في الوقت الذي يحتفل فيه عالمنا العربي بدخول تقنية انترنت النطاق العريض، ويتهافت الكتبة على التمجيد بهذه النقلة النوعية في تاريخنا التقني (الاستهلاكي)، يصطدم مقدمو هذه الخدمة بجدار المستهلك الفعلي، لتكشف لنا التجربة أن هناك فرقاً شاسعاً بين الترويج لزمن السرعة وأهمية امتلاك انترنت النطاق العريض، وبين الحجم الفعلي من تدفق البيانات الذي تسمح به الانترنت (العريضة) للمستهلكين باستخدامه!
ولا يمكننا تجاهل أزمة الانترنت العريضة التي تسبب بها موقع (يو تيوب) في الإمارات، وحالة البطء الكبيرة التي نتجت بسبب الإقبال على مشاهدة وتنزيل مقاطع الفيديو، وهو ما استدعى حسب مصادر مطلعة تشكيل لجنة تحقيق في أسباب شلل الحزمة العريضة في الدولة.
ولا يمكن للمبشرين بعصر السرعة الفائقة عبر فضاء الانترنت تجاهل هذه الزاوية الحرجة التي قد يمكن إغفالها أو تهوينها في عين المستهلكين من الأفراد، إلى إشعار آخر، ولكنها ستكون جارحة إذا ما انتقلنا إلى المستهلكين من المؤسسات والشركات العالمية والمحلية التي أصبح النطاق العريض للانترنت أضيق من عنق الزجاجة نظرا للنمو المضطرد الذي تشهده.
وهذا ما تسعى شركات اتصالات أوروبية كبيرة مثل (بي تي) و(أوف كوم) تداركه من خلال صرف مليارات الدولارات، لأنها باتت مقتنعة بأن المرحلة المقبلة لن يكفيها (أوتوستراد إنترنت) بل تحتاج إلى مدرجات طيران ضخمة كتلك التي شيدت لاستيعاب طائرة الايرباص العملاقة 380.
وبالرغم من الوعي المبكر، فإن المتحدثين بلسان أكثر من شركة محلية ودولية، اعترفوا بأنه وبالرغم من وجود قلق لديهم ودراسات وأبحاث جارية على قدم وساق، إلا أنه لم يتم التوصل إلى تطبيقات تجارية متكاملة لحل أزمة تدفق البيانات بكميات هائلة والتي بدأت منذ بضع سنين تطل برأسها مع دخول تقنيات المحادثات عبر الفيديو باستخدام الانترنت والشبكات الداخلية وارتفاع معدلات تنزيل البيانات (الصور والفيديو والموسيقى والألعاب التفاعلية وغيرها) من الانترنت.
يبدو أن حقبة استخدام الحزمة العريضة من أجل تصفح الانترنت أو إرسال البريد الالكتروني أو نشر بعض السطور على المواقع الالكترونية، قد ولت من غير رجعة، وأن حقبة الوسائط المتعددة ستسيطر على الانترنت إلى أجل غير مسمى، لأن خدمة مثل (يو تيوب) أثبتت بنسبة 100% أن مستخدم الانترنت التقليدي يريد مشاهدة الفيديو والتلفزيون على الانترنت أكثر من أي وسيلة أخرى.
لقد أظهرت الإحصاءات أن 63% من 21 مليون بريطاني زاروا مواقع تقدم خدمات التلفزيون والفيديو والأفلام خلال شهر أكتوبر الماضي، بزيادة قدرها 28% عن العام الماضي، وأنهم قضوا وقتا أطول بنسبة 91% مقارنة بنفس الفترة على تلك المواقع.
ولا تختلف الصورة في دولنا العربية عنها في أوروبا، لاسيما أن أكثر المواقع زيارة في الإمارات خلال 2007 تلك التي تقدم خدمات الفيديو والموسيقى والنغمات والدردشة ونشرات الأخبار الحية.
ولعل التجربة الكورية الجنوبية أصدق مثال على ما سبق، فهي الأمة الأكثر تقدما عالميا من حيث توفير خدمة إنترنت النطاق العريض، فالعجائز وربات البيوت في المدن الكورية يتمتعن بإنترنت تتراوح سرعتها ما بين 50 و100 ميغا بت في الثانية.
ويرى بعض الخبراء أن اخطر ما ستواجهه صناعة الترفيه في السنوات القليلة المقبلة هو انتقال شريحة مستهلكيها من الأريكة المريحة أمام التلفاز إلى شاشات الكمبيوترات المكتبية والمحمولة والهاتف النقال.
كما أن سرعة 100 ميغا بت في الثانية ستمكن البوابات الاجتماعية التي تمثل حياة أخرى على الانترنت في نظر المهووسين بها على الأقل، من تقديم خدمة الدردشة التفاعلية عبر الفيديو عالي الدقة، ولعل ما يؤخر هذه الخطوة هو الحيرة بين مجانيتها أم لا.
وفي سؤال وجهته عبر أحد المواقع الحوارية، هل ترغب في استخدام إنترنت النطاق العريض وما هي السرعة التي ستختارها، جاءت الإجابة: نعم وكانت السرعة المفضلة 100 ميغا بت في الثانية على الأقل.