لعب الفن على أوتار عديدة كعادته، ولكن لعبه على أوتار السياسة كان الأخطر، ساعده في ذلك أن لكل فنان جمهوره العريض وشعبيته الجارفة التي تجذبك إليه وتقتنع بآرائه وأفكاره لاسيما السياسية .
ومن هؤلاء الفنانين من له مواقف سياسية معلنة وكان ذلك واضحاً جلياً حينما جندت ثورة يوليو في مصر بعض الفنانين، فكان عبد الحليم حافظ هو المتحدث الرسمي عنها وفي حرب 48 كانت السيدة أم كلثوم سفيرة لمصر وصاحبة أكبر نشاط في جمع التبرعات للشعب الفلسطيني.وفي وقتنا الحالي نجد عددا من الفنانين اختارتهم الأمم المتحدة سفراء للنوايا الحسنة وللأمن القومي وللعديد من الوظائف السياسية، وعلى جانب آخر هناك أيضاً العديد من الفنانين ممن يعتقلون ويضطهدون، فما هي الأدوار السياسية للفنان، وكيف يتعاطى السياسة، وما علاقة الجمهور بتوجهاته أو انتماءاته السياسية وما مدى تأثير تمسكهم بآرائهم عليهم كأفراد وما يجلبه عليهم من مصاعب ومتاعب.
يقول الفنان محمود قابيل الذي كان أحد ضباط القوات المسلحة وشارك في حرب 1973: لقد منعت من العمل بسبب أحد مواقفي السياسية واضطررت إلى السفر للخارج بسبب موقفي المؤيد لاتفاقية كامب ديفيد وبعد إعلاني لهذا الرأي اتخذ الزملاء العرب موقف المقاطعة لي ولأعمالي في التليفزيون والسينما ووقتها قررت السفر وتغير نظام عملي إلى الأعمال الحرة والأعمال التجارية ولأنه كما يقول يعشق الفن ويجري في دمائه لم يستطع أن يبتعد عنه أكثر من ذلك ومع أول مبادرة لرجوعه ترك كل شيء وعاد إلى بلده وعمله الذي يعشقه.
وعن رأيه في علاقة الفن بالسياسة يقول: إننا الآن في احتياج شديد للأفلام السياسية نظراً لسخونة الأحداث السياسية الموجودة علي الساحة في منطقة الشرق الأوسط، ولابد من التعبير عن هذا الوضع ليس فقط كسياسة خارجية، ولكن أيضاً كسياسة داخلية فمصر مرت وتمر بالعديد من التغيرات السياسية الساخنة، مثل تعديل مواد الدستور وقضية التوريث ومشاكل الغلاء والبطالة، فالساحة السياسية الداخلية والخارجية مليئة بالأحداث التي لابد أن يستثمرها الفن والفنانون، وأن نبعد قليلاً عن التفاهات والمواضيع التي لا قيمة لها ولا فائدة منها.
فارس بلا جواد
ويشير الفنان محمد صبحي إلى أن الفن والسياسة وجهان لعملة واحدة وأنه تعرض لأزمة عندما سافر إلى العراق لعرض مسرحية «ماما أميركا» وتناقلت الفضائيات والصحف ما حدث هناك بالرغم من أن المسرحية كانت ضد صدام حسين وليست معه، وعلى الرغم من أنه قام وأبطال المسرحية بالتبرع بالعائد لصالح أطفال العراق إلا أن ذلك انعكس عليه بالسلب وليس بالإيجاب.
وأوضح أنه تناول العديد من القضايا السياسية في أعماله الأخيرة مثل مسلسل فارس بلا جواد والذي فضح الصهاينة واليهود وأظهر التواطؤ الإسرائيلي، والأميركي ضد العرب. وأيضاً مسلسل «عايش في الغيبوبة» وقال إن الفنان الحقيقي لابد أن يكون صاحب جرأة ويتمتع بالحرية ويسعى للخير وللمصلحة،
فليس الهدف ظهوره وإنما لماذا هو ظهر وما العائد من ظهوره، وهل هذا الظهور سيؤثر، فنحن بحاجة إلى أن يتعمق الفن أكثر بالسياسة ويكون هو المحرض والمحرك السياسي وليس إشغال الجمهور وإبعادهم عما يحدث على الساحة السياسية وهذا ما يحدث الآن. فهم يحاولون إشغال الجمهور بمختلف الطرق عن طريق فضائيات الإعلانات والرقص والمسلسلات والأفلام التافهة صاحبة الترويج للعادات والمفاهيم الغربية وليست العربية.
الفنان نور الشريف يقول: إنه لم يتعرض لأي موقف مباشر مع السياسة، ولكن السياسة دائماً تكون حدثا مهما يلهب مشاعر المؤلف والممثل والمخرج وقديماً كان الفن مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالسياسة وأغلب الأفلام والمسلسلات كانت تتحدث عن السياسة الداخلية والخارجية،
ومن وجهات نظر مختلفة، فالفن من أسرع الوسائل وصولاً للجمهور لأنه دائماً يجسد ما يراه الناس، ولدي موقف مهم جداً يوضح مدى تأثير الفن في السياسة وتأثير السياسة في الفن، فالزعيم الراحل جمال عبد الناصر قرر أن يستخدم الفن كأداة ووسيلة حرب حين طلب من الفنان الراحل فريد شوقي إنتاج وتمثيل فيلم يتحدث عن طرد الانجليز من مصر،
وبالفعل عام 1956 قدم لنا الفنان الراحل فيلماً بعنوان «بور سعيد» كما أن السيدة أم كلثوم عانت كثيراً بسبب مواقفها السياسية ففي بداية عهد الثورة فوجئت بقرار من رئيس الإذاعة بمنع إذاعة أغانيها بحجة غنائها للملك فاروق، وعندما علم الرئيس عبد الناصر بذلك عاقب رئيس الإذاعة واعتذر للسيدة أم كلثوم.
