استطاع يوسف شاهين أن يلبس أبطال أفلامه ثوبه، وجعلهم يتقمصون حركاته العصبية وطريقته في خطف الكلام والتلعثم، فلا تكاد تفهم شيئاً مما ينطقون ولا تعرف سبباً لاختيارات شاهين الرجالية، التي ركز فيها أيضاً على صفات جسدية متشابهة لحد ما، هشام سليم في «عودة الابن الضال»، محسن محيي الدين في «اليوم السادس»، هاني سلامة في «المصير»، أحمد وفيق في «سكوت هنصور»، أحمد يحيى في «إسكندرية نيويورك»، وأخيراً يوسف الشريف في «هي فوضى».

دائماً يجهد شاهين نفسه بالبحث عن المواهب الشابة، فيذهب إلى حفلات الأوبرا، ويشاهد أفلاماً كثيرة، ويتجول بين مسارح الجامعات بحثاً عن وجوه مميزة، وقدرات فنية، ربما تمكن من خلال أعماله من إخراج طاقاتها، إلى مساحات أوسع ونطاقات أشمل.. ولا يكتفي بذلك بل لن تجده يبدأ فيلماً جديداً قبل عمل لقاءات فنية للشباب ليختار أبطال فيلمه الجديد. نصيحة شاهين الوحيدة التي يوجهها لممثليه هي أن الطاقة الحقيقية لتقديم أي شخصية تكون من العينين، فهي الأساس، وليس من تقلصات الوجه.

نظرات العين هي أكثر ما يهتم به شاهين في تعبيرات الممثل، وكان محمود المليجي أبدع من يؤدي دوره بتلقائية لم يجدها شاهين لدى أي ممثل آخر، بل عبر عن ذلك بقوله: «إنني شخصياً أخاف من نظرات عيون المليجي أمام الكاميرا». ولعل ولع يوسف شاهين بالتمثيل يأتي في الأساس من رغبته وحلمه الأول في العمل كممثل، فقد كان ينوي دراسة التمثيل أثناء وجوده في أميركا، فوجد أن شكله وتكوينه الجسماني لا يؤهلانه لنجومية التمثيل، فاتجه للإخراج، وترك التمثيل، لكن عشقه له لم ينته أبداً.

وكان فيلم «باب الحديد» فرصة حقيقية لشاهين أن يخرج من خلال شخصية «قناوي» بائع الصحف الأعرج، كل شوقه ورغبته في أن يكون ممثلاً ذا أداء وملامح خاصة، ولن تجد فيلماً لشاهين خالياً من ممثل يؤدي بطريقته، فهو يصبغ ممثليه بأدائه وأسلوبه في الكلام والحركة والانفعالات المتوترة والحادة والطفولية.

وعلاقة يوسف شاهين بالممثل متشابكة جداً، فهو يرغب في رؤية الممثل من خلال مرآته هو، ورغم ذلك يحترم الممثل الذي يبتعد عن محاكاته ولا يعتمد على التقليد لأنه يرغب في أن تكون للممثل شخصيته المستقلة.

وبعد رحلة طويلة تخطى فيها عمر شاهين ال80 عاماً، نجد أن الكلمات نفسها لم تتغير وأسلوب اختياره وتعامله مع الممثلين كما هو منذ بدأ، وحتى هذه اللحظة، ولذلك لا يزال اسم شاهين ذا وقع خاص في الأذن ننجذب إليه سريعاً كلما سمعنا «فيلم من إخراج يوسف شاهين» قبل أن ننجذب إلى اسم بطل أو بطلة الفيلم.

كلام ساكت

الحلم فن، يقدر عليه الجميع.. لكن لا يقوم به إلا عدد قليل من البشر يملكون الشجاعة والمغامرة والرؤية والإصرار.

osama614@yahoo.com