تخلت أسواق النفط عن استجابتها لقرار منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» القاضي بإبقاء إنتاجها على حاله خلال اجتماعها الذي عقدته في أبوظبي أول من أمس الأربعاء، وأصغت في تداولات الأمس أكثر إلى المخاوف الاقتصادية وبيانات أميركية أظهرت تراجعاً كبيراً في الواردات والمخزون.

وعادت الأسعار للتراجع مرة أخرى حيث سجل خام غرب تكساس المتوسط للعقود الآجلة تسليم شهر يناير المقبل 77. 86 دولارا للبرميل بانخفاض مقداره 72 سنتا عن سعر الإقفال السابق. وتراجع النفط بعد أن طغت علامات تباطؤ نمو الاقتصاد الأميركي على المخاوف من ان يفجر اتفاق منظمة أوبك وإبقاء مستويات الإنتاج دون تغيير أزمة طاقة في ذرة موسم التدفئة في الشتاء. وجاء هبوط النفط وسط مخاوف بشأن صحة الاقتصاد الأميركي لينزل السعر نحو 12% دون ذروة 29. 99 دولارا التي سجلها في 21 من نوفمبر.

وارتفعت أسعار النفط نحو 40% منذ أغسطس مدعومة بضعف الدولار ومخاوف بشأن تراجع مخزونات الخام ومشتريات صناديق المضاربة. واقتربت الأسعار من مستوى 100 دولار للبرميل لكنها تراجعت وذلك تحت ضغط المخاوف من انزلاق الولايات المتحدة أكبر مستهلك للنفط في العالم إلى الركود.

وفي خطوة تبدو تطمينية للأسواق قال وزير النفط الجزائري شكيب خليل ان أوبك قد تحتاج لخفض إنتاج النفط في العام المقبل إذا ضعف الاقتصاد الأميركي بدرجة أكبر من المتوقع. لكن خليل الذي سيتولى رئاسة أوبك اعتبارا من يناير المقبل ابدا تفاؤلا بأن الولايات المتحدة اكبر مستهلك للطاقة في العالم ستتجنب الدخول في حالة ركود.

وأوضح بعد يوم من اجتماع أوبك «اذا حدث ذلك، إذا دخلت في حالة ركود فإن احتمالات خفض الإنتاج ستزيد». ورأى خليل ان الاقتصاد الأميركي أكبر اقتصاد في العالم يحقق اداء أفضل من المتوقع بفضل خفض أسعار الفائدة وضعف الدولار مما جعل صادراتها أرخص سعرا. وأضاف «اذا استمر هذا الاتجاه فإننا قد لا نخفض الإنتاج، الاقتصاد الأميركي وأداؤه في العام المقبل، هو شاغلي الأول».

وقال خليل المستشار النفطي السابق للبنك الدولي ان هناك اعتقادا سائدا على نطاق واسع أن الولايات المتحدة تواجه احتمال التعرض لحالة من الركود بنسبة 40%. وأضاف «اذا حدث ذلك سيتراجع الطلب، ليس بالضرورة في الأجل القصير ولكن خلال الربع الثالث أو الأخير من العام. وأكد ان أوبك تضخ ما يكفي لتلبية الطلب العالمي وتوقعات الطلب في الربع الأول من عام 2008 تعادل مستواها في الأشهر الثلاثة الأخيرة من هذا العام.

ومن المتوقع ان يتراجع الاستهلاك موسميا في الربع الثاني بعد ان يبلغ ذروته في فصل الشتاء في النصف الشمالي من الكرة الأرضية. وعندما كان سعر النفط عند مستوى 76 دولارا للبرميل في سبتمبر الماضي اتفقت أوبك على زيادة إنتاجها بمقدار 500 ألف برميل يوميا اعتبارا من الأول من نوفمبر. وارتفعت الأسعار منذ ذلك الحين بنسبة 18%.

وقال خليل «هذا القرار لم يكن يهدف إلى خفض الأسعار، هذا ليس هدف أوبك. الشاغل الحقيقي كان انه لم يكن هناك إمدادات كافية في السوق. حتى مع زيادة الإمدادات ارتفعت الأسعار. السعر لا صلة له بالعرض والطلب». وحذر خليل من أن الطلب على النفط قد يبلغ ذروته ليبدأ بعدها في التراجع على المدى الطويل مع زيادة ترشيد استخدام الوقود استجابة للارتفاع القياسي في أسعار الطاقة.

وتحفظت أسواق النفط في ردة فعلها على قرار أوبك بالإبقاء على سقف الإنتاج وهو 5. 31 مليون برميل يوميا دون تغيير، كما أن انخفاض كميات المخزون الاحتياطي الأميركي من النفط الخام أثار المخاوف ولكنه لم يؤد إلى ارتفاع كبير في الأسعار.

وقالت إدارة معلومات الطاقة الأميركية إن مخزون الولايات المتحدة من النفط الخام هبطت أكثر مما كان متوقعا الأسبوع الماضي إلى أدنى مستوى لها منذ مارس عام 2005 مع تراجع الواردات. وكان هذا ثالث هبوط أسبوعي لها على التوالي. غير ان تقرير الإدارة اظهر زيادة اكبر كثيرا من المتوقع لمخزون البنزين المحلي الأسبوع الماضي وكذلك زيادة مفاجئة غير معتادة لمخزون منتجات التقطير التي تتضمن زيت التدفئة.

