جمهور مهرجان القرين انطلق هادراً للقاء طال انتظاره مع عملاق الغناء العربي صباح فخري، حيث الموعد المتجدد مع أروع ما يجود به فن الأداء العربي لعيون تراث الغناء وأيضاً الجديد الذي يروي الآذان والقلوب والأرواح في آن.

«البيان» استبقت لقاء الفنان صباح فخري مع جمهور المهرجان لتمد جسور الحوار مع الفنان الذي طالما فتن بغنائه أجيالاً من عشاق الطرب العربي الأصيل. حيث حرصنا على التطرق إلى جانب مهم، لم يلق عليه الضوء في حوارات أجريت في السابق معه، حيث تركز الحوار، هذه المرة، على البعد الروحي، الصوفي إن شئت، وكيف أنه يمد جانباً من الغناء العربي الصادق والأصيل بأروع ما فيه.

ـ لاحظ عشاق فنك أنك تهمس ـ كأنما تحدث نفسك بكلمات قلائل قبل أن تنطلق في رحاب اللقاء مع جمهورك، فما هي حكاية هذه الكلمات؟

ـ هذه الكلمات ليست من قبيل الصدفة، وإنما هي أقرب إلى ابتهالات ودعوات، استهل لقائي بها مع الجمهور، فعلى الرغم من كل هذه السنوات الطويلة من اللقاء مع الجمهور، فإن هذا اللقاء لاتزال له رهبته، ولاتزال هذه الكلمات الطالعة من القلب والمعطرة بأصداء ما في الروح من صدق وإيمان تشكل ضرورة لي، لابد أن أستهل بها كل لقاء جديد، فمن خلالها تهدأ النفس، وينشرح البال والخاطر، بما يتيح المجال للاستهلال كما أحبه وأتمناه.

ـ حديث الروح هذا ينقلنا إلى مناقشة موضوع مهم هو العلاقة بين الطرب العربي الأصيل كما تقدمه أنت وعدد محدود من المبدعين العرب وبين ما تركته لنا أجيال من الصوفية والمقرئين العظام للقرآن الكريم. فما هي رؤيتك للعلاقة بين هذين الجانبين؟

ـ من تحت هذه العباءة بالضبط خرجت وخرج الكثيرون غيري، فمن قلب التقاليد الصوفية بدأت مسيرتي، وفي إطارها درجت، حقا إنني أضفت إلى ذلك دراسة الموسيقى دراسة علمية وفق أصولها العريقة، لكن النبع الديني الصافي هو الذي يمنحنا القدرة على أن ندخل الفرح والبهجة والانتعاش إلى قلوب الناس وأرواحهم.

ولنكن صريحين في هذا الصدد، فبرامج الكمبيوتر اليوم يمكنها أن تقدم موسيقى متقدمة، ولكن ما يخطب أعمق ما في الإنسان، ما يهزه ويحركه ويبعث فيه مشاعر الشجن والنشوة والفرح هو العطاء النابع من الروح، ومن هنا فإنني دائما أقول إن أعظم أساتذتنا هم المقرئون العظام، وبصفة خاصة أجيال العمالقة وفي مقدمتهم الشيخ محمد رفعت وأبو العينين شعيشع والمنشاوي ومن في طبقاتهم من المقرئين البارزين الذين قل أن يجود الدهر بأمثالهم.

ـ هل تقصد الحديث عن موهبة هؤلاء المقرئين وعبقريتهم في الأداء أم تقصد النبع الروحي ذاته الذي صدروا عنه؟

ـ أقصد الأمرين معاً، فهذا النبع الروحي هو الذي أعطى لكل المطربين العظام قدرتهم على إسعاد الناس وملء حياتهم بالفرح والبهجة، والصدور عن هذا النبع هو ذاته الذي جعل فيروز ووديع الصافي يبقيان في حين غربت شمس غيرهما، فهما قد بدآ من خلال الترتيل في الكنيسة وهو ما أضفى عليهما هذه الروحانية العذبة التي دامت أبدا.

ومن ناحية أخرى فإن هؤلاء المقرئين العظام الذين أشرت إلى بعضهم والذين تتلمذنا على أيديهم كانت لهم عبقريتهم في الأداء، فالفن يمكن ان يبرزها كل من تعلم أصول الأداء، ولكن هؤلاء العمالقة كانت لهم طرقهم الفريدة في إبرازها، والمد لديهم لا يمكن وصفه إلا بأنه نسيج وحده، فريد، لا يتكرر، وقلما يجود الزمان بمن يؤدونه على مثل هذا القدر من العبقرية والعظمة.

ـ إذن ما هي رؤيتك للفن الذي يقدم هذه الأيام؟ وما الذي يمكننا أن نفعله حياله؟

ـ لقد طرح علي هذا السؤال مرات عدة، وفي كل مرة كنت أتمسك بالإجابة ذاتها، وهي نفسها سؤال في حد ذاته، وهي أي فن تقصد؟ الذي يرى؟ أم الذي يسمع؟ والواقع أنني لا استطيع ان افهم، دع جانباً ان أتعاطف، مع تقديم المرأة، التي منحها الله الجمال لتضفي على حياتنا البهجة والإشراق، في اطار يوصف بأنه فني بينما هو يسيء إلى المؤدية والمتلقي على حد سواء، والخلاص هو كما قلت بالعودة إلى نبع الروح والى تقاليد الأصالة التي لا تتناقض مع التجديد بحال.

ـ هل تعتقد ان نوعية الفن التي تتحدث عنها هنا والتي تتمسك بها وتؤديها قادرة على مد الجسور إلى الأجيال الجديدة التي يميل بعض أبنائها إلى الضجيج في حد ذاته كوسيلة لملء الفراغ في الحياة؟

ـ لست أعتقد ذلك فحسب، وإنما أؤمن به بشدة، فالكثير من أبناء هذه الأجيال الجديدة تتذوق الفن الأصيل وتحرص عليه، والمهم ان يقدم لها في الاطار المناسب، القادر على ان ينقذها مما هي فيه، ومما يحاول البعض محاصرتها به من صنوف الإزعاج والتخريب التي توصف بأنها فن والفن منها ـ كما نعلم جميعا ـ براء.

الكويت ـ كامل يوسف