أخذنا المخرج سعد هنداوي في فيلمه الروائي «ألوان السما السابعة» إلى عالم السينما بكل إغراءاتها الجمالية، فيلم يتركنا نستريح الـ «100» دقيقة مدة الفيلم، حيث تألق مع أبطاله محلقا في فضاءات النفس الإنسانية، راسما مشاهده بعناية العاشق للأمكنة وملامح الوجوه.

«لقد سما الجسد الترابي من العشق حتى الأفلاك، وحتى الجبل بدأ في الرقص وخف» نص صوفي لشيخ الصوفية جلال الدين الرومي، كانت مدخلاً، مزج بين وجه حنان «ليلى علوي» و«تيترات» الفيلم التي بدت وكأنها لوحات، هيأت المشاهد ليخرج من همومه وأعبائه اليومية، ودفعته داخل الدوائر المرسومة ليعيش حالة خاصة، أراد «هنداوي» أن تكون باب الولوج لعالمه.

منذ بداية الفيلم ولأكثر من نصف ساعة، تعمد هنداوي إخفاء حقيقة شخصياته، وأعطانا الفرص لنكتشفها ونتلمس الإيقاعات الصوفية المقصودة، والتي تركزت على فكرة السمو والانطلاق من الجسد للطيران والتحليق، والاستفادة من جماليات رقصة التنورة الشهيرة، وحركاتها ودورانها، واختلاط ألوانها، ومع الأداء الراقص الذي قدمه «بكر ـ فاروق الفيشاوي» بدأت الأقنعة تسقط تدريجيا لنعيش مفردات الحكاية.

«راقص تنورة صوفي» يرتبط بعلاقة مع فتاة ليل لها ماضٍ تحاول الهروب منه، والاغتسال من خطايا رذائلها التي تراودها أحيانا، والراقص نفسه غارق باللذة مع سيدات الطبقة الراقية والأجنبيات، وجهان متشابهان وإن اختلفت النتائج، هي تبحث عن مكان للهجرة لا يعرفها فيه أحد، وهو يفقد الشعور بالواقع رغم أن قدميه عليها، ولا يجد متعته إلا في الرقص ـ أعني ـ التحليق بتنورته إلى السماء السابعة.

هذه المحاور عبأها بصريا هذا الفيلم، وأجادتها كاميرا رمسيس مرزوق، فنسج المخرج صوره المتلاحقة المنسجمة حيث الصورة تقول الحدث، توضحه، وترسمه، ببعديه الجمالي والفكري، وكانت مشاهد السماء المختلفة الألوان، ما بين المبهجة والفاتحة، والقاتمة والكئيبة تعبيراً عن مواقف لأبطال الفيلم وأزماتهم، وفرصة للمشاهد لالتقاط الأنفاس..

رصد الفيلم، تلك المساحات الغامضة في الإنسان، حيث يتفاعل ويتجاور الخير والشر، الأبيض والأسود، كما رصد بهدوء مقصود الرغبة الشديدة في الاغتسال من الذنوب، وكان مشهد صلاة العيد ودموع «حنان» وجموع البشر، من أجمل اللقطات الناعمة والمؤثرة والعميقة شكلاً ومضموناً.

حمل الفيلم شخصيات محورية أخرى، «سعد» ابن راقص التنورة، والتي أجادها «شريف رمزي» الراغب في أن يعيش في عباءة والده، الرافض لسلوكيات أمه المطلقة «سوسن بدر»، وجارته «منى هلال» التي قدمت دور الفتاة الشعبية اللعوب التي تعشق إقامة علاقات عابرة مع الرجال مقابل الحصول على هدايا منهم، وهي امتداد لشخصية «حنان».

«حسن مصطفى» العجوز الذي أخذت الحياة منه أكثر مما أعطته، وهو النهاية الطبيعية لبطل الفيلم إن استمر بدون زواج. موسيقى تامر كروان أبرز مميزات الفيلم باعتبار أن الكثير من المشاهد تضم رقصات سواء للتنورة أو لليلى علوي التي قدمت مشهداً جميلا أكدت فيه قدرتها على الاستعراض وتمكنها من أداء الرقصة الصوفية على نغمات تركية، وساهمت بحركاتها الرائعة في الإحساس بحالة السمو والطيران التي تريدها.

«ألوان السما السابعة» فتح أمامنا أبواب الأسئلة على مصراعيه، فقال لنا الكثير لكنه أيضاً أربكنا وهو يعيد صياغة نوعية جديدة من الأفلام بكل حداثتها، نظرا لأن وجودها في السينما المصرية أصبح نادراً.

كلام ساكت

الإنسان هو الذي يصنع أحلامه، وليست الأحلام هي التي تصنعه، والحلم هو الوسادة التي تخفف عنا صعوبة الحياة وقوة الصدمات بأرض الواقع.

osama614@yahoo.com