«السينما الفلسطينية لن تحتاج لأحد من الخارج، ستعتمد على ذاتها، وستثبت رغم كل المعاناة أنها قادرة على الوصول إلى مستوى العالمية، وقريباً جداً سيحدث ذلك». هكذا استهل المخرج الفلسطيني أسامة قشوع حديثه إلينا عشية تقديم فيلمه «أنا فلسطيني» ضمن فعاليات الدورة الرابعة لمهرجان دبي السينمائي التي اختتمت الأحد الماضي.
ويؤكد قائلاً: «كما أراك اليوم أمامي، أرى أن السينما الفلسطينية ستحقق ذلك النجاح الكبير لأن لدينا كتاباً يستطيعون أن يكتبوا أفضل ما كتب للسينما، في فلسطين تسير من شارع لآخر لتكتشف قصصاً وحكايا كثيرة. نحن نعيش في إطار معدني لكنه شفاف للغاية، وهذه التجربة المعدنية الشفافة ستخلق تلك السينما الفلسطينية المتميزة».
يقول قشوع: «طبعاً، لا بد من أن يحصل كل سينمائي على الدعم في انطلاقته الأولى.. علاقتنا بالقضية والكاميرا وثيقة، ولكن كل شيء يعتمد على الدقة في التوقيت والرعاية. أما بالنسبة للعثور على ممثلين مناسبين، فإن ذلك ليس بالمشكلة الكبيرة، لأن كل ممثل درس التمثيل يستطيع مهما كانت جنسيته ارتداء ثوب أي شخصية. ولكن المهم أن تتوفر لدينا الشخصيات في الرواية أو القصة السينمائية وبعد ذلك يأتي دور الممثلين».
ويستطرد قائلاً: «عملية الدعم ليس بتلك الأهمية لأنها محدودة للغاية، ولن ألقي اللوم على العرب لأن كل بلد عربي لديه خصوصيته وقدراته ويعمل على تطوير ذاته، ونحن مثل أي بلد في العالم له همومه، ويحاول إبراز قدراته السينمائية، بصورة مستقلة.. والحقيقة أننا في فلسطين لدينا اهتمامات أخرى تشغلنا عن الإبداع ولاسيما الإبداع السينمائي.
ومن تلك الهموم الهاجس اليومي وذلك ما يخص توفير لقمة العيش اليومية، ولن تطلب من رب أسرة يسعى إلى رزقه، فكيف يمكن أن تدعو أي إنسان من هؤلاء لحضور فيلم أو مهرجان سينمائي، وهو لا يستطيع تحصيل قوت يومه.فهل أقنع والدي، على سبيل المثال، الذي قبض مرتب أربعة أشهر بعد معاناة سنة كاملة بدون رواتب.. أو هل أقنع السلطة الفلسطينية بأن تقوم بتمويل أحد أفلامي المستقبلية؟».
وأرف قائلاً: «في دبي ومصر وعدد آخر من الدول العربية لديهم قطاعات خاصة بالبنية التحتية للسينما، ولديهم موازنات خاصة، وتندرج كل الجهود هناك في إطار التركيز على تطوير العمل السينمائي». وحول فكرة الفيلم وعلاقة العنوان بأحوال الشعب الفلسطيني، يبادرنا بالقول: «كانت فكرة تعرض لحال الفلسطينيين في كوبا بصورة غير مباشرة.
والحقيقة فإن الفيلم يحتوي على مفارقات غريبة أولها أن كل من يطلق عليه «فلسطيني» في الفيلم هو ليس فلسطيني بل كوبي، لكن بؤسه وتشرده وعدم توفر السكن له، كلها مفارقات يمكن إسقاطها على الفلسطيني، الذي ينتمي إلى فلسطين الوطن، في حين أن كل الفلسطينيين الذين تلقاهم في كوبا، لا ينتمون إلى فلسطين الوطن بل إلى حالة البؤس والتشرد، وإلى منطقة الفقراء والمشردين في شرق كوبا».
