رسم المشاركون في المنتدى السنوي الثاني للاتحاد الخليجي للبتر وكيماويات والكيماويات GPCA الذي اختتم أعمالة أمس بدبي صورة مختلطة لسوق البتر وكيماويات في المنطقة، تزخر بشكل عام بالكثير من الفرص.
إلا إنها وبالقدر ذاته، تتضمن الكثير من التحديات والقضايا المهمة التي تستلزم معالجتها، في ظل انتقال مراكز قيادة هذه الصناعة المهمة إلى منطقة الخليج وتتجسد الفرص المتاحة في وجود توليفة من الظروف والعوامل التي تسهم في توطيد أركان هذه الصناعة في المنطقة، مما دفع إلى ولوجها إلى عصر درج المتحدثون علي تسميته «بالعصر الذهبي» وتشتمل هذه العوامل علي توافر خامات تغذية تتميز برخص السعر ووجود طلب يتسم بالقوة. ومن شأن هذه التوليفة من المحفزات أن دفعت إلى تبني خطط لمشروعات ضخمة للتوسع، إذ أنه من المقدر بحلول عام 2008، أن تقوم الحكومات والقطاع الخاص في المنطقة بضخ استثمارات تزيد قيمتها على 50 مليار دولار، وهو ما يعزز مكانة المنطقة كمركز عالمي لصناعة البتر وكيماويات.
وساق المتحدثون العديد من المؤشرات الدالة علي إحراز المنطقة الكثير من النجاح، من جانب، جري طرح عقودا للإنشاءات والأعمال الهندسية قيمتها 25 مليار دولار منذ مطلع عام 2005. بما في ذلك إقامة 6 وحدات لتكسير الايثلين، توجد غالبيتها في المملكة السعودية.
ولا يتضمن هذا الرقم، الوحدات التي تخطط إيران لإقامتها، وطرحها علي هيئة مناقصة في غضون الأشهر الاثني عشرة المقبلة، ومن جانب آخر، من المتوقع إن يتضاعف إنتاج منطقة الخليج من الإثيلين إلى ما يزيد علي 30 مليون طن سنويا بحلول عام 2010 من مستواه الحالي البالغ 5. 12 مليون طن سنويا.
محفزات الاستثمار
وأوضح المشاركون أن اندفاع المنطقة نحو الاستثمار في هذه الصناعة يستند إلى الميزة الرئيسية التي تتمتع بها وهي امتلاكها كميات وفيرة من الغاز الطبيعي الرخيص الثمن، فمادة الإيثان التي تعتبر المادة الرئيسية المستخدمة في صناعة البتروكيماويات، لا يتجاوز سعرها 50. 1 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، في حين يصل سعرها إلى ما يتراوح بين 6 و8 دولارات في الأماكن الأخرى من العالم.
يضاف إلى ما سبق تمتع منطقة الخليج بمزايا أخري لا تقل أهميه، وتتمثل في شغلها موقعا استراتيجيا مهما بين أوروبا وآسيا، وامتلاكها بنية تحتية قوية، إلى جانب صعود أسعار النفط. ولعل هذه الأسباب هي التي تدفع إلى اشتعال المنافسة بين الشركات البتروكيماويات العالمية في البحث عن شركاء محليين لإقامة مشروعات بتروكيماوية في المنطقة.
ولخص أحد المشاركين معالم هذه الصورة بقوله «إن قيادة الإنتاج تتحرك من الأسواق الناضجة المتقدمة إلى المناطق التي تمتلك خامات تغذية رخيصة». ويضع العدد الضخم من المستخدمين النهائيين علي غرار شركة «بروكتير آند جامبل» و«يونيليفر» نصب عينيهم علي امتلاك حصص في إنتاج منطقة الخليج من البتروكيماويات، بهدف تحقيق بعض السيطرة علي قاعدة التكاليف.
وقال أحد المديرين التنفيذيين في شركة «بروكتير آند جامبل» إننا لم نكن بحاجة علي الإطلاق للاستثمار في منطقة الخليج من قبل، حيث أن أسعار البتر وكيماويات كانت دائما رخيصة، ولكن مع ارتفاع الأسعار بوتيرة سريعة، أصبح من المتعين علينا أن ندخل هذه المنطقة.
وأفادت آراء المشاركين أن بناء طاقة إنتاجية جديدة في الخليج يرتكز علي توافر العديد من المزايا الطبيعية، وهو ما يمثل الوجه السهل من المعادلة، إلا أن الوجه الآخر الصعب يتمثل كيفية الحفاظ علي هذا السبق. إذ أن الكثير من التحديات التي تواجه الصناعة في المرحلة الحالية ناشئة عن النجاحات التي حققتها المنطقة في هذا المجال.
