رأى محللون أن الاقتصاد الصيني لم يتحرر بعد من التقلبات رغم أن التوقعات تشير إلى تحقيقه معدل نمو مرتفع يبلغ 9% للعام الخامس على التوالي. وكان مؤتمر العمل الاقتصادي المركزي دعا إلى توجيه التنمية الاقتصادية الصينية إلى نمط «سريع وسليم» للتنمية خلال عام 2005. وقام المؤتمر الأساسي عقب ذلك بعام بتغيير الصياغة إلى تنمية «سليمة وسريعة».

ويبرهن التركيز على كلمة «سليمة» على صحة التحليلات التي تقول ان الاقتصاد الصيني يرتكز على ساق واحدة، كما يبرهن على تصميم الحكومة المركزية على تسريع تحول نمط النمو وتحقيق تنمية شاملة ومتوازنة ومستدامة. ويفسر تقرير نشرته وكالة الأنباء الصينية حالة الاقتصاد الصيني من خلال المثل الصيني السائر الذي يقول «ان المفهوم في حد ذاته ليس صعبا على الإطلاق أن نفهمه، لكن الشيء الصعب هو أن ننفذه»،

ولذا فإن الحكومة من خلال إعطائها الأولوية القصوى لكلمة «سليمة» ستضطر إلى استغراق وقت طويل قبل أن تحقق التوازنات بين سرعة النمو وجودته، والاستهلاك والاستثمار والتصدير، وزيادة السكان والموارد البيئية، وقبل كل شيء التوازن بين الإصلاح والاستقرار.

وأدى الارتفاع الضخم في أسعار المواد الغذائية إلى رفع مؤشر أسعار المستهلك إلى أعلى مستوى له خلال 11 عاما بنسبة 9. 6% خلال نوفمبر. وارتفعت أسعار المواد الغذائية التي تؤثر بنسبة 33% على مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 2. 18% خلال الشهر الماضي.

وأصبح التضخم المرتفع الذي تخطى بالفعل نسبة 3% المستهدفة طوال عام 2007 هاجسا رئيسيا يؤرق الحكومة خشية أن يؤدي ذلك إلى تفاقم صعوبة ظروف المعيشة بالنسبة للفقراء. وقد اعتبرت زيادة السعر «زيادة هيكلية ومؤقتة في طبيعتها» لأن هذه الزيادات لم تأت نتيجة لانعدام التوازن بين الطلب الاجتماعي العام والعرض.

لكن هناك اعتقادا شائعا بأن الصين تمر بفترة سيواصل خلالها التضخم ارتفاعه. وبذلت السلطات جهوداً كبيرة لمنع تحول زيادات الأسعار الهيكلية إلى تضخم فعلي، وأعطت الأمر أهمية كبيرة كأساس للسيطرة على الاقتصاد الكلي. وبدأ الناس يشعرون بالقلق حيال اضطرارهم إلى دفع المزيد من المال من اجل ملء سلة مشترياتهم في الوقت الذي يوشك فيه العام على الانقضاء.

وأصبحت «السيولة المفرطة» خلال الأعوام الأخيرة من بين أكثر العبارات الاقتصادية شيوعا، وهى عادة ما تشير إلى وضع اقتصادي توجد فيه وفرة من عرض رؤوس الأموال ويوجد لدى البنوك حافز قوي للإقراض. وقد أقلق الصين التي تأثرت سلبيا باختلال التوازن في الاقتصاد العالمي الفائض التجاري المتصاعد الذي أدى إلى توافر احتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي ومبادرة النظام المصرفي إلى الإقراض.

وتنبأ تقرير موقف التجارة الخارجية الصينية بأن يصل الفائض التجاري السنوي للبلاد سيصل إلى 250 مليار دولار أميركي خلال العام الحالي. وعلى الرغم من أن تشديد السياسات النقدية مثل وضع قيود على الإقراض من المحتمل أن يخفف من حدة المشكلة،

لكن الأساس يكمن في تحقيق توازن بين المكاسب والمدفوعات من النقد الأجنبي. ويتطلب الأمر نموا معقولا للعملة الصينية، اليوان من جهة وتوسيع نطاق الطلب المحلي وإصلاح النظام المالي من الجهة الأخرى.

ووصلت العملة الصينية، اليوان، إلى ارتفاع جديد لها في مقابل الدولار الأميركي منتصف الشهر الجاري حيث تخطت حاجز 36. 7 يوان، ووصل سعر الصرف الرسم المركز إلى 35. 7 يوان مقابل كل دولار. وارتفعت قيمة اليوان بنسبة حوالي 11% منذ قيام الصين بتحرير سعر الصرف في يوليو من عام 2005 بعد أن كان مرتبطا بالدولار الأميركي.

