غالباً ما نجري ونلهث وتستهلكنا الدوامات العنيفة من متطلبات الحياة اليومية، ولا يتبقى لنا من جهد أو أعصاب أو فضول لننظر حولنا أو تحت أقدامنا لنرى ونكتشف أننا بالفعل نسينا أنفسنا. الأهم ما نسيناه من قيم وأخلاق .
وتقاليد دفنتها عجلات عصرنا المدفوع كالحصان الجامح الذي أخفى مع إيقاعه المجنون البراءة والتلقائية اللتين تغسلان همومنا بعد يوم مرهق، نعود بعده إلى منازلنا، وأبناؤنا بين أحضاننا نزرع فيهم الدفء والحب والأمان.. ترى هل بالمشاعر فقط نستطيع حماية هذا الجبل من العنف والقتل والدمار والدم والمخدرات؟!
عندما ظهرت السينما للوجود في العام 1886 على يد الأخوين لوميير وقدمت تجاربها الأولى مثلت وقتها بالتأكيد بداية عصر جديد للون فريد من الفنون، وما هي إلا سنوات واستطاعت الشاشة الكبيرة أن تجسد أحلام الإنسانية الصغيرة والكبيرة، أقصد الفردية والجماعية.
وقدمت السينما في الثلاثينات سواء في أميركا أو أوروبا الأعمال الروائية الكبرى لعمالقة الأدب العالمي أمثال فيكتور هوغو وتشارلز ديكنز وتولستوي وديستوفسكي وغيرهم كثير، هذا بخلاف المعالجات السينمائية التي لا حصر لها لأساطير الأدب الإغريقي مثل «أوديب» لسوفوكليس و«الضفادع» لأرستوفانز،
وكذلك لرائد المسرح الإنجليزي وليام شكسبير وخاصة أعماله الشهيرة مثل هاملت وتاجر البندقية وماكبث وكليوباترا وعطيل. في تلك السنوات الأولى من تاريخ السينما أجمع كثير من المفكرين والفلاسفة وكذلك الجمهور العام على أن هذا الفن الجديد نافذة مراقبة للحياة تعكس بشكل مباشر أو غير مباشر أحلام وواقع البشرية التي تحياها.
هذه النظرة تجسدت بقوة عندما بدأت تيارات الواقعية بالسينما الإيطالية على يد المخرج العبقري «انطونيو فيلليني». وبمقارنة سريعة بين ما قدمته السينما العالمية في بداياتها وما تقدمه الآن نرى أنها في حاجة لمن يعزّيها على هذا التدهور الفكري وأحياناً الفني الذي نعيشه.
وقد يقول البعض كيف يمكن تصور تدهورها وهناك من الأفلام الأميركية ما يحقق عوائد تصل إلى 600 مليون دولار داخل أميركا فقط؟ المسألة من وجهة نظري ليست فيما تحققه السينما اليوم من أرباح ولكن هل تربح السينما اليوم على مستوى الفكر الإنساني الرفيع؟
للأسف أن خطر انتشار أفلام العنف والقتل والتدمير والإغراء، بات يهدد المجتمعات الأوروبية والأميركية بقوة إلى الحد الذي جعل «بيل كلينتون» الرئيس الأميركي الأسبق يخاطب نجوم هوليوود من المنتجين والفنانين إلى التقليل من موجات العنف والجنس في السينما، لأنها تساعد على تهيئة الحياة لاكتساب تلك القيم الخطيرة والتعايش معها، ما يهدد وينذر بالكثير من الأخطار.
كثيرون اختلفوا حول دور السينما وهل هو مؤثر وقادر على صنع سلوكيات جيدة أو طمس سلوكيات وقيم قائمة، واتفق آخرون أيضاً من علماء الاجتماع والإعلام على أن السينما كأحد الفنون القوية التأثير قادرة بالفعل على أن تفتت الكثير من القيم الإيجابية إذ اقتصر ما تقدمه على طرح القيم السلبية.
من ينظر اليوم لأفلام العنف والقتل في السينما الأميركية بالذات سيجد العجب، حيث يتخلل الفيلم الواحد خلال ساعتين ما بين خمسين إلى سبعين مشهد قتل، وهذا وحده يكفي لجعل سلوك العنف سائداً في أوساط الشباب وعادياً بين الأطفال.
إن السينما للأسف خلال قرن مضى أطفأت آلاف الشموع في نفوس قطاعات عريضة من الشباب في العالم، بدأ إدمانهم للعنف والمخدرات وكثير من الرذائل من خلال التقمص الذاتي للشخصيات التي يلعبها نجوم ونجمات السينما.
كلام ساكت
كل حلم له وقت وله طريقة، ويجب أن تحدد حلمك بوضوح شديد ثم تسعى لتوفير الوقت المناسب لتبدأ في رحلتك إليه.