شهد العامان الماضيان مرحلة قوية من النمو العالمي وتزايداً في حجم الثروات وفتح أسواق جديدة، وابتكارات مالية وظروفاً ائتمانية مغايرة وإدارة تجارية أكثر انضباطاً الأمر الذي يقود إلى تحول كبير في أسواق الرساميل. ولعل الأكثر إثارة هو اتساع هذا النمو عبر الحدود الجغرافية والفئات المختلفة.

ولفتت صحيفة فاينانشيال تايمز اللندنية إلى أن هناك اقتصاداً عالمياً واحداً، بيد أنه يتحرك بفعل محركات متعددة. ذات مصادر متعددة الطلب والسيولة. وساقت الصحيفة مثالاً على ذلك الإعلان الأخير عن استثمار بنك الصين الصناعي والتجاري بقيمة 5,5 مليارات دولار في 20% في بنك ستاندارد تشارترد جنوب افريقيا التي وصفتها بأنها صفقة خارقة بالنسبة لافريقيا.

كما أنها تعد أكبر استثمار أجنبي مباشر في افريقيا والأكثر أهمية كونها صفقة كبرى بين مؤسستي أسواق ناشئة، عاكسة اتجاها أوسع في التدفقات الجديدة ولاعبين جدداً وشراكات جديدة. وشددت الفانيانشيال تايمز على أهمية هذه التدفقات الجديدة، قائلة إنها تتجاوز الاستثمارات المتزايدة في الأسواق الناشئة لتضم استثمارات من تلك الأسواق إلى اقتصادات ناضجة واستثمارات عابرة للحدود بين الاقتصادات الناشئة.

ولقد نمت تدفقات الرساميل العابرة للحدود منذ 1990 إلى أكثر من 10% سنوياً وخلال الفترة ذاتها، فإن تدفقات الرساميل إلى الأسواق الناشئة تمت بواقع زاد عن ضعفي تدفقها إلى البلدان المتقدمة. وتمثل تدفقات الرساميل إلى البلدان النامية الآن قرابة نصف تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر، مقارنة بعشرين في المئة فقط عام 1996 حتى لو استبعدنا الصين.

فإن الحصة تضاعفت لتصل إلى 32% ولقد راح اللاعبون الجدد سواء كانت صناديق استثمار في الملكية الخاصة أو صناديق ثروات سيادية أو مؤسسات حكومية تلعب دوراً حيوياً في تحريك تلك التدفقات الجديدة.

وفيما يسود تفهم واسع لدور وممارسات صناديق الاستثمار في الملكية الخاصة وصناديق التحوط، فإن هناك غموضاً أكثر يحيط بنوايا وقدرات الصناديق والشركات المرتبطة بالحكومات وثمة تخوف مما إذا كانت صناديق الثروات السيادية راغبة حقاً في الاستحواذ على حصص مسيطرة في بعض الشركات الكبرى أم أنها ستكتفي بدورها كمستثمر سلبي للأقلية.

وفي الوقت الذي يمكن فيه تبريد تلك المخاوف عبر التزام جانب الانفتاح والشفافية والممارسات السليمة، وإدارة المخاطر. فإنه من غير الواضح أن نوع العلاقة بين شخصية تلك الصناديق، والنموذج الغربي، كما يحلو للبعض الدعوة إليه، وثمة دلائل واضحة على تعدد ظاهر للنماذج السوقية، حول العالم منعكساً بصورة جزئية في تنوع الأدوات الاستثمارية.

فالصين وروسيا وبعض البلدان الخليجية تعد سوقاً لبعض الأمثلة، تمارس كل واحدة منها الرأسمالية بأسلوبها المميز الخاص، بحيث لا ينطبق أي منها على النموذج المطبق في الغرب، ونظراً لأن تلك النماذج تورد النمو والاستقرار، فمن غير الراجح أن تنسحب على أي نموذج غربي الملامح.

وألمحت الصحيفة إلى أن النظرة الحمائية الساعية إلى تقييد استثمارات أولئك اللاعبين الجدد، أو إخضاع أنشطتهم إلى عملية تمحيص خرقاء، ليست هي الرد الأمثل. وأكدت على أنه في ضوء المصالح المشتركة للأطراف في كل من المحافظة على أنظمة استثمارية منفتحة، وتجارة حرّة، لاستدامة النمو العالمي، فإن حواراً يضم الحكومات المعنية واللاعبين الجدد، كفيل بتبديد المخاوف، وخلق جو من الشفافية الحقيقية.

