كما دعم صعود النفط انحسار المخاوف من أن ركودا اقتصاديا في الولايات المتحدة قد يقلص الطلب على الخام في أكبر مستهلك للطاقة في العالم. وقال أحد المتعاملين «الخطة تساعد على دعم الأجواء في مختلف أسواق السلع الأساسية». وجاء انتعاش النفط أيضاً مع تراجع الدولار الأميركي مقابل اليورو بعد أن قال رئيس البنك المركزي الأوروبي كلود تريشيه إن بعض المحافظين في البنك كانوا يحبذون زيادة أسعار الفائدة.
وفي إحدى مراحل التداول كان الخام الأميركي الخفيف للعقود تسليم يناير مرتفعا خمسة سنتات عند 28 .90 دولاراً للبرميل بعد أن سجل قفزة بلغت 74 .2 دولار في سوق نيويورك أول من أمس الخميس. وارتفع خام القياس الأوروبي مزيج برنت 15 سنتا إلى 18 .90 دولاراً للبرميل.
وأوقف الانتعاش خسائر حادة مني بها النفط منذ أن سجل أعلى مستوى له على الإطلاق قرب 100 دولار للبرميل أواخر الشهر الماضي والتي أثارها تزايد الشكوك بشأن قوة الاقتصاد الأميركي. لكن في الجانب الآخر حرك المخاوف المتعلقة بالإمدادات وعزز من الانتباه إلى إنتاج منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» التي اتفقت خلال اجتماع استثنائي لها في أبوظبي الأسبوع الماضي على إبقاء مستويات الإنتاج دون تغيير متجاهلة مطالب الدول المستهلكة بضخ مزيد من الخام لكبح جماح الأسعار ووقف تناقص المخزون.
إلا أن محللين يقولون إن وفاء الإكوادور بالحصة التي قررتها لها المنظمة ربما يقلل جزءاً من المخاوف. وفي هذا الصدد قال جالو شيريبوجا وزير النفط الإكوادوري إن بلاده سيمكنها الوفاء بالحصة الإنتاجية التي خصصتها لها منظمة أوبك وهي 520 ألف برميل يوميا حتى بعد أن تعطل الإنتاج الأسبوع الماضي بسبب احتجاج في منطقة الأمازون.
وأوضح «طلبنا 530 ألف برميل يومياً وحصلنا على حصة أقصاها 520 ألف برميل يومياً وتلك حصة مريحة لنا بالنظر إلى الإنتاج المستهدف العام المقبل». وكانت الأكوادور اصغر عضو في منظمة أوبك عادت للانضمام إلى صفوف المنظمة في نوفمبر بعد أن تركتها عام 1992. وفقدت شركة النفط الحكومية بترواكوادور أكثر من 103268 برميلا من النفط الخام الأسبوع الماضي خلال احتجاج لقرويين فقراء في إقليم اوريلانا يطالبون بمزيد من التمويل لمشروعات البنية الأساسية.
وفي إطار الجدل الدائر حول سياسات أوبك قال وزير النفط الجزائري شكيب خليل إنه قد يتعين على المنظمة خفض إنتاج النفط في العام المقبل إذا تباطأ الاقتصاد الأميركي بدرجة أكبر من المتوقع لكن خليل الذي سيتولى رئاسة أوبك من يناير المقبل أبدى تفاؤلا بأن الولايات المتحدة اكبر مستهلك للطاقة في العالم ستتجنب الدخول في حالة ركود. وقال «إذا دخلت أميركا في حالة ركود فإن احتمالات خفض الإنتاج ستزيد».
وقال روي ماسون المحلل في صناعة النقل البحري إن صادرات أعضاء منظمة أوبك من النفط الخام ماعدا العضو الجديد انجولا ستقفز 380 ألف برميل يوميا خلال فترة الأربعة أسابيع التي تنتهي في 22 من ديسمبر لتسجل ثاني أعلى إجمالي للصادرات هذا العام. وأوضح أن صادرات أعضاء أوبك المحمولة بحرا سترتفع في فترة الأربعة أسابيع في المتوسط إلى 54 .24 مليون برميل يومياً من 16 .24 مليون برميل في الفترة حتى 24 من نوفمبر.
