قال تقرير صحيفة «فاينانشيال تايمز» إن العهد الذي كانت فيه منطقة بحر الشمال تتغنى بما تختزنه من مكامن النفط والغاز قد انتهى، فقد قصرت الموجات المتلاحقة من الأنشطة الاستثمارية، أمد الصناعة إضافة إلى الطفرة النفطية في السبعينات، وأوائل الثمانينينات وعمليات حقول الغاز أواخر الثمانينات، والتسعينات من القرن الماضي ولا تبشر الظواهر بعودة محتملة لمثل ذلك النشاط مرة أخرى.

فقد بلغ إنتاج الغاز الهولندي ذروته في عام 1977، بالرغم من أن انخفاضها كان منذ ذلك الحين بطيئاً للغاية. وكان إنتاج نفط المملكة المتحدة بلغ ذروته في عام 1999، وكذلك الغاز في 2000. فيما كان إنتاج غاز النرويج ينمو باطراد هذا إضافة إلى أن حقل «أورمين لينج» سيرفعه مجدداً هذا العام.

لكن إنتاجها النفطي بلغ ذروته في عام 2001 وكانت المملكة المتحدة والنرويج، في العام الماضي أسرع منتجي النفط الكبار تراجعاً في الإنتاج. وبالرغم من أن المنطقة شهدت زوال مجدها إلاّ أن ذلك لا يعني موتها الأبدي فما زال هناك مخزون كبير من النفط والغاز الذي ينتظر استخراجه. غير أن المشكلة تكمن في تخصيص الصناعة لمزيد من الأموال، الاستثمار تلك المصادر على أكمل وجه.

ولقد أبرزت منظمة الطاقة العالمية التي تمثل البلدان الغنية المستهلكة للنفط التراجع في منطقة بحر الشمال، كأحد الأسباب التي تحددها للتفاؤل بخصوص إمكانات البلدان غير المنتمية إلى منظمة الأوبك لتوريد النفط خلال العقود القادمة. ومن جهته أبلغ «فيث بيرول» كبير الخبراء الاقتصاديين في المنظمة فاينانشيال تايمز، مؤخراً بأنه يقدر بأن يتراجع «المعدل الطبيعي» لإنتاج بحر الشمال النفطي، بدون أي استثمار من المنتجين بحدود 20 في المئة سنوياً.

وبالرغم من الاستثمار الجاري، فمازال الانخفاض مستمراً بمعدل سنوي يصل إلى 8 في المئة. وفي الجانب البريطاني هناك جيل من منشآت استخراج النفط، بلغ نهاية عمره الافتراضي إذ أن 70 منشأة بريطانية يصل عمرها إلى 30 عاماً أو تزيد. كما أن بعضها وفقاً لمنظمة الصحة والسلامة البريطانية عانى من قلة الاستثمار خلال فترة انخفاض أسعار النفط ابان التسعينات من القرن الماضي.

وفي تقرير حديث للمنظمة قامت خلاله بالتفتيش على 155 منشأة بريطانية تبين أن 40 في المئة من اجماليها كانت في حالة «مزرية» وقالت صحيفة فاينانشيال تايمز إن الصناعة البريطانية استثمرت ثلاثة مليارات دولار خلال السنوات الثلاث الماضية في أصول متكاملة في بحر الشمال لمحاولة رأب الصدع في تلك البنى التحتية المتآكلة.

وفي هذا الشأن قال «مالكولم ويب» الرئيس التنفيذي لـ «أويل أند جاز يوكي» اتحاد الصناعة لقد كان من الحيوي القيام بذلك الاستثمار نظراً للحاجة لضمان وإطالة أمد بنى الإنتاج التحتية الموجودة لإنتاج تلك الحقول الصغيرة التي يتم اكتشافها الآن.

