بدأ كثير من اقتصادات الدول المصدرة للبترول، ينمو بخطى سريعة، بحيث باتت احتياجاتها المحلية، المتزايدة من الطاقة تؤثر سلباً على كمية النفوط التي تبيعها، الأمر الذي فاقم من الضغوط التي تشهدها أسواق النفط العالمية.

ونقلت صحيفة «انترناشونال هيرالد تربيون» عن خبراء قولهم: إن النمو الحالي الحاد فيما لو قدر له الاستمرار فإنه يعني أن كثيراً من الدول المصدرة للنفط ستتحول في غضون عقد من الزمن، إلى دول مستوردة، لتشغيل سياراتها الجديدة، ومنازلها، وصناعاتها، وتجاراتها التي تشتريها، وتؤسسها بفائض ثروتها النفطية.

وقالت الصحيفة: إن اندونيسيا كانت الأولى في هذا التحول، وبحسب بعض التوقعات، فإن الآية ستنقلب أيضاً بالنسبة للمكسيك، ثاني أكبر مصادر النفط إلى الولايات المتحدة في غضون سنوات خمس، ولن تلبث أن تلحق بها إيران، رابع أكبر مصدر للنفط في العالم.

وأكدت صحيفة «هيرالد تربيون» أن حكومات تلك البلدان، تدعم بقوة الوقود الذي تقدمه لمواطنيها، بحيث تبيعه بسعر سبعة سنتات للجالون، أو 2 سنت للتر الواحد، وهي ممارسة يقول الخبراء عنها، انها تغذي العادات الاسرافية.

وفي هذا البيان قال آمي مايرز جاف المحلل في جامعة رايس في تكساس، إن ثمة خطورة شديدة في أن تتحول كثير من الدول الرئيسية المصدرة للبترول، التي نعتمد عليها حالياً في موارد النفط العالمية، إلى دول مستوردة، في غضون مدة لا تزيد على عشر سنوات.

وهذا الاتجاه، رغم أهميته المتزايدة، فإنه لا يعني بالضرورة حدوث نقص في البترول، ويرجع الخبراء، أنه يؤذن بتحول سوقي كبير، يتمثل في تقلص عدد الدول المصدرة، وزيادة أهمية مصادر غير تقليدية، مثل الرمال النفطية الكندية، خصوصاً للولايات المتحدة. بالاضافة إلى احتمال ممارسة المزيد من الضغوط لفتح مناطق مغلقة حالياً أمام إنتاج النفط.

وربما ساهم الاستقرار السياسي وزيادة الحفريات في بعض الدول النفطية الهامة، خصوصاً العراق وإيران وفنزويلا، بالوفاء بالطلب المتزايد من جانب الدول المستوردة. وعلى الصعيد ذاته، قال «دانييل برجين» رئيس مجلس إدارة كامبريدج ريسترتش أسوسيتس في ماساكشوتس، إن الطاقة العالمية لإنتاج النفط، ستزداد 20% عما هي اليوم.

بعد عشر سنوات من الآن مستطرداً «بأن الكثير سيعتمد على التطورات الجيوسياسية» ومن المتوقع أن يطلق الطلب المحلي المتنامي، زيادة بنسبة 40% في إنتاج السعودية، من الآن وحتى عام 2010. فيما سيرجع انخفاض النصف المتوقع في الصادرات الإيرانية، إلى الاستهلاك المحلي، بحسب ما أوردته ة وورلد ماركتس.

وقال التقرير، إن معدلات الاستهلاك المحلية المتزايدة في روسيا، والمكسيك وعدد من أعضاء منظمة الدول المصدرة للبترول، ستقلص صادرات النفط بحدود 5. 2 مليون برميل يومياً في نهاية العقد، وهو ما يعادل 3% من الطلب العالمي على النفط، وقد لا يبدو هذا الرقم مرتفعاً، غير أن الخبراء يقولون: إن الطلب على النفط يتسم بالمرونة.