وتتعلق بكيفية إدارة هذا النمو غير المسبوق، ومن ثم، تواجه الصناعة الكثير من التحديات لناشئة عن تقلب أسعار النفط وانعدام القدرة علي التنبؤ بمسارها المستقبلي، والارتفاع الضخم في تكاليف الأعمال الهندسية والإنشاءات والمشتريات، وغياب اليقين بشأن المسار المستقبلي للطلب العالمي.
نقص إمدادات الإيثان
وأوردت التحليلات أنه ربما تكون الصناعة على وشك أن تواجه عثرة رئيسية، وتتمثل في نقص مخزون الإيثان، ومع وجود صعوبات متزايدة لزيادة الإمدادات من خامات التغذية الداخلة في صناعة البتر وكيماويات، سيكون من المتعين علي المنتجين حل هذه المشكلة عن طريق إقامة وحدات تكسير متعددة الأغراض لتشمل منتجات الغاز الطبيعي المسال والمواد الهيدروكربونية المشتقة من النفط الخام.
ولفتت آراء المشاركين الانتباه إلى تحدي آخر يتمثل في اعتماد معظم الطاقة الإنتاجية الجديدة علي الطلب المتصاعد في آسيا وخاصة الصين، ويثور هنا أوجه قلق بشأن ما إذا كانت الصين ستتجه إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي.
وتتوقع شركة «بازيل» أكبر منتج في العالم لمادة البروبيلين أن يتراجع اعتماد بكين علي استيراد مادتي البولي اثيلين والبولي بروبلين من المستوى الحالي البالغ نسبته 40% إلى 30% من إجمالي استهلاكها بحلول عام 2010. وذلك مع زيادة قدرة إنتاجها علي تغطية الطلب المحلي. وأضافت الشركة أن الطاقة الإنتاجية المحلية في الصين ستنمو في خط مواز لنمو الطلب ولن يكون لديها عجز ضخم في استهلاك الفائض المحتمل.
ومع ذلك فمن المتوقع أن ينمو الطلب العالمي علي مادتي البنزول (مركب هيدروكربوني عطري) ومادة البارازايلين وكلتاهما من خامات التغذية بنسبة تزيد علي 10% بحلول عام 2009، كما سينمو الطلب على مادة البروبلين من 65 مليون طن سنويا إلى ما يزيد علي 80 مليون طن سنويا بحلول عام 2012.
وفي ظل التساؤل حول مدي وفرة إمدادات البولي اثيلين في السنوات المقبلة، سيكون المنتجون في وضع أفضل إذا ما استخدموا مزيج متنوع ومختلط من خامات التغذية، حيث سيكون في مقدورهم مواجهة أي تراجع في الإمدادات، وذلك علي الرغم من التكاليف الاستثمارية العالية والهوامش الربحية المنخفضة التي تحققها في الوقت الحالي معالجة خامات التغذية الثانوية.
ويدفع سيناريو الطلب العالي علي المركب العطري (أروماتي) والبروبيلين جزئيا نحو التكامل بين الصناعات التكريرية والبتروكيماوية، ففي الوقت الذي تعاني منه إمدادات الإيثان من نقص كمياتها، تتجه هوامش أرباح التكرير إلى الصعود، وتتحسن الأساليب التكنولوجية في الإنتاج.
ومن ثم، أصبح التكامل بين الصناعات البيتروكيماوية والتكريرية ينطوي علي منطق اقتصادي، وعبر عن ذلك جون بيتكين مدير المبيعات في شركة «يو أو بي» الأميركية بقوله «إن التكامل يحقق الكثير من المزايا علي أكثر من صعيد، إذ أنه يسهم في زيادة معدلات الكفاءة، ويحقق عائدا مرتفع علي رأسمال، نظرا لتكلفة الإنتاج المنخفضة. كما أن التكامل يسمح بالاستخدام المشترك للمرافق والمنشآت، ويعظم الاستفادة من المنتجات المصاحبة».
التكامل بين الصناعات البيتروكيماوية والتكريرية
وأشار المتحدثون إلى أنه يتم حاليا استخدام أسلوب التكامل في سلطنة عمان، حيث يحصل مصنع إنتاج مادة البولي بروبلين في سلطنه عمان علي المواد الخام المغذية من مصفاة تكرير صحار التي تم افتتاحها خلال الصيف الجاري، وقد حذت الكويت حذو سلطنة عمان بتدشين مجمع الأولفينات وتضمن مصنعا لإنتاج مادة الأروماني (المادة العطرية)، كذا الحال بالنسبة للملكة السعودية في مصانع البتروكيماويات رأس التنورة وينبع.
وهناك مؤشرات تفيد بأن المملكة السعودية تدرس إتباع نهجا مشتركا في إقامة المشروعات الكيماوية والتكريرية، كما تدرس استخدام النفط الثقيل من شركة آرامكو في إنتاج خامات التغذية للصناعات البتر وكيماوية. وبدأ مصطلح «التكامل» يشيع في أوساط المنتجين، مع سعيهم بشكل متزايد إلى إحداث تكامل بين العمليات المختلفة في إنتاج خامات التغذية.