ويقول بعض النقاد إن اليوان قد تم تقديره بأقل من قيمته الحقيقية ما أعطى الصادرات الصينية ميزة غير عادلة في السعر واعتبروه أيضاً السبب الرئيسي وراء الاختلال الرهيب في التوازن التجاري بين الصين وشركائها التجاريين الرئيسيين.

لكن نائبة رئيس مجلس الدولة ون جيا باو قالت خلال قمة الأعمال الرابعة بين الصين والاتحاد الأوروبي التي عقدت مؤخرا إن الصين ستواصل اتباع أسلوب مستقل وقابل للسيطرة عليه ومتدرج من أجل تحسين آلية سعر الصرف.

وأشارت إلى أن الصين ستمنح الفرصة كاملة للدور الأساسي للعرض والطلب في السوق مع إصلاح نظام سعر الصرف لديها في نفس الوقت من اجل تدعيم مرونة اليوان وجعله قابلا للتحويل تدريجيا وفقا لحساب رأس المال.

ورفع بنك الشعب الصيني، البنك المركزي، من السعر الأساسي للودائع والإقراض أيام 18 مارس و19 مايو و21 يوليو و21 أغسطس و15 سبتمبر من العام الحالي. كما رفع البنك أسعار الفائدة للمرة السادسة خلال العام الحالي من اجل تبريد النمو الاقتصادي المحموم عقب تسارع التضخم بأقصى خطى له منذ عام 1996.

وكانت مثل هذه الارتفاعات في أسعار الفائدة نادرة في التاريخ، وقد أمر البنك المركزي من جهة أخرى المقرضين بتجنيب المزيد من الأموال كاحتياطيات خلال عشر مرات. وكانت آخر زيادة بنسبة 1% في معدل الاحتياطي هي الأكبر خلال أربعة أعوام.

وتهدف السياسات النقدية في شكل «ضغوط عوامل مجمعة» كما وصفها الخبراء إلى تدعيم العملة وتوجيه نمو الاستثمارات. وتقول المصادر المصرفية إن الحكومة ستسيطر بصرامة خلال العام المقبل على عرض النقود والائتمان وتراقب عن كثب إيقاع العرض.

وفيما يخص الملكية والتي أثارت جدلا كبيرا خلال الفترة الماضية يفسرها تقرير حكومي صدر مؤخراً على أنها المكاسب الناتجة عن ودائع البنوك والأوراق المالية القابلة للتداول والممتلكات الشخصية الأخرى وكذلك المنازل والسيارات والتحصيلات المالية والاستثمارات العقارية الأخرى التي تملكها الأسر.

وتعهدت الحكومة بتوفير الظروف الملائمة من اجل تمكين المزيد من المواطنين من الحصول على دخل الملكية. وذكر يي شيان رونغ، الباحث في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، ان أهم السبل من اجل التأكد من تمتع الجماهير بزيادة في دخل الملكية هو زيادة نسبة مكافآت العمل في التوزيع الأولي.

وأصبحت مفاهيم الحفاظ على الطاقة وتخفيض الانبعاثات من بين المفاهيم الشائعة للحكومة المركزية والحكومات المحلية، وحازت أيضاً على مساندة الشعب الصيني. وظهرت خلال عام 2007 نقطة تحول للمرة الأولى في مجال الحفاظ على الطاقة وتخفيض الانبعاثات،

وانخفض استهلاك الطاقة لكل وحدة من وحدات إجمالي الناتج المحلي خلال الأرباع الثلاثة الأولى من العام بنسبة 3% وانخفضت كميات التخلص من كل من ثاني أكسيد الكبريت والطلب على الأكسجين الكيماوي للمرة الأولى.

ويرى خبراء أن البلاد ستحقق هدف الخطوط العريضة للخطة الخامسة الحادية عشرة وهو «أننا سننجز خلال الفترة من 2006 إلى 2010 هدف تخفيض استهلاك الطاقة لكل وحدة من وحدات إجمالي الناتج المحلي بنسبة حوالي 20%

وتخفيض الانبعاثات الكلية للملوثات الرئيسية بنسبة 10%». وسيكون العام القادم حاسما بالنسبة لتحقيق هذا الهدف الإلزامي، وسيتطلب الأمر جهودا متضافرة من المجتمع بأكمله من اجل تحقيق هذا الهدف».

