تميل الأسواق في البلدان الناشئة إلى سلوك مسارات تنموية متشابهة - دورة حياتية طبيعية - تتّسم بنمط متوّقع من الطلب الاستهلاكي يظهر في قطاع الفولاذ والقمح والمنتجات الاستهلاكية وغيرها من القطاعات الاقتصادية الرئيسية.
وقال كريم صبّاغ، نائب مدير في «بوز ألن هاملتون»، شركة الاستشارات الإدارية العالمية: «يمكن تصنيف الشركات التي توظّف إلمامها بدورة الأسواق الناشئة الحياتية في سبيل تحقيق النجاح في نوعين، أوّلهما عدد متنامٍ من الشركات متعدّدة الجنسيات في البلدان الصناعية، تستكشف الفرص في جميع أقطار العالم وتضع الخطط وتتّخذ القرارات الاستراتيجية على هذا الأساس.
وثانيهما شركات في البلدان الناشئة، كانت محلية، وقاعدتها الأساسية في السوق المحلية أو الإقليمية، وتحوّلت هذه الشركات إلى شركات عالمية بفضل إنجازاتها، مستعينة بمعارفها الفطرية بالأسواق الناشئة لتوسّع نطاق أعمالها إلى بلدان نامية أخرى».
وليست دورة حياة الأسواق الناشئة نسيج خيال. فوسائل الاتصالات والنقل الحديثة تبني روابط متينة تقرّب أقطاب العالم، وتكتشف بفضلها الشركات العالمية مدى أهمية خبرتها، طالما أنها مستعدة للإقرار بمستوى نمو السوق الحالي في كل دولة تدخلها، ولتعديل استراتيجياتها على هذا الأساس.
وفيما تنتقل دولة من عالم الدول النامية إلى عالم الدول الصناعية، تمر حاجات الشعب الأساسية عبر أربع مراحل متميزة. ففي الدول النامية، لا تفكّر غالبية الشعب إلا بتأمين شروط بقائها الأساسية، أي الطعام المناسب والملجأ والملابس، (وتمر أكثر دول أفريقيا جنوب الصحراء بهذه المرحلة حالياً).
مع بروز الطبقة الوسطى، ويسعى الناس إلى تأمين جودة أعلى في الغذاء والملجأ والملابس، (وهذا ما يحصل حالياً في معظم المناطق في الصين والهند على سبيل المثال). عندما يستطيع سكّان سوق انتقالية الحصول على جودة عالية نسبياً، يسعون إلى تأمين وسائل راحتهم؛ فيشترون أدوات كهربائية توفّر الوقت وأغذية مصنّعة،
وقد ينتقلون للعيش بالقرب من مراكز عملهم، (مرحلة تظهر حالياً في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية). أخيراً، فيما تدخل السوق عالم الدول المتطوّرة، يبحث الناس عن خدمات مخصصة لتلبية احتياجاتهم؛ فمع تحقيق وسائل البقاء والجودة والراحة، هم مستعدّون لتسديد ثمن أعلى لتلبية رغباتهم وميولهم الخاصة (كما يفعل العديد في أميركا الشمالية واليابان وأوروبا الغربية).
الأطعمة الأساسية والفاخرة
ويعبّر نضج سلسلة القيم الغذائية عن هذا الواقع. ففي مرحلة البقاء، عندما يعيش أغلب الناس في القرى والريف، يزرعون ويحصدون منتجاتهم الغذائية بأنفسهم؛ ويشترون النشويات مثل الطحين والقمح بكميات كبيرة.
عندما ينتقلون إلى مرحلة الجودة حيث يعيشون حياة أيسر، ينتقلون إلى شراء المواد الغذائية الأساسية الموضّبة، التي تشمل المنتجات الغذائية التي تحمل علامات تجارية، وبروتينات وفاكهة وخضار أكثر تنوعاً.
مع بلوغ مرحلة تأمين وسائل الراحة، التي غالباً ما تحصل بعد الانتقال إلى المدينة وإيجاد فرصة عمل هناك، يشتري المستهلكون المنتجات الغذائية المُصنّعة والحاملة علامة تجارية. في الاقتصادات الناضجة، يسعى المستهلكون إلى الحصول على المنتجات التي تلبي حاجاتهم الخاصة، مثل المواد الغذائية الصحية.
