تعتبر تجربة الإمارات في تقليص الفجوة الغذائية خلال السنوات الأخيرة مثالاً يحتذى في ظل الظروف البيئية والمناخية التي تتسم بها الدولة. فقد استحوذ قطاع الصناعات الغذائية على نسبة 46% من إجمالي حجم الاستثمارات في قطاع الصناعة غير النفطية في الدولة قبل عامين، حيث بلغت نسبة نمو الاستثمارات في القطاع نحو 853% في الأعوام الخمسة الماضية.
وعلى صعيد دبي، يؤكد متخصصون في مجال صناعة الأغذية والمشروبات في الإمارة أن قطاعهم تعرض على مدى الأعوام الماضية إلى تغيرات هيكلية كبيرة، أدت إلى زيادة إنتاجهم في العام الماضي مع ازدياد استخدام وتكلفة الطاقة والأتمتة،
وكذلك في حدة المنافسة، في حين شكلت عوامل عدة عائقاً أمام نمو القطاع منها نقص المواد الخام ذات الأسعار التنافسية وتوحد تجار التجزئة والجملة المتعاملين في المواد الغذائية.
لكن دراسة حديثة صادرة عن إدارة البيانات والأبحاث في غرفة تجارة وصناعة دبي بينت أن الفضل في النمو المستمر للقطاع الصناعي بشكل عام بحسب تقديرات الناتج المحلي الإجمالي للقطاعات في الإمارة، يرجع بشكل رئيسي لنمو قطاع صناعة المعادن ومنتجاتها وليس للصناعات الغذائية.
وقالت الدراسة إن عدد الشركات الناشطة في مجال صناعة الأغذية في غرفة تجارة وصناعة دبي وصل إلى 221 عضوا، ما يشكل 7% فقط من إجمالي عدد الشركات الأعضاء الناشطين في المجال الصناعي في الغرفة. كشفت الدراسة أن 19% من شركات الصناعات الغذائية توظف 100 موظف على الأقل، في حين توظف 37% من هذه الشركات ما بين 20 إلى 99 موظفا، و44% يعمل لديها أقل من 20 موظفا.
نتائج الدراسة
وذكرت الدراسة أن 36% من إجمالي عدد شركات صناعة الأغذية والمشروبات أي 221 شركة تعاونت في الإجابة على المسح الذي قامت به إدارة البيانات والأبحاث في غرفة تجارة وصناعة دبي. وقد بلغ رأسمال هذه الشركات 8. 4مليارات درهم ووصل عائدها السنوي إلى 5. 7مليارات درهم وعمل فيها 5ر17 ألف عامل حتى الربع الثالث من العام 2005.
وقد أوضح توزيع المشاركين تغطية جيدة للقطاع فيما يتعلق بأهداف المسح، والتي تلخصت نتائجه في النقاط التالية: بلغت مبيعات معظم منتجي الألبان السنوية أكثر من 20 مليون درهم. واعتبرت صناعة الألبان الأكثر اعتماداً على التكنولوجيا مقارنة بباقي القطاعات الصناعية الغذائية. وسجلت شركات إنتاج الألبان أعلى معدل طاقة إنتاجية، وأعلى نسبة في التوجه نحو الأسواق الخارجية.
أما مبيعات شركات منتجات المخابز فقد بلغت 20 مليون درهم في عام 2005، وهي في معظمها شركات صغيرة ومتوسطة، توزع منتجاتها في المركز الأول في أسواق الداخل، وهي الأقل استغلالا للطاقة الإنتاجية. أما مبيعات منتجات اللحوم والأسماك والفواكه والخضار فقد تقاربت قيمتها في 2005.
وبينت الدراسة أن شركات تصنيع الأغذية لا تزال تعتمد على إستراتيجية البيع المباشر سواء كان في الأسواق المحلية أو الخارجية، فيما يعتمد القليل منها على البيع عبر وكلاء وسماسرة. كما بيّنت أن حجم إنتاج شركات تصنيع الأغذية يتحدد بشكل رئيسي بناء على طلبات السوق.
عوامل إيجابية
ساهم توجه الشركات نحو استخدام التكنولوجيا والآلات بالإضافة إلى الدعم الحكومي بالتأثير إيجابيا على إنتاج القطاع في العام 2005، في حين مثلت المواد الخام والمنافسة أكثر الآثار سلبية على الإنتاج.
ويستورد قطاع المواد الغذائية والمشروبات في دبي آلات ومعدات المصانع مباشرة من الخارج، في حين تصنع مواد تغليف المنتجات الغذائية محليا. وعلى الرغم من أن المواد الخام التي تستورد مباشرة قد اعتبرت من قبل غالبية الشركات مصدراً لمدخلات الإنتاج، إلا أن عدد محدد يستخدم مواد خام منتجة محليا، بالإضافة إلى المواد المستوردة التي يتم شراؤها من الأسواق المحلية.
وكانت شركات تصنيع الأغذية عبّرت عن توقعاتها بارتفاع إنتاجها في 2006 وزيادة التوجه نحو استخدام وتكلفة الأتمتة والطاقة، كما توقعت أن تزداد حدة المنافسة خلال العام المذكور.
ومن العوامل الهامة التي اعتبرت عائقاً أمام نمو هذه الشركات في ذلك العام، النقص في المواد الخام ذات الأسعار التنافسية وتوحد تجار التجزئة والجملة الذين يتعاملون في المواد الغذائية. وقد تم تحديد العامل الأخير من قبل معظم منتجي الألبان واللحوم، الأسماك والفواكه والخضار.