وقالت «الفاينانشال تايمز» إن نشوء هذه التدفقات الجديدة واللاعبين الجدد، من نماذج جديدة للرأسمالية، إنما يعكس تنوعاً طبيعياً للممارسات الاجتماعية والاقتصادية لا تتوافق بأي شكل من الأشكال مع عملية العولمة، وهذا النظام المنافي للرأسمالية العالمية، لا يوجد فرصاً حقيقية للمستثمرين من العالمين المتقدم والنامي، ولكنه كما هو الحال بالنسبة لجذب أفريقيا للمستثمرين الصينيين والروس، يمثل فرصة سانحة للقارة السمراء للمشاركة في قطف ثمار العولمة.

غير أن ذلك ليس معناه انتفاء المخاطر أو التحديات المتمثلة في الاستثمار في الأسواق الناشئة ولا التقليل من أهمية المحافظة على الانفتاح السوقي المتبادل في إطار تنظيمي وقانوني سليم وشفاف لتوفير الثقة في سيادة القانون.

وهذا من شأنه الإيحاء بأن الخطوة التابعة للعولمة تستدعي من الاقتصاد العالمي استيعاب طائفة أكثر تنوعاً من النماذج السوقية، في ما لو أريد الاستفادة القصوى من التدفقات الجديدة، والممثلين الجدد، والشراكة الجديدة، التي ستقود النمو العالمي في المستقبل.

وبالنسبة للاقتصاد الأميركي ساد أوساط المراقبين شيء من الحيرة، فالحكومة تقول إن الناتج الإجمالي المحلي توسع بمعدل سنوي قارب 4% خلال الربع الثالث، وهو أسرع نمو له في غضون عام ونصف العام، كما أن سوق الأسهم على ارتفاع 4% لهذا العام، رغم هبوطها الحاد إلى 3% في 7 نوفمبر، لكن في الجانب الآخر يشهد النمو في الاقتراض الاستهلاكي تباطؤاً بصورة غير متوقعة في سبتمبر.

ويرى بعض الخبراء الاقتصاديين، أن الولايات المتحدة، على شفير الوقوع في براثن الكساد، هذا إن لم يكن قد حل فعلاً. وتقول مجلة «بزنس ويك» في تحليل لها عن الواقع الاقتصادي في أميركا إن أسعار النفط تفجرت لتصل إلى أعلى مستوياتها، والذهب بلغ أعلى ارتفاع له، وأسعار المواد الغذائية تتفاقم، ويبدو أن آثار الأسعار المرتفعة باتت تنتشر انتشار النار في الهشيم، تحرق كل شيء.

ورغم ذلك، فإن معدل التضخم الرئيس ما زال يراوح عند أقل من 2% سنوياً، وفقاً لمقاييس مؤكدة وتسود أوساط بنك الاحتياط الأميركي أجواء من الارتباك. في ظل اختلافات علنية تعصف بين واضعي سعر الفائدة، حول ما إذا كانت هناك ضرورة لمزيد من الاقتطاع.

وبرجعة قليلة إلى الوراء نجد أن الصورة باتت أكثر وضوحاً، حيث نلمس بشيء من الغرابة، القول القديم، عندما تواجه قوة لا تقهر، مادة لا تتحرك، والقوة التي تقهر هنا هي الاقتصاد الذي تمكن من التوسع، رغم المصاعب، لأكثر من خمسة عشر عاماً، باستثناء فترة قصيرة من الركود، ألمت به عام 2001. والمادة الثانية التي لا تتحرك، هي جدار الدين، الذي تراكم خلال سنوات عدة من تفشي الاقتراض، الذي بلغ مرحلة العجز عن السداد.

وقد ازدادت المخاطر حدة، في ما يتعلق بانكماش الائتمان العام الذي وضع المقرضين والمقترضين في مضائق مظلمة، ولهذا السبب فإن أمام الاقتصاد، فرصة لمواصلة النمو، أو الركود، الأمر في غاية البساطة، وبتلك الأهمية في ظل صراع أصحاب المنازل المديونين للبقاء بعيداً عن الغرق، وسوق الأسهم تتأرجح على غير هدى، وذلك قبل عام من الانتخابات الرئاسية المقبلة.

الصورة الأكبر

بالطبع، ليس من المعروف بعد، كيف ستسير الأمور وبأي اتجاه، ولكن بالتركيز على الصورة الأكبر، فإن من الممكن معرفة الأسئلة التي يجب أن تطرح، والمؤشرات الواجب اتباعها لاتضاح الصورة ان ما يجعل الاقتصاد أكثر غموضاً، أكثر من المعتاد، هو أن التهديد الأكبر للنمو، يتمثل في أن أزمة الرهن، تبرز من أعماق النظام المالي. وهذه مسألة لا يعيها الاقتصاديون جيداً، خصوصاً في ضوء تعقيد أسواق المال العالمية القوية والمترابطة وأقرب مثال، هو أزمة الرهن التي عصفت مطلع تسعينات القرن الماضي عندما ألحقت القروض العقارية التجارية الضرر بالنظام البنكي.