وأضاف انه بهذه الزيادة تصبح الصادرات أقل بمقدار 45 ألف برميل يومياً من أعلى مستوى للإمدادات الذي سجل في 20 من يناير وان معظم الزيادة في الصادرات ستتجه إلى زبائن في آسيا لا إلى مصاف غربية. وكانت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية قد أظهرت انخفاض مخزون الولايات المتحدة من النفط الخام بأكثر مما كان متوقعا مع تراجع الواردات. وكان هذا ثالث هبوط أسبوعي لها على التوالي. وأظهرت البيانات أن مخزون الخام هوى ثمانية ملايين برميل إلى 2 .305 ملايين برميل في الأسبوع المنتهي في 30 نوفمبر مخالفة متوسط تنبؤات المحللين بهبوط قدره 800 ألف برميل.
المنتجون يتبنون استراتيجية مجاراة الواقع
بدا أن أوبك باتت أكثر اقتناعاً بالمضي قدماً في استراتيجية مماشاة الأسواق، والتعامل مع واقع تكتنفه المضاربات والتحولات غير المنطقية في أسواق النفط. وقال مسؤولون إن وزراء المنظمة غير قلقين من مستوى أسعار النفط عند نحو 86 دولارا للبرميل وراضون عن تلبية احتياجات المستهلكين من الوقود ومستفيدون من اقتراب الأسعار من أعلى مستوياتها على الإطلاق ولا يملكون سلطة التأثير عليها. وبعد أن أبدت أوبك قلقها من ارتفاع الأسعار مقتربة من مئة دولار للبرميل الشهر الماضي لم تستجب المنظمة في اجتماعها الأخير بأبوظبي لدعوات المستهلكين بأن تضخ المزيد من النفط.
وفي هذا السياق قال مسؤول من أوبك «نحن مهتمون بمسألة السعر لكن ذلك لا يؤرقنا. جاء وقت كنا نعتقد فيه ان سعر ما بين 60 و70 دولارا للبرميل مرتفع للغاية. لكننا الآن لا يمكننا السيطرة على الأسعار. ما يمكننا عمله هو ما نجيده وهو الحفاظ على إمدادات كافية في السوق». وسعت أوبك لمنع ارتفاع أسعار النفط بدرجة كبيرة لتجنب التأثير سلبا على الطلب.
لكن الوزراء يقولون إنهم فقدوا قوة تأثيرهم على الأسعار مذكرين بما حدث في اجتماعهم السابق في سبتمبر الماضي عندما اتفقوا على زيادة الإنتاج بمقدار 500 ألف برميل يوميا اعتبارا من الأول من نوفمبر فواصلت الأسعار ارتفاعها منذ ذلك الحين. وقال مندوب من أوبك معلقا على عدم رفع المنظمة لإنتاجها «الوزراء سعداء بهذه الأسعار المرتفعة، في النهاية الأمر يتعلق أساسا بالإيرادات».
ومن المتوقع أن تحقق جميع الدول الأعضاء في أوبك باستثناء الأكوادور التي انضمت للمنظمة في نوفمبر إيرادات قدرها 658 مليار دولار هذا العام حسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية. والعديد من الدول المنتجة للنفط تضخ ملياراتها في برامج اجتماعية ومشروعات من شق طرق إلى إقامة مراكز تجارية وشراء أصول في الخارج. وفيما يتعلق بالدول المستهلكة فإن التكلفة العالية للنفط لا تشكل انتكاسة كبيرة، حيث يرى البعض أن ذلك يدفعهم لتطوير بدائل وللترشيد.
ويعتقد وزراء أوبك أن العالم تغلب على ارتفاعات الأسعار. ويقول بعض المحللين إن سعر النفط قد يواصل ارتفاعه إلى مستوى مئة دولار للبرميل بعد قرار المنظمة مما قد يشكل قيودا على الاقتصاد. وقال وزير الدولة النيجيري لشؤون النفط أودين اجوموجوبيا «وردت بعض الإشارات عن تباطؤ النمو في الولايات المتحدة لكن لم يرصد هذا الاتجاه في آسيا. ففي حين تأثر طرف لم يظهر أي أثر على طرف آخر ولا أعتقد أن الأثر كبير فيما يتعلق بالتباطؤ الاقتصادي».
ويقول المحللون إن العالم يتأقلم بشكل جيد مع ارتفاع الأسعار لأنها إذا ما عدلت حسب أسعار الصرف ومعدلات التضخم تظل أقل من مستوياتها في موجات ارتفاع سابقة. وتصر أوبك على أنها لا يمكنها السيطرة على الأسعار نظرا لتنامي دور العوامل التي لا تتعلق بالعرض والطلب. وفي هذا الإطار قال عبد الله البدري الأمين العام لأوبك «المضاربون يسيطرون على السوق. إنهم يعتبرون النفط من الأصول المالية». وأضاف «حتى يخرج هذا العامل من السوق سنرى هذه الاضطرابات يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر».
