الطوابير الطويلة التي تنتظر في كل عرض الدخول الى صالات السينما ومشاهدة الأفلام، حضور يجعلك في تمام الثقة بأن الجهود التي بذلت من أجل برمجة الأفلام كما في كل سنة متقنة وبمستوى يرفع من القيمة الفنية للمهرجان ، لذا نتبادل مع الأصدقاء حول أهمية الأفلام للجدول اليومي الذي يبدأ في منتصف النهار وينتهي نهاية الليل، لنحدد وجهتنا ونحصل على تذاكر الدخول.

ظل الليل ممتنا في داخلي وأنا في الطابق الثامن عشر أطالع في وجه السماء المبلل بالنجوم، بعد العودة من تناول وجبة العشاء في أحد مطاعم دبي حتى ساعات متأخرة من الليل، حين تفرغ الشوارع إلا من أضواء بعض السيارات والعمّال، بينما لا يمكن أن تنام المدينة هنا.

أجمل الأشياء التي يمكن أن تبدأ بها هي الوجوه نفسها ليلاً، لكن أكثر وضوحاً حيث الكل يدفع رأسه لبداية اليوم، والتنقل عبر المراكز المخصصة للإعلاميين والسينمائيين والضيوف، لتجد حفاوة المتطوعين والمتطوعات،

بينما العباءة التي أحب منذ الطفولة حين كانت تعلقها أمي منتصف البيت، لتلاحق طفولتنا في الحارة يومياً، وجدت في هذا اللون روح المكان بعد أن أصبحت الفتاة الإماراتية متقنة ومبدعة في إدارة الفعاليات، بل أصبحنا أكثر قدرة وقدوة وتفعيلا سواء من الجانب الإداري أو الفني، منها يبقى النجاح مرهونا بالعطاء.

كانت الساعة الثانية ظهراً. تناولت وجبة الغداء في أحد المطاعم المركونة قرب سينما سيني ستار بشكل سريع بعد ان توزعنا على قاعات العرض كلا حسب اختياره ، طابور طويل لدخول العرض اخترت إحدى الزوايا البعيدة لأكون أقرب إلى نفسي،

وأنا أمام الشاشة الكبيرة كحالة انتشاء ، فيلم « أربعة شهور وثلاثة أسابيع ويومان» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو الذي تناول حقبة مهمة في بلدة صغيرة في رومانيا عن قصة صديقتين تقرر أحداهن التخلص من حملها،

وفي مشاهد ذات قسوة جسدية مفعمة بالصورة الصامتة، وجد المخرج لنفسه فسحة من الاقتراب لحالة اللمس في الصورة المركزة، وظلت الحوارات المدفونة في مشهد واحد لدقائق طويلة عميقة إلى حد الشبع.

بقي الفيلم لمدة 113 دقيقة يقدم لنا واقعا قاسيا لحياة صديقتين، بعد الفيلم خرجت للانتقال إلى بهو الفندق صاحبت من خلاله الانترنت لبعض الأعمال السريعة. كان الوقت المناسب حينها ان تغرق الشمس في الماء، حين أكملت مع المخرج سعيد سالمين تحضيراتنا المستمرة لعملنا السينمائي الجديد، حتى الساعة التاسعة مساءً حيث انتقلنا إلى «مول الإمارات»

لدخول عرض ستة أفلام قصيرة داخل المسابقة الرسمية، لننتقل بعدها من عمل إلى آخر بمواصفات فنية مختلفة، واستمتاع متدرج، ولعل ما يمكن الإبصار به هي لقطات الولد الصغير في فيلم «إيقاع في دار حفظ القرآن» ،

والشاب الذي يبحث عن شخصية فتاة من خلال ما ترميه في القمامة، ولعل فيلم الصديق المخرج وليد الشحي رغم مشاهدتي للفيلم مرات عديدة إلا أنه فيلم شاعري وبصري بدرجة عالية من الخصوصية مع شاعرية الكاتب الذي أشاركه قطعة الليل معاً في رأس الخيمة المؤلف أحمد سالمين الذي انتقل إلى الممثلة الصغيرة وهي تركض بالماء كحالة ولادة لا تتوقف.

جميع الأسئلة لا تنتهي حين نتناول الأفلام، كل الوجوه يمكن أن تعبر مراراً، لكن قليلا ما ننتبه إلى بعضها، وجميع من لا يحضر مشاهدة أفلام مهرجان دبي ـ وهي أفلام دولية مهمة جداًـ خاسر كبير للمتعة والثقافة.