ومن المشاهد المثيرة في الفيلم أن المخرج عندما يتجول في شوارع هافانا يتعرف على أناس كثيرين، وحين يقدم نفسه على أنه فلسطيني يضحك الناس لأنني أرتدي ثياباً أنيقة، وفي عرفهم أن الفلسطيني الكوبي هو مشرد ويرتدي ملابس مبهدلة وليس له منزل بل ينام في كل مكان أتيح له النوم فيه.
لكن أحد المواطنين الكوبيين يحاول أن يفهم الناس أن ذاك الشخص أمامهم (المخرج) هو «فلسطيني من الشرق الأوسط وينتمي إلى الفلسطينيين الذين يحاربون الإسرائيليين» !وبالعودة إلى السينما الفلسطينية، يقول قشوع: «إن كل ما نحاول عمله هو الاعتماد على الذات، فالمثل التقليدي يقول: (لا تطعمني سمكة، وتبيتني جائعاً في اليوم التالي، بل علمني الصيد حتى لا أجوع طوال حياتي).
في فيلمي كل أولئك المشردين الذين لا مأوى لهم وجائعون وثيابهم رثة... هم فلسطينيون ! لقبهم فلسطينيون، ولكن القاسم المشترك الوحيد بينهم وبين الفلسطينيين الحقيقيين، هو البؤس والحرمان الذي يعيشه قطاع كبير من الفلسطينيين». ونسأل قشوع عن كيفية اكتشافه هذه المفارقات.. فيقول: «لم يصدق أحد أنني فلسطيني لأنني كنت ألبس ثياباً أنيقة.
وكان الناس الذين ألتقي بهم يقولون: «مستحيل أن تكون فلسطيني.. بالصدفة تعرفت على شاب اسمه «فلسطيني» وكان مغنياً ومسرحياً، لم يعلمه أحد الغناء والشعر والتمثيل، بل كان يعاني ومن رحم معاناته أصبح كذلك يجوب شوارع العاصمة الكوبية هافانا، ويطلق الحكم والكلام الشعبي الجميل.
ذكرني الشاب الكوبي كثيراً بالزعيم الأميركي الأسمر الراحل مارتن لوثر كينغ، ومن كلماته المأثورة «نحن سود وأنوفنا كبيرة، وشعرنا أكرت ولكننا حلوين ورائعين»..الشيء ذاته يحدث مع هذا المغني الشعبي الذي يطلق عليه «فلسطيني»، فهو يخرج إلى الناس البسطاء في الشوارع يخاطبهم بأحاسيسهم ويرتجل الكلامات والحكم الرائعة قائلاً:» نحن فقراء.. نحن مشردون، وليس لدينا بيوت، ولكن نحن مبدعون.. وهو الوحيد بين الناس الذي يعتز أنه فلسطيني، وإن كانت التسمية في كوبا «مسبة» !
وحول أهدافه من السير في طريق السينما، يبادنا بالقول: «في ضوء ما أقدمه للسينما الفلسطينية لا أعمل ليقولوا لي شكراً، لقد انقطعت عن الدراسة الجامعية، لأن علاقتي بالقضية الفلسطينية ليست شعارات جوفاء.. رأيت أصدقاء لي وآخرون لا أعرفهم يموتون أمامنا في فلسطين، ولذلك أقول أن قضيتي عالقة في عنقي أحملها أينما رحلت أو وضعت رحالي. هي مرضي وسقمي وشفاء عللي في وقت واحد».
ويختم قشوع بالقول: «أمنيتي أن أنام وأنسى الواقع المرير التعيس الذي نعيشه، ولكن لن نستطيع ذلك بكل بساطة، لأننا مرتبطون وعالقون بها حتى الممات. وأعتقد أن الخلاص ينبع من رحم الإخلاص لها».
دبي ـ محمد نبيل سبرطلي