ويوضح الفنان عبد العزيز مخيون وهو أحد الذين تعرضوا للمشاكل بسبب مواقفه السياسية وخاصة بعد انضمامه «لحركة كفاية» أن للفن علاقة جيدة بالسياسة ولكن في مصر، هناك تعتيم على الأداء الواضح ومحاولات لكتم أي صوت يخرج للنور دليل ذلك.
السينما الكوميدية التي انتشرت خلال الفترة الماضية والمستمرة حتى الآن فهذه الأفلام تحمل معنى سياسياً وتلعب دوراً كبيراً في تغييب الجماهير عن المعايشة المستمرة للواقع السياسي بكل قسوته، وأحداثه المتلاحقة.
أما الأفلام التي تعالج القضايا السياسية بشكل مباشر فهي قليلة قياساً بحجم إنتاج الأفلام الكوميدية، مرتئيا أن على الفنان أن يكون متفاعلاً مع الأحداث السياسية المهمة وأن يثبت وجوده في المجتمع ويكون صاحب رأي قوي لا أحد يستطيع مصادرته لأن الإنسان خلق حرا، لكن قدره أن تصطدم حريته مع أنظمة عربية لا تعمل إلا على قمعها.
صناعة ثقيلة
وطالب كل الفنانين والمواطنين أن يكونوا أصحاب مواقف في حياتهم وأصحاب رسالة والفنان تحديداً هو صاحب رسالة تحمل تحت لوائها الحب والحق والجمال والحرية. وعلى فكرة كل هذه الصفات سياسية وليست اجتماعية، فالفنان صناعة ثقيلة قوامها الفكر والوجدان فكيف يكون للفكر والوجدان وجود إذا لم يكن الفنان صاحب موقف في الحياة.
وعن الواقع الذي نعيشه حالياً نجد أن الفنان شعبان عبد الرحيم هو أكثر المطربين تفاعلاً مع الأوضاع السياسية خاصة الخارجية والتي عبر عنها في أغانيه «أنا بكره إسرائيل» و«أمريكا» و«الضرب بالعراق»، و«ياعم عربي» غير الأغاني السياسية الداخلية كأغنية «هبطل السجاير» و«جنون البقر» و«بحب الحوار»، و«الملكية الفكرية»،
ويوضح شعبان عبدالرحيم أن الفن رسالة هامة وأنه يحاول أن يستخدم صوته للتعبير عن قضايا لم يتناولها أحد بهذه الطريقة حيث أنه يساهم في إعادة بناء المجتمع يروج من خلاله للشباب أفكارا مهمة بصورة سهلة مثل «دعاة عدم التدخين» وأيضاً عند حدوث أزمة «جنون البقر» فلم يتناولها أحد وكذلك الكره الصريح الذي داخلنا لإسرائيل أنا الوحيد الذي عبرت عنه بمعنى واضح لا يفهم بمعنيين وهو «أنا بكره إسرائيل»
وأنا أعتقد أن لو كل المطربين كرسوا موهبتهم لمناقشة القضايا الهامة سوف تخدم الفن والمجتمع ولكن أغاني الرقص والعري لا فائدة منها، فلابد أن نتمتع بأصالتنا وعن طريق الفن الشعبي الذي أنتمي إليه وأوجه رسالة لكل الفنانين وهي ضرورة الاهتمام بالفن والتعاون على محاربة الهابط منه.
باع سياسي طويل
تقول الفنانة رغدة، وهي صاحبة باع طويل في المواقف السياسية تعرضت للعديد من المواقف المخجلة والمحرجة أهمها أنني اضطهدت في عملي وابتعد عني المخرجون بسبب مواقفي وخاصة التي تخص العراق وأطفال العراق
لدرجة أنني منعت في أوقات من دخول بعض البلدان العربية التي تكن الكره والحق للعراق وشعبه بسبب السياسة والتي لا دخل للشعب بها، فالحكام لهم سياسة والشعب له رؤية أخرى،ولم يكن هذا الاضطهاد سببا في ابتعادي ولكني أصررت على موقفي في مناصرة أطفال العراق.
وأيضاً حضور محاكمة المتهمين الليبيين في واقعة «لوكيربي» فأنا أقول أنه لا يمكن لأي فنان أو مواطن أن يفصل نفسه عن السياسة وخاصة سياسة بلده الذي يعيش فيها وألا يتفاعل مع الأحداث السياسية والاجتماعية التي تحاصره
واعتقد أن الفنان له تأثير على أي مواطن مقيم داخل المجتمع حيث أنه صاحب صوت ورسالة لابد أن تصل مهما كلفه هذا من تعب وجهد وإلا فما هي فائدة الحياة إذا كانت بدون هدف وفكر نبيل
القاهرة ـ «البيان»