وأن العالم يملك طاقة إنتاجية احتياطية قليلة، بحيث أن أي نقص مهما قل، سيؤدي إلى رفع الأسعار ومثال ذلك، عندما قلص الإضراب في فنزويلا عام 2002، الإنتاج العالمي بنسبة 3% ارتفعت الأسعار 26% خلال أسابيع.

وقال تقرير الصحيفة، إن الطلب المتنامي في الدول المصدرة، هو أحد أوجه مسألة أكبر، وهو النمو الاقتصادي في أجزاء من العالم النامي، ويتوقع أن تشكل الصين والهند، نسبة كبيرة من الطلب العالمي على النفط، خلال العشرين سنة المقبلة، فيما قدر «فاتح بيرول»، كبير الاقتصاديين في وكالة الطاقة الدولية في باريس، معدل نمو الاستهلاك، لدى الدول المصدرة، باعتباره ثاني أكبر تهديد للوفاء باحتياجات العالم المتنامية من النفط.

وقال إنها مشكلة كبيرة، تتفاقم باستمرار، وكان الاستهلاك المحلي من النفط في الدول الخمس الكبرى المصدرة، وهي السعودية وروسيا، والنرويج، وإيران والإمارات، ازداد بنسبة 9. 5% خلال عام 2005 ـ 2006، وفقاً لبيانات حكومية، وبالمقابل فإن الطلب على النفط، حافظ على ثباته في الولايات المتحدة.

ومن جهة أخرى، فإن توقعات الطلب الخاصة بة، تشير إلى ان الطلب على النفط، من جانب دول نفطية كثيرة، بما فيها السعودية والكويت وليبيا، سيتضاعف خلال عقد من الزمن وعلي هذا الصعيد، قال «دونالد هيرتز مارك» إن أماكن لم تكن نتوقعها، مثل نيجيريا وأندونيسيا والمكسيك، التي تستهلك اليوم كمية قليلة نسبياً من النفط، ستشهد ارتفاعاً سريعاً في استهلاكها في المستقبل القريب.

وتضم العوامل الدافعة بهذا الاتجاه، عملية التصنيع المتزايدة، والانفاق الحكومي المرتفع، والاستهلاك الشخصي المتنامي، ووفقاً لتقرير للبنك الدولي، فإن النمو الاقتصادي في الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا تضاعف منذ تسعينات القرن الماضي وأن روسيا حققت أكثر من ذلك.

ارتفاع الاستهلاك الفردي

تفوقت بعض الدول المنتجة للنفط على الولايات المتحدة في استهلاك النفط بالنسبة للفرد الواحد. وتعد الزيادة السريعة في اقتناء المركبات، خصوصاً في دول منتجة للنفط، ذات التعداد السكاني الكبير، من العوامل الكبرى الدافعة للاستهلاك. وراح المزارعون الروس يستبدلون الأحصنة، والعربات، بالمركبات ذات الدفع الرباعي، فيما أخذ أهل المدن في اقتناء السيارات الفاخرة، حتى قبل الحصول على رخص قيادة.

وتعقيباً على ذلك قال تشارلز مكفرسون خبير النفط لدى صندوق النقد الدولي «إن معظم الدول المنتجة لديها جيل من الشباب يدخلون سن القيادة ويمتلكون القدرة على شراء السيارات نظراً لانخفاض سعر الوقود. وهذا بالتأكيد يؤدي إلى سحب المنتج من الأسواق الدولية.

وفي السياق ذاته، قالت صحيفة هيرالد تريبيون إن بعض البلدان المصدرة للنفط تلجأ إلى التحكم بالأسعار، والدعم لضمان حصول مواطنيها على وقود رخيص حيث يدفع السعوديون والإيرانيون والعراقيون ما بين 30 سنتاً و50 سنتاً لسعر الجالون من البنزين فيما يدفع الفنزويليون 7 سنتات ويتوقع أن يزداد الطلب بمقدار 10 في المئة خلال أربع سنوات وتحظى تلك البرامج بالترحيب الشعبي رغم أنها تقود إلى هدر غير مبرر للطاقة.

ترجمة: وائل الخطيب