وتضم اكتشافات السبعينات من القرن الماضي حقولاً ضخمة حيث تختزن «فورتيز» ثلاثة مليارات برميل و«برنت» 5. 2 مليار برميل فيما تبحث الشركات اليوم عن حقول تختزن 20 مليون برميل. ومن جهتها قالت «أوبك اند جاز يوكي» إن ثمة أملاً في الحصول على مزيد من الاستثمارات في بحر الشمال، لتمكين الاستخراج من تلك الجيوب الصغيرة من الاحتياجات بصورة مربحة باستخدام المنصات وخطوط الأنابيب القائمة حالياً.

وبمجرد تنسيق تلك البنى التحتية من الخدمة فإن الاحتياطيات المتبقية من النفط والغاز سيصبح استخراجها بالغ الكلفة وقالت الصحيفة إن المؤشرات الأخيرة غير مشجعة فبالرغم من ارتفاع أسعار النفط إلى قرابة 100 دولار للبرميل فإن الاستثمار في القطاع البريطاني من البحر الشمالي يحتمل أن يكون عما كان عليه العام الماضي. وفي هذا الصدد قال «ويب» إن ذلك يعكس تحديات مقاطعة بريطانية ناضجة، باهظة الكلفة مضيفاً بأن معاملتها كأي مقاطعة أخرى خطأ فادح.

ومن جانب آخر فإن المعاملة الضريبية لبحر الشمال بالنسبة للصناعة مسألة حيوية فالحكومة البريطانية كانت رفعت الضريبة التجارية التي تستوفيها من شركات النفط والغاز بمقدار الضعفين في السنوات الأخيرة.

كما أنها خلقت جواً من البلبلة إزاء المعاملة الضريبة لكلفة شطب المنشآت والتي ستتحول إلى قضية مهمة في السنوات القادمة. وقال «ويب» إنه يعتقد أن الحكومة البريطانية «تصغي» مؤكداً أنه أكثر تفاؤلاً عما كان منذ عام مضى غير أن الضغط على التمويل العام قد يصعب من إعطاء الصناعة أية تنازلات ضريبية مهمة.

وقال تقرير الفاينانشيال تايمز إن طفرة النفط والغاز في بحر الشمال خلقت تجمعات مثل الهندسة تحت الماء، التي تشغل نحو 30 ألف شخص، في المملكة المتحدة وتصدر خدماتها إلى العالم، وحيال الدعوة الأخيرة إلى إنشاء «مركز جديد للتميز»، خاص بالبحوث والتدريب والدعم العملياتي للهندسة البحرية.

حذر «ديفيد برودين» المدير التنفيذي لاتحاد الصناعة من أن بلداناً أخرى مثل البرازيل والنرويج، تستثمر بقوة في برامج بين الصناعة والأكاديميات، والحكومة لتوفير الجيل القادم من التكنولوجيات لشق المكامن المتبقية داعياً حكومته إلى اتخاذ خطوة مماثلة. وبالنسبة لبعض الخبراء، فإن المثال النرويجي يظهر إمكانية وجود سبيل آخر للمملكة المتحدة.

تباطؤ ملحوظ في إنتاج النفط النرويجي

نما انتاج النفط النرويجي بصورة أقل سرعة من إنتاج المملكة المتحدة، خلال فترتي سبعينات وتسعينات القرن الماضي، لتتجاوزه في عام 1991 فقط. كما ارتفع إنتاجها من الغاز بصورة أكثر بطئاً في التسعينات من القرن الماضي، والعقد الحالي، متجاوزاً الإنتاج البريطاني العام الماضي.

وفتحت الصحيفة تقريرها بالقول: إن النرويج أنهت العام الماضي باحتياطيات مؤكدة من الغاز بلغت 3 تريليونات متر مكعب، مقابل 480 مليار متر مكعب للمملكة المتحدة، ويمكن للنرويج إطالة الإنتاج بمعدلاته الحالية لمدة 33 عاماً، من تلك المكامن.

فيما لن يستمر الإنتاج البريطاني أكثر من ست سنوات، ومن المؤكد وجود المزيد من مكامن الغاز في القطاع البريطاني، غير أن الأرقام تشير إلى أن الصناعة النرويجية هي التي ستكون أطول عمراً.

ترجمة: وائل الخطيب