ولقد توقف الإقراض إلى قطاع الأعمال من حيث الصقل، وأوشكت سيتي كورب على الإفلاس وقد اختلف الخبراء الاقتصاديون آنذاك حول الاضرار التي سيلحقها البنك بالولايات المتحدة. والواقع، ان مثل تلك المخاوف، لعبت دوراً مقلقاً في انتخابات 1992 الرئاسي عندما أطلقت حملة بيل كلينتون شعارها الشهير «الاقتصاد غبي»، ولكن بعد أن عدّل الاحصائيون الحكوميون الاحصائيات بعد أعوام تبين أن معدل النمو ارتفع خلال فترة 1992 الانتخابية إلى 4 في المئة.

فأي السبيلين هو الذي سيسود هذه المرة، النمو القوي أم التردي نحو حافة الهاوية؟ إن الأنظار يجب أن تسلط أولاً على سوق الاسكان، حيث كانت القروض المفرطة الأكثر تطرفاً، دون النظر إلى هبوط أسعار المساكن. ولننظر بدلاً من ذلك إلى الأماكن التي سترتفع فيها موجة المبيعات كرد على انخفاض الأسعار.

ولاشك أن بيع المزيد من المساكن، سيعود بالنفع على الاقتصاد. البيوت الجديدة، يعني تشغيل المزيد من النجارين والسباكين حتى أن بيع البيوت الحالية يخلق الأعمال للسماسرة العقاريين والمحامين، وباعة المفروشات، وآخرين.

وستتقلب الأمور إلى الأسوأ لو انخفضت الأسعار والمبيعات بالتزامن، لأن ذلك معناه تخوف المشترين المحتملين من موجة انخفاضات سعرية جديدة. والواقع أن هذا هو الحاصل. فقد انخفضت مبيعات سبتمبر من البيوت القائمة بمعدل 19 في المئة عن عام سابق بالرغم من السعر الوسطي انخفض 4 في المئة مما دفع خبراء جولدمان ساكس الاقتصاديين في 7 نوفمبر إلى القول ان كاليفورنيا «مركز الزلزال الائتماني» آيلة إلى مزيد من الركود.

ويرى محللون أن الكساد الإسكاني رغم مرارته لا يفتك بالاقتصاد ما دام نمو الوظائف في حالة سليمة. وهذا هو الموضع الآخر، المطلوب مراقبته، وهو حتى الآن في وضع جيد. فقد اضافت الولايات المتحدة في شهر اكتوبر 166 ألف وظيفة جديدة، وفقاً لتقديرات وزارة العمل الأولية. ومن جانب آخر، فإن قطاع الخدمات، يعتبر محرك النمو، بما فيه الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية، كما أن ضعف الدولار يساعد الصادرات المرتبطة بالوظائف.

وقطاع التكنولوجيا قوي للغاية مدفوعاً بنمو اقتصادي عالمي حسن. وقد سجلت الحكومة في 7 نوفمبر نمواً سنوياً قوياً، مثيراً للاستغراب في إنتاج العاملين في الساعة، وهذا معناه ان العاملين، يمكنهم رفع الأجور دون التسبب في التضخم.

وفي المقابل، فإننا نلمس ضعفاً كامنا، فبالرغم من ادعاء أصحاب العمل بأنهم خلقوا وظائف جديدة في شهر أكتوبر، الا أن احصائية حكومية منفصلة، أظهرت انخفاضاً بمقدار 250 ألفاً في عدد الأشخاص الذين قالوا انهم شغلوا وظائف ويحاجج بعض الخبراء الاقتصاديين بأن الاستقصاء المنزلي، أكثر دقة، في نقاط مفصلية كهذه، وفي اشارة منه إلى الاستقصاء، وغيره من المعلومات يعتبر جاك دبليو لافيري، بأن الاقتصاد الأميركي دخل مرحلة من الركود مرشحة للاستمرار «حتى النصف الأول من عام 2008 على الأقل».

أما اصحاب النظرة التفاؤلية فيقولون ان مشاكل الدين، لا تعد وكونها كتلة من جليد، أصغر من أن تغرق سفينة جبارة بقوة اقتصاد أميركي قوامه 14 تريليون دولار. وعلى هذا السياق، قال لنكولن اف أندرسون كبير موظفي الاستثمار والخبراء الاقتصاديين في ال بي ال فاينانشيال سيرفز في بوسطن.