والمثال البارز هو خطة التوسع التي تتبناها الشركة السعودية الدولية للبتر وكيماويات (سيبكيم)، وتشتمل الخطة علي استخدام الهيدروجين والنيتروجين المفقود في مجمع إنتاج غاز البيوتان والمرحلة الثانية لإنتاج مادة الفينيل لتغذية المرحلة الثالثة لإنتاج مادة الأمونيا والأولفينات وقال نائب رئيس التخطيط وتطوير المشروعات في شركة سيبكيم لمجلة «ميد» أن التكامل يحقق العديد من المزايا، فهو يمكن من الاستخدام الأفضل لسلسلة القيمة وتعظيم القيمة المضافة، وتوسيع قاعدة الاستثمارات وتعظيم العوائد لحملة الأسهم.
كما أن الاستخدام المشترك للمصانع والمواقع يقلل من تكاليف المشروع ويزيد من كفاءة استخدام اقتصاديات النطاق. وبدا تحرك المنطقة نحو المزيد من التنوع في الإنتاج يكتسب أرضية، فمجموعة الزامل السعودية تخطط لإقامة مجمع لإنتاج المواد الأمينية (مشتقات عضوية من النشادر) لإنتاج منتجات خاصة مثل الإيثيلينديامين وثنائي الإيثيلين.
وتخطط كذالك شركة كيان للبتروكيماويات السعودية لإنتاج متنوعة من المنتجات المتخصصة بما في ذلك الفورميك ثنائي المثيل والبولي كربونات، ويتم استخدام مواد البولي كربونات والمواد الامينية كمواد خام لإنتاج الكثير من المنتجات والتطبيقات، وذلك علي حد قول رئيس شركة التنمية وتطوير المشروعات «بي أم دي» وهي احدي الشركات المساهمة في شركة كيان، وأضاف «أن شركة «كيان» ستكون الشركة الأولي في المنطقة التي تجلب هذه المنتجات إلى المنطقة، و أن العديد من الصناعات الثانوية سوف تنشأ في المنطقة بمجرد إتاحة هذه المنتجات».
قيود على المقاولين
وضعت الأعداد الضخمة للمناقصات قيودا علي المقاولين الذين أصبحوا غير قادرين علي الوفاء بالطلب الضخم وغير المسبوق علي خدماتهم. كما أن الموانئ تواجه قائمة انتظار مطولة للمنتجات البتروكيماوية التي تطلب مساحات لتخزينها، وتتنافس كذلك خطوط الشحن في تأمين عدد كاف من الحاويات لشحن المنتجات البتر وكيماويات من الشركات إلى الزبائن في مختلف بقاع العالم.
ولا يقتصر اهتمام المنتجين علي قائمة المنتجات أو خامات التغذية، بل امتد هذا الاهتمام إلى قضية الالتفاف علي عقود الإنشاءات والأعمال الهندسية، وهو ما دفع بعض المشروعات إلى مرحلة عدم الجدوى الاقتصادية. ووفقاً لشركة كونتاكس التي تتخذ من الإمارات المتحدة مقرا لها فإن تكلفة هذه العقود تزايدت بنسبة 40% منذ صيف عام 2004، وارتفعت بنسبة تتراوح بين 80 و110% منذ مطلع عام 2003.
وقاد صعود الأسعار بشكل أساسي توليفة من العوامل، فمن جانب، هناك عجز في المقاولين الدوليين القادرين علي تنفيذ مثل هذه المشروعات، ومن جانب آخر، يوجد نقص حاد في العمالة الماهرة، ومن جانب ثالث، تضاعفت تكلفة بعض المواد، فقد صعد سعر الألمونيوم إلى 2600 دولار للطن من 1500 دولار للطن في أواخر عام 2003، وقفز سعر النحاس إلى 5000 للرطل من 2000 دولار للرطل عن الفترة نفسها.
وقد ترك هذا الأمر أثره على بعض خطط أقامة مشروعات بترو كيماوية في المنطقة، حيث جرى تأجيل تنفيذ بعض هذه المشروعات، ومع الأخذ في الاعتبار طول فترة تنفيذ المشروع، تتغير تكلفة المشروع من وقت لآخر، وأصبح من المتعين علي المطورين ابتكار إستراتيجيات في صياغة العقود.
كما أصبح من المتعين علي الزبائن أن يتقاسموا بشكل متزايد بعض المخاطر مع المقاولين، وفي عام 2002 ـ 2003، كان فقط 4% من العقود يتم إسنادها بناء علي معايير تتعلق بالقدرة علي أمكانية استرداد التكاليف، ولكن في الوقت الراهن، ارتفع هذا الرقم إلى ما يزيد على 80%، وزادت التكاليف الرأسمالية مقابل معدل العائد الداخلي، وهو الأمر الذي جعل العديد من المشروعات تفقد جدواها الاقتصادية
دبي ـ مجدي عبيد