واتخذت الهيئة التشريعية الصينية خلال العام الحالي خطوة مهمة نحو الأمام من اجل تدعيم تشريعاتها الاقتصادية. وينص قانون ضريبة دخل الشركات على «ان تكون ضريبة الدخل المفروضة على الشركات ذات التمويل الصيني وتلك ذات التمويل الأجنبي هي 25%.

وينص قانون حقوق الملكية على أن «حقوق ملكية الدولة والمتحصلات والأفراد وكذلك حقوق الملكية لأصحاب الحقوق الآخرين مصانة بواسطة القانون ولا يمكن لوحدة اقتصادية أو فرد التعدي على هذه الحقوق». كما ينص قانون مكافحة الاحتكار على ان دمج وامتلاك رؤوس الأموال الأجنبية الذي يتعلق بالأمن القومي ينبغي أن يخضع لنوعين من الفحص.

وتبنت الهيئة التشريعية أيضاً سلسلة من القوانين الجديدة ومن بينها قانون عقود العمل وقانون ترقية الموظفين الذي يهدف إلى حماية الحقوق الأساسية للشعب والقانون الخاص بالتخطيط العمراني والريفي ومشروع تعديل قانون الحفاظ على الطاقة الذي سعى إلى توضيح اتجاه للاقتصاد الكلي.

وتعمقت التشريعات الاقتصادية عن مستوى التشريعات الإطارية وأعطت المزيد من الاهتمام لإقامة النظام وتوحيد معايير الحقوق والمسؤوليات وكذلك حماية الحقوق والمكاسب. عانت عبارة «صنع في الصين» المألوفة للكثيرين من عدة بلدان حول العالم من «أزمة ثقة» غير مسبوقة خلال العام الحالي.

وكانت الشرارة التي أشعلت الأزمة هي سحب شركة «ماتيل» الألعاب الصينية من الأسواق، وهذه الحقيقة التي أشارت إلى مواجهة المصدرين الصينيين لمشاكل تتعلق بجودة ما يصدرونه من ألعاب الأطفال ومعاجين الأسنان والأغذية. وتقول بكين إن أسباب سحب هذه المنتجات لم تكن لمجرد عيوب في الجودة،

بل كانت بسبب نزاعات على المعايير والحواجز الفنية وحماية التجارة وتصعيد التغطية الإعلامية. وبدا ان الصين صممت على استعادة الثقة في منتجاتها من خلال حملة عالمية استمرت مدة أربعة أشهر من اجل تصحيح جودة المنتجات وسلامة الأغذية.

وتولي وزارة المالية الصينية اهتماما بالغا بإصلاح ضريبة القيمة المضافة وضريبة الموارد في العام المقبل. وقال وزير المالية الصيني شيه شيوي رن ان الصين ستنفذ القانون الجديد لضريبة دخل المؤسسات والإجراءات الملحقة ابتداء من يناير 2008،

وستعالج المشاكل في توزيع الضرائب بين الهيئات العامة والفروع ونقل مصادر الضرائب بين مختلف المناطق لصالح الإصلاحات. وزادت الصين النقاط التجريبية لإصلاح تحويل ضريبة القيمة المضافة بثمانية قطاعات في 26 قاعدة صناعية قديمة في وسط الصين العام الحالي،

وأكدت أنها ستواصل هذه التجربة في العام المقبل وتبحث في خطة الإصلاح في عموم البلاد. أما بالنسبة إلى ضريبة الموارد فقال إن خطة الإصلاح لهذه الضريبة تنتظر الموافقة حاليا، مشيرا إلى أن الإصلاح سيتمسك بمبدأي التحصيل على أساس السعر وحماية الموارد.

وفى العام الحالي شهدت ضرائب الانتفاع بالأرض في المدن والبلدات والسيارات والسفن والانتفاع بالأراضي المزروعة اكتمالا تدريجيا. وأضاف شيه أن الصين ستنفذ لوائح جديدة للانتفاع بالأراضي المزروعة في العام المقبل. وإضافة إلى ذلك، ستدرس الصين مسألة توحيد ضريبة بناء المدن للمؤسسات المحلية والأجنبية والنظام الإضافي لنفقات التعليم في العام 2008.

كما كشفت أنها ستشكل نظاما ماليا وضريبيا صالحا للتنمية العلمية من خلال تكميل إصلاح النظام وتعميق إصلاح نظام الميزانية وتوسيع نطاق الإصلاح الشامل الريفي ودفع إصلاح نظام توزيع الدخل وتعميق إصلاح النظام المصرفي.

(وكالات)