. 86%، فيما بلغ المتوسط الإقليمي على مستوى الشرق الأوسط حوالي 2. 70%. وخلص ريتشارد جيبز قائلا إنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن الاقتصاديات الخليجية ليست موردة صافية للمدخرات والائتمان لأسواق المال العالمية، ويعني استمرار أسعار النفط المرتفعة أن اقتصاديات هذه الدول ستظل محتفظة بفوائض موازناتها واحتياطياتها الجارية،
وتوقع أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة مجلس التعاون الخليجي نموا قويا نسبته 6% بالمقارنة مع معدل نمو بلغ 5. 6% في عام 2006، وقدر بأن يكون الاقتصاد الإماراتي في صدارة قائمة الاقتصاديات ذات الأداء القوي، بتحقيق معدل نمو في عام 2007 يتجاوز 5. 8% بالمقارنة مع معدل نمو في عام 2006 بلغ 4. 9%، مضيف بأن النمو السريع واصل ضغوطه على جانبي الطلب والأسعار في اتجاه المزيد من الصعود.
ويعتقد جيبز أن صانعي السياسات في دول مجلس التعاون الخليجي سيعززون بقوة مكانة المنطقة على خريطة أسواق المال العالمية عن طريق مواصلة الجهود الرامية إلى تطوير أسواق مال تنافسية تتميز بالكفاءة والشفافية، وتعزز الدلائل من المملكة المتحدة واستراليا بوضوح الفوائد الضخمة والمنافع الضخمة التي تتدفق من قطاعات أسواق المال المزدهرة والمتوسعة إلى كافة القطاعات الاقتصادية الأخرى.
وسلط جيبز الضوء علي احدى التطورات المرتبطة بالسياسات الاقتصادية قائلا: إنه من شأن الإعلان في 12 يونيو الماضي عن أنه من المحتمل في مطلع العام المقبل أن يسري قانون الشركات الجديد الذي يسمح بتملك الأجانب حصصاً في الشركات تصل في بعض القطاعات إلى 100% أن يتيح زيادة حصص الأجانب في الاقتصاد الإماراتي،
ويساعد على استقطاب معدلات مؤثرة من الاستثمارات والابتكارات التكنولوجية، كما أن التحرك نحو الانتهاء من وضع مشروع قانون المنافسة من شأنه أن يؤسس سياسات حصيفة لحماية ودعم التنافس الصحي في مختلف القطاعات الاقتصادية.
وأضاف قائلاً: من المهم بمكان للإمارات التي تمتلك احد أكثر الاقتصادات ديناميكية على مستوى المنطقة أن تلعب دوراً قيادياً في تشجيع المنافسة والتجارة الحرة والعادلة في أسواق الاستهلاك الرئيسية،
وقد أظهر المؤشر المركب لأسواق الأسهم في دول مجلس التعاون الخليجي ـ بحسب جينز ـ أن صانعي السياسات في دول مجلس التعاون الخليجي سيعززون بقوة مكانة المنطقة على خريطة أسواق المال العالمية عن طريق مواصلة الجهود الرامية إلى تطوير أسواق مال تنافسية تتميز بالكفاءة والشفافية، وتعزز الدلائل من المملكة المتحدة واستراليا بوضوح الفوائد الضخمة والمنافع الضخمة التي تتدفق من قطاعات أسواق المال المزدهرة والمتوسعة إلى كافة القطاعات الاقتصادية الأخرى.
حصانة الاقتصاد الإماراتي
وأرجع محللون أسباب حصانه الاقتصادي الإماراتي إزاء تداعيات أزمة الرهن العقاري الأميركية إلى اختلاف سوق العقار في الإمارات تماما عن نظيره الأميركي كما أن المؤشرات التي يتأثر بها مؤشرات حساسة للغاية تعطي بعدا أكبر لقراءاتها، وبذلك فإن التأثيرات الداخلية التي تقع على الاقتصاد الأميركي ليس بالضرورة أن تنتقل إلى الاقتصاد المحلي أو الاقتصاديات الأخرى المجاورة.
وأيضا قروض الرهون العقارية في أميركا توصف بأنها قروض عالية المخاطر ورديئة أما قروض الرهون العقارية في الدولة فهي قروض ممتازة منخفضة المخاطر حيث لا تمنح للعميل إلا بعد التأكد من مستوى دخله وخلفيته الائتمانية ومقدرته على الإيفاء بسداد الأقساط
إضافة إلى دراسة موقع الوحدات الممولة والتأثيرات المحيطة بها، كما أن هناك سبباً آخر وهو أن السوق العقارية المحلية سوق ناشئة وواعدة وليست سوقاً متقدمة كالأسواق الأميركية إضافة إلى زيادة الطلب على الوحدات السكنية تحافظ على نمو هذا القطاع لسنوات عدة مستقبلاً.
وبمقدور المستثمرين والتجار استخلاص دروس عديدة من هذه الأزمة في مجالات أربعة رئيسية، وهي الحاجة إلى تسعير المخاطر بشكل ملائم لتشمل من حيث الواقع كلا من الإصدارات السائلة والائتمانية، واعتماد مستويات عالية من الحصافة فيما يتعلق بالاستثمار في صناديق التحوط من المخاطر، وتبني نهجا يقوم على المزيد من الشفافية والتنويع في طريقة تسعير وتداول مشتقات أدوات الدين المورقة في أسواق المال.
دبي ـ مجدي عبيد