ورأت هاتان المجموعتان من المنتجين أن عاملا رئيسيا آخر شكل عائقا أمام نمو القطاع، وهو اللوائح القديمة غير المرنة، التي تحدد شروط سلامة الأغذية. وتعتبر المشاكل في الحدود الجغرافية أمام الصادرات عائقا بالنسبة لمنتجي المخابز، في حين تعتبر متطلبات المشترين وجودة الأغذية ومقاييس السلامة من العوائق التي تواجه شركات المنتجات الأخرى.
احتدام منافسة الأسعار
ويتوقع منتجو الأغذية والمشروبات أن تصبح المنافسة في الأسعار أكثر حدة، تليها المنافسة في جودة المنتجات وخدمات الزبائن. من جهة أخرى، ثبت من خلال المسح أن المنافسة في ابتكار المنتجات أقل المجالات التي يمكن أن تواجه فيها الشركات منافسة.
ووصف المنتجون في السوق مبادئ المنافسة بأنها تقليدية نسبيا. وحدد معظم المشاركين هذه الأسس بأنها تقوم على الجودة تليها خدمات الزبائن والأسعار. من جهة أخرى، لم يكن ابتكار المنتجات أحد الأسس الرئيسية للمنافسة، حسب المشاركين في المسح،
الأمر الذي يعكس انخفاضا في مستوى الأبحاث والتطوير. باستثناء منتجي الألبان الذين يتوقعون منافسة قوية من منتجات قادمة من دول مجلس التعاون الخليجي، فإن معظم منتجي الأغذية والمشروبات لا يزالون يتوقعون منافسة أشد من منتجين محليين.
وذكر التقرير أن خطط التوسع تركزت بشكل رئيسي على التوسع في المبيعات عبر النفاذ إلى أسواق جديدة. وأشارت نتائج الدراسة إلى الحاجة لتعزيز صناعة الأغذية في دبي من خلال تشجيع التدخل الحكومي لضمان تدفق المواد الخام المستوردة، وتهيئة البيئة المناسبة للأبحاث وتطوير المنتجات وتنظيم شركات القطاع في هيئة موحدة لأجل التحكم في وضع الأسعار لمنتجاتهم.
توسيع الطاقات
وكانت وزارة المالية والصناعة قد دعت قبل عدة شهور إلى تشجيع فرص الاستثمار في قطاع الصناعات الغذائية في الدولة، وأكدت على أهمية توسيع الطاقات الحالية لزيادة الإنتاجية عبر استخدام التكنولوجيا المتطورة والتقليل من استخدام العمالة في هذه الصناعات وتشجيع وتحفيز العمالة المواطنة للانضمام لهذا القطاع.
وطالبت الوزارة بإنشاء مركز وطني للإنتاجية بهدف تحسين الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية مؤكدة ضرورة إنشاء مؤسسة أو مركز لدعم وتنمية الصادرات يساهم في ترويج وتسويق المنتجات المحلية في الأسواق الخارجية يقوم بمهمة تقديم خدمات ائتمان للصادرات الوطنية وتوفير معلومات ودراسات عن الأسواق الخارجية وفرص التصدير للمنتجين المحليين.
كما دعت إلى تنظيم حملات إعلامية لتشجيع المنتج الوطني عن طريق وسائل الإعلام مؤكدة ضرورة تقديم الاستشارات الفنية والتسويقية في مجال الصناعات الغذائية الصغيرة والحرفية وإنشاء حاضنات لهذه الصناعات.
ووفقا لدراسة صادرة عن الوزارة، فإن صناعة منتجات المخابز تستأثر بالعدد الأكبر من حجم المصانع الغذائية في الدولة من حيث العدد 5ر23% من إجمالي عدد المصانع، أما من حيث حجم الاستثمارات الموظفة في قطاع الصناعات الغذائية فقد جاء قطاع صناعة المرطبات والمياه المعدنية في المرتبة الأولى بنسبة 7ر89%،
ومن حيث استيعاب اليد العاملة جاء قطاع صناعة المرطبات والمياه المعدنية بنسبة 26%، أما من حيث الكثافة الرأسمالية فقد جاءت صناعة تنقية مياه الشرب في المركز الأول بمتوسط 3 مليارات درهم للمصنع الواحد. وأضافت الدراسة انه يتم استيراد أغلبية المواد الخام اللازمة للصناعات الغذائية من الخارج بنسبة 69% حتى عام 2005،
وأكدت أن الإنتاج المحلي من بعض الصناعات الغذائية زاد على حاجة السوق الاستهلاكية محققاً الاكتفاء الذاتي متجهاً إلى التصدير، وهذه الصناعات تشمل مادة السكر المكرر والمرطبات والمياه المعدنية والغازية ومنتجات المطاحن في حين تبقى معدلات الاستهلاك المحلي لأغلبية المنتجات الغذائية أعلى من معدلات الإنتاج المحلي.
وأكدت الدراسة أنه على الرغم من الجهود الحثيثة المبذولة لتحقيق الاكتفاء الذاتي إلا أن فاتورة الغذاء المستورد ما زالت عالية في بعض قطاعات الصناعات الغذائية. وسجلت دبي والدولة في السنوات الأخيرة إحدى أعلى معدلات الزيادة في الواردات من المنتجات الغذائية،
وذلك نتيجة لعوامل عدة من أهمها الازدهار الاقتصادي، وزيادة أعداد السكان، وارتفاع أعداد المسافرين إلى المنطقة، إضافة إلى التوسع الكبير في محلات بيع التجزئة. كما تعتبر السياحة، على وجه الخصوص، واحدة من أبرز القطاعات المساهمة في زيادة الطلب على منتجات الأغذية في الأسواق.
دبي ـ ضياء عبد العال