تندرج كل دولة في مرحلة من مراحل هذا التقدّم التطوري (وربما في أكثر من مرحلة واحدة). بيد أن هذه الأنماط العامة عالمية، يختلف التطوّر بحسب كل دولة، ويتأثر بثقافتها وبعادات المستهلكين. ففي قطاع السكاكر على سبيل المثال، تميل الاقتصادات الفقيرة إلى اختيار حلوى السكر لأنها أرخص ويسهل توزيعها. وعندما تدخل هذه الاقتصادات مرحلة الجودة، تميل إلى اختيار الشوكولاته.
إجراءات سوق أفضل
كيف يستطيع صانعو القرار في الشركات متعددة الجنسيات معرفة المرحلة التي بلغتها الدورة الحياتية في سوق ناشئة؟ غالباً ما تمنعهم المقاييس المضللة من تحقيق هدفهم. في هذا الإطار، أكد كريم صبّاغ: «غالباً ما تعوّل الشركات على متوسط إجمالي الناتج المحلي كمؤشر لمعرفة مدى نضج السوق المحلية.
غير أنّه لا يمثّل النمو في دولة ما لأنه يجمع المستهلكين من الطبقة المتوسطة والفقيرة على حد سواء. وهكذا، إنه مؤشر مضلل لتحديد أفضل وقت لدخول الشركات الأسواق المحلية». وتعتبر هذه النقطة أساسية في دول ترتفع فيها الكثافة السكانية مثل الصين والهند.
وتضم كل من هاتين الدولتين مناطق متفاوتة يجب اعتبارها على أنها سوق بحد ذاتها. إذ يضاهي عدد سكّان دلتا نهر يانغتسي، ومركزها شنغهاي، عدد سكّان أكبر الدول الأوروبية. وإجمالي الناتج المحلّي للفرد في هذه المنطقة أعلى بكثير مما في معظم المناطق الصينية الأخرى.
عوضاً عن ذلك، ينبغي أن يركّز المديرون التنفيذيون على أربعة عوامل في بيئة الدولة التشغيلية:
ـ التطوّر السياسي والقانوني، فالبيئة التنظيمية والقانونية في أي دولة تؤثر بشكل كبير على أنماط النموّ التي تشهدها كافة الصناعات ضمن حدودها.
وعلى سبيل المثال، لطالما فرضت الحكومة الهندية قوانين حماية المتاجر العائلية للبيع بالتجزئة من خلال منع معظم الاستثمارات الخارجية المباشرة. وعلى كبار البائعين بالتجزئة أيضاً مناقشة القوانين المركزية والمحلية وقوانين الدولة التي تعكس التأثير الاشتراكي الكائن على الهند منذ أمد طويل.
ـ البنية التحتية: يجب دراسة امتداد وجودت وتطوّر الطرقات والجسور والموانئ والاتصالات - وكل ما يدعم تبادل المواد والمعلومات - دراسة دقيقة. فعلى سبيل المثال، قد أُهمِل نظام الطرقات في الهند لمدّة طويلة؛ ويزداد التأخر يومياً بسبب ازدحام السير ونقاط التفتيش المتكرّرة والمعاملات الرسمية. فقد تتطلّب رحلة أسبوعاً كاملاً، بينما قد تأخذ يومين في دولة متقدمة.
ـ التمدين: لأول مرة في التاريخ، تتخطّى نسبة السكّان القاطنين بالقرب من المدينة أو داخلها الخمسين في المئة. ففي دولة مثل الصين، حيث ازداد عدد القاطنين في المدن 90 مليون نسمة بين 1999 و2003، يصعب المبالغة بأثر هذا النمط. غالباً ما تستفيد الأُسر في المدينة من راتبين، إذا يعمل كِلا الراشدَين خارج المنزل.