إنه حتى لو ارتفعت معدلات عدم السداد في الرهونات العقارية عالية المخاطرة، فإن الخسائر لن تتعدى 1 في المئة من الدين الحالي. غير أن أصحاب النظرة المتشائمة، يردون بانه حتى لو أهمل المقرضون في ديون الرهن العقاري، فإنهم على الأقل كانوا مهملين في جوانب أخرى من الإقراض، ولقد أطلت المشاكل برؤوسها، منتصف شهر أغسطس، عندما بدأت البنوك الاستثمارية تعلن عن خسائرها في السندات المدعومة بالرهن العقاري. ولقد أخذت الأسواق تتعافى في شهر سبتمبر، ومعظم أيام أكتوبر، ولكنها ازدادت سوءاً منذ ذلك الحين.

انعدام الثقة بين البنوك

يخشى العارفون ببواطن السوق، من دلائل تشير إلى انعدام ثقة البنوك بعضها بالبعض الآخر. وقد تراوح سعر لندن للفائدة بين البنوك «ليبور» للدولار، وهو السعر المعروض بين البنوك القوية الكبرى، عند أقل من واحد بالعشرة في المئة، فوق سعر الفائدة المعفي من المخاطر.

غير أن الفجوة ازدادت اتساعاً فجأة، لتصل إلى سبعة أعشار في المئة في منتصف شهر أغسطس، وبعد فترة ضيق قصيرة، توقفت عند ستة أعشار وفقاً لشركة الوساطة المالية توليت بيربون، وتعقيباً على ذلك قالت ليناكيموليفا خبيرة سوق السبع الكبار في توليت بيربون إن الغمامة لم تنقشع ولكنها توارت في الظل.

إن أكبر المخاوف فيما يخص أزمة الرهن، هو أن الجميع ممن فيهم البنوك والشركات والأفراد، يتوارون بصورة متزامنة، وأن شدة الحذر تقتل النمو لكن هذا لم يحدث بعد غير أن ثمة دلائل على الاقتراب من نقطة التدهور.

ومن جانب آخر فإن الإنفاق الاستهلاكي المحرك الدائم للنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة في طريقه إلى الثبات وكان مؤشر كونفرانس بورد، لثقة المستهلك قد انخفض بحدة من 112 تقريباً في شهر يوليو إلى أقل من 96 في شهر أكتوبر.

وسيوفر موسم مبيعات العطلات معلومات حيوية حول ما إذا كان الاقتصاد قد أشعر الناس بالغبطة أم بالإحباط وكان عدد من تجار التجزئة الكبار، بدأوا موسم التنزيلات في مطلع نوفمبر من هذا العام قبل ثلاثة أسابيع من تنزيلاتهم المعتادة.

وكانت أزمة الرهن العقاري، عالي المخاطر أزمة إنسانية أكثر من كونها معوقاً للاقتصاد. فلقد كانت الطبقة الوسطى الدنيا هي الأكثر تأثراً وشعوراً بها. وهي التي لا تشكل محركاً للنمو للاقتصادي. وتثمن نسبة 40 في المئة من السكان من حيث الدخل، 21 في المئة فقط من الإنفاق الاستهلاكي.

واستناداً إلى جوليا إلى كورونادو، الخبيرة الاقتصادية الأولى في الاقتصاد الأميركي لدى باركليز كابيتال إن المستهلكين من حيث القوة الانفاقية واعتبار مكاسب سوق الأسهم، لم يخسروا شيئاً من ثرواتهم إطلاقاً. فالمستهلكون أفضل حالاً مما كانوا عليه منذ سنوات خلت. من جانب آخر فإن سوق الأسهم، تعتبر أفضل مقاييس حرارة الاقتصاد المعروفة ولكنها الأصعب تفسيراً. فقد اتجهت أسعار الأسهم حتى هذا الوقت من العام إلى الصعود، مما يشير إلى توقع المستثمرين لمواصلة ارتفاع المكاسب التجارية.

وكان وول ستريت أصيب مؤخراً بالاهتزاز كما أن معدل داو جونز الصناعي فقد 362 نقطة في الأول من نوفمبر والنسبة ذاتها في 7 نوفمبر ويمكن لأسعار الأسهم المنخفضة أن تلقي بظلال سوداوية على الأفق الاقتصادي بإشعار المستثمرين أنهم أكثر فقراً، وأقل رغبة في الإنفاق. وعموماً فإن الاقتصاد الأميركي يعتبر قوة لا تقاوم لكن أزمة الرهن العقاري تشحذ قوتها، والواضح أن خطر الركود في نمو.

ترجمة: وائل الخطيب