إذا كان الفيلم السينمائي الطويل يتشظى إلى شطرين، مشكلاً معادلة الاستمتاع والفائدة في بوتقة واحدة، فإن الشريط التسجيلي أو الفيلم الوثائقي يشق طريقه دفعة واحدة ومن دون استئذان نحو الفطرة السليمة دون غيرها..
في هذا السياق، سوف نحاول الإضاءة على فيلم «مغارة ماريا» للمخرجة العربية الفلسطينية بثينة كنعان خوري الذي نال جائزة المهر الفضي للأفلام الوثائقية في الدورة الرابعة لمهرجان دبي السينمائي الدولي التي اختتمت مؤخراً، إلا أن ذلك لا يعني بالمرة التقليل من أهمية وقيمة الأعمال الأخرى التي عرضت في هذا المهرجان، فكل تجربة وكل محاولة إبداعية بهذا الاتجاه الإبداعي أو ذاك هي جديرة بالتأمل والنقاش. وترصد بثينة خوري في فيلمها ظاهرة باتت تشكل مصدر قلق ليس للمجتمع الفلسطيني في الداخل فحسب.
وإنما لكافة المجتمعات العربية عموماً مجسدة بما يسمى «جرائم الشرف» الناجمة على الغالب عن قيام أحد الأفراد الذكور في أسرة ما بقتل أحد الأفراد الإناث في تلك الأسرة «غسلاً للعار» كما يقال زوراً وبهتاناً، حسب اعترافات كل من التقتهم خوري في عملها الجريء الذي يرقى إلى اعتباره وثيقة تاريخية بامتياز.
هذا العمل الإبداعي، الذي يحتمل عناوين أخرى شتى على غرار «الصدمة» أو «الغدر» أو «ماذا تبقى لكم «، يتسم بجرأة وشفافية من نوع خاص للغاية، إذ يعتبر أن الساعة قد أزفت حقاً لوضع هذه القضية الساخنة، التي تشهد تصاعداً ملحوظاً، وتشكل مصدراً للقلق في غير بقعة من هذا الوطن العربي الكبير، في سياقاتها الطبيعية التاريخية والاجتماعية والقانونية السليمة.
«مغارة ماريا» جاء ليضع طرفاً من الإصبع على طرف من الجرح ليس إلا، على الرغم من تمكنه من ملامسة معظم الابعاد المحيطة بقضية «جرائم الشرف»، التي لا يستهان بها بأي حال من الأحوال، خاصة وأن مشوارها طويل وشائك، يبدأ من المجتمع وأعرافه وتقاليده ومعتقداته السائدة.
ويمر بالواقع الطبقي للناس وانتشار الفقر بينهم على نطاق واسع وبمستويات غير مسبوقة، ما يدفعهم إلى العمل في ظروف ملتبسة وغامضة» تحت الطاولة» بعيداً عن القانون والعمل النقابي، ولا تنتهي بالبعد السياسي، الذي يتجلى في هذه الحالة، بازدواجية مرة كالعلقم، شقها الأول يتمثل في الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.
بينما تمثل الطرف الثاني سلطة فلسطينية عاجزة كلياً، حيث لا يتمكن رجال السلطة من الوصول إلى موقع إحدى جرائم الشرف التي يعرض لها الفيلم إلا بعد مرور ست ساعات على تسلمهم بلاغاً من الأهالي، يفيد بأن تلك الجريمة في طريقها إلى الوقوع.
تمكنت بثينة كنعان خوري وبجدارة من نسج خيوط قضية إنسانية من الدرجة الأولى بطريقة حاذقة لا تنقصها الطرافة وبعد النظر، فضلاً عن التصاق مشهود بالواقع الاجتماعي الساخن للناس، إذ سلطت الضوء على أكبر قدر ممكن من تفاصيل الحياة اليومية للناس العاديين، وما يكتنف المجتمع من تناقضات لا حدود لها.
كما أبدعت المخرجة بعرضها لجزئية فتاة مدينة اللد الفلسطينية العاشقة لموسيقى البوب والتي تمارس حياتها بحرية تدخلها إلى دائرة الاستهداف والخطر مع أنها تقر بوضوح أنها لم تمر حتى لحظة تصوير الفيلم بأي تجربة غرامية.
ولعل عبارة «الجميع يتغنى بالحب ويغني له في مختلف وسائل الإعلام، بينما يحظر على المرء أن يعيش ذلك الحب في الحياة الحقيقية»، التي قالتها هذه الصبية الذكية والجريئة، تلخص ببضع كلمات أم القضايا المجتمعية المتمثلة بالتناقض الفاضح بين الممارسة والنظرية.
دبي ـ باسل أبو حمدة