بفضل هذا الواقع، يتمتّع المستهلكون بقوّة شرائية أكبر غير أنهم يملكون وقتاً أقل لتحضير الطعام في البيت وللقيام بالأعمال المنزلية الأخرى. بالتالي، يميل سكّان المدينة إلى شراء المأكولات المصنّعة، وبخاصة المنتجات الغذائية الأساسية مثل الخبز.
كما يشهد الطلب على منتجات العناية الشخصية مثل الشامبو والبلسم ومزيل الرائحة نمواً كبيراً. وتزداد مبيعات أفران المايكرويف والبرادات والغسالات أيضاً. وترتفع إيرادات مطاعم الوجبات السريعة مع مشاركة المرأة في القوة العاملة.
ـ قنوات التوزيع: مع تطوّر الاقتصاد، تتطوّر القنوات التي يشتري المستهلكون من خلالها المنتجات. تستطيع الشركات، باستباق هذه التغييرات، أن تنتصر في المنافسة. قد يكون البيع بالتجزئة أبرز قناة من قنوات التوزيع، وهي تتطوّر وتتلاقى في جميع أنحاء العالم.
ثلاث خطوات للتوسّع في أسواق عالمية
ينبغي على شركة قررت التوسّع نحو أسواق عالمية، اتباع ثلاث خطوات لخلق استراتيجيات فعالة. أولاً، دراسة الظروف السائدة في الدولة حيث تعمل، أو الدولة التي تأمل دخولها. على الشركة إيجاد الحل الملائم والأكثر فعالية بين نموذج العمل الذي تتبعه والمراحل ذات الصلة التي تمر بها الدورة الحياتية في السوق الناشئة.
في هذا الإطار، قد يشكّل تشخيص دقيق كل الفرق بين اقتناص الفرصة الملائمة لضمان حصة في السوق، وبين تقديم منتج متطوّر لا تستطيع الشركة بيعه في السوق التي تأمل دخولها. أما الخطوة الثانية فتقوم على استخدام كل سوق جديدة كمختبر تُختبر فيه نماذج العمل الجديدة بحسب استعداد الدول المختلفة.
وترتكز الخطوة الثالثة على الاستفادة من نماذج العمل التي حصدت أكبر نجاح في الأسواق الأخرى التي تمر في مراحل مماثلة في الدورة الحياتية. فتعلمت شركة بيبسي مثلاً أن المقاهي في اسبانيا وغيرها من دول أوروبا الغربية هي المكان الأمثل لتقديم وجبات الطعام الخفيفة لأن الناس يرتادونها لتناول طعام الغداء أكثر مما في الولايات المتحدة. طبّقت بيبسي درس التوزيع هذا في عملياتها في أوروبا الشرقية.
واعتمدت بعض الشركات استراتيجية فرق الرد السريع، وتنقل بموجبها الفرق المتخصصة إلى الأسواق الجديدة بسرعة عندما تحدد مجالاً يتطوّر. وعليه، تُرسل شركة بريستول مايرز سكويب في آسيا مديري تسويق ومديرين تنفيذيين يُقسّمون بحسب قنوات اختصاصهم: فيختلف فريق الهايبرماركت عن الفريق المعني بالمتاجر العائلية، لأن هذه القنوات تحتاج إلى أُسس مختلفة.
وعبر دراسة اتجاهات السوق الطبيعية، بغض النظر عن الدولة، ومراقبة التطوّر وفقاً لواقع كل دولة، سينظر المديرون بنظرة صلبة وجديدة إلى الأسواق الناشئة والانتقالية. صحيح أن الاختلافات عديدة بين دولة وأخرى، غير أنها لا تعمي بصيرة المديرين التنفيذيين عن أوجه الشبه العديدة بين هذه الأسواق.
فمن خلال تحديد أوجه الشبه هذه والاستفادة منها، تستطيع الشركات تحقيق الأرباح والنجاح. وغالباً ما يُقال إن الصين ستحقق في غضون 15 سنة ما حققته البرازيل في 35 سنة. ومع تسارع وتيرة العولمة، لن يتمتع المديرون التنفيذيون بالكثير من الوقت للتكيّف مع الدورة الحياتية للسوق.
دبي ـ «البيان»