وأظهرت البيانات أن مخزون الخام هوى ثمانية ملايين برميل إلى 2. 305 ملايين برميل في الأسبوع المنتهي في 30 من نوفمبر مخالفة متوسط تنبؤات المحللين في استطلاع لرويترز بهبوط قدره 800 ألف برميل. وجاء الهبوط في حين نزلت واردات الخام الإجمالية 980 ألف برميل يوميا إلى 37. 9 ملايين برميل يومياً.

وقالت الإدارة ان معظم الهبوط في المخزون حدث في منطقة ساحل الخليج الأميركي حيث تراجعت الإمدادات بمقدار 527 ألف برميل الأسبوع الماضي. وزادت مخزونات المقطرات مثل زيت التدفئة وزيت الديزل على غير المتوقع 4. 1 مليون برميل إلى 3. 132 مليون برميل. وكان محللون تنبأوا بهبوط قدره 3. 0 مليون برميل.

غير ان مخزونات زيت التدفئة الأسبوعية في الولايات المتحدة هبطت 1. 1 مليون برميل إلى 6. 43 مليون برميل مع انخفاض درجات الحرارة في منطقة شمال شرق الولايات المتحدة اكبر سوق لزيت التدفئة في العالم. واضاف التقرير ان مخزونات البنزين زادت 0. 4 ملايين برميل إلى 6. 200 مليون برميل مقارنة مع تنبؤات المحللين بزيادة قدرها 9. 0 مليون برميل.

وقالت الإدارة ان معدل تشغيل المصافي بقي دونما تغير 4. 89% من طاقتها الإنتاجية في الولايات المتحدة مقارنة مع تنبؤات المحللين بزيادته 2. 0 نقطة مئوية. وفي ذات الإطار قال معهد البترول الأميركي في تقرير منفصل ان مخزونات الولايات المتحدة من النفط الخام هبطت ثمانية ملايين برميل الأسبوع الماضي بينما زادت مخزونات البنزين 6. 3 ملايين برميل وزادت مخزونات المقطرات 744 ألف برميل.

وحددت أوبك مستويات الإنتاج المستهدفة لأحدث أعضائها أنغولا التي انضمت في يناير والإكوادور التي عادت الشهر الماضي بعد 15 عاما على خروجها من المنظمة. وتقول مصادر في الصناعة ان أنغولا ثاني أكبر منتج في افريقيا جنوبي الصحراء تضخ نحو 8. 1 مليون برميل يوميا قد تزيد إلى مليوني برميل يوميا الشهر المقبل على أقرب تقدير.

ورغم أنها قد تضخ أكثر من المستوى المستهدف في بعض الأحيان الا أن متوسط الإنتاج سيظل في حدود 9. 1 مليون برميل يوميا. وقال ديسيدريو دا كوستا وزير النفط الأنغولي ان بلاده ستلتزم بالمستوى الذي حددته المنظمة لإنتاجها من الخام عند 9. 1 مليون برميل يوميا رغم أن بدء تشغيل حقول جديدة قد يرفع طاقتها الإنتاجية لأكثر من هذا. وأوضح «لا نحتاج لإنتاج هذا القدر، نستطيع تغيير إنتاجنا في كل مرة. لسنا بحاجة لتبديده كله، نستطيع ادخار ذلك».

وفي سياق متصل قالت وكالة الطاقة الدولية ان قرار أوبك بإبقاء الإنتاج بلا تغيير قد لا يفعل شيئا لتخفيف قلق السوق من شح إمدادات المعروض في السوق. وقال نوبو تاناكا المدير التنفيذي للوكالة في بيان «عدم تبني المنظمة قرارا رسميا بزيادة الإنتاج قد لا يفعل شيئا لتهدئة القلق الحالي في السوق».

وكانت الوكالة التي يوجد مقرها في باريس قد تصدرت النداءات المطالبة بزيادة إنتاج اوبك لمنع نقص الإمدادات في الشتاء. وقالت الوكالة انه على الرغم من ان إنتاج أوبك الإجمالي أعلى كثيرا من المستوى الذي قضى به قرارها في سبتمبر بزيادة الإنتاج، وان مزيدا من النفط قد يكون في الطريق إلى السوق في ديسمبر فإن هناك بواعث للقلق بشأن مدى استمرارية بعض من ذلك المعروض.

وأوضح تاناكا «الطلب في الشتاء متغير مثل الجو ومن الواضح ان السوق تشعر بالقلق لفقدانها بعضا من غطاء المخزونات في الأشهر الأخيرة ومع اقتراب الأسعار من 90 دولارا للبرميل فإنها تبلغ المنتجين انها تريد ان ترى عودة تلك المرونة».

صور جوية تدحض نظرية تراجع الاحتياطات النفطية

قالت مؤسسة بحوث بيرنشتاين ان صورا التقطتها الأقمار الصناعية قد تفسد نظريات تذهب إلى القول أن أكبر حقل نفطي في العالم في السعودية يتجه إنتاجه إلى التراجع. وكانت قفزة في عمليات الحفر في السنوات الأخيرة في حقل غوار النفطي العملاق أثارت مخاوف ان تكون السعودية تكافح للمحافظة على إنتاجها النفطي.

وأذكى نظريات «الذروة النفطية» التي تقول ان الإنتاج العالمي من النفط يتجه إلى الانخفاض. غير ان صور القمار الصناعية تظهر ان جزءا كبيرا من أنشطة الحفر تركز على مشروعين توسعيين كبيرين لشركة النفط الحكومية أرامكو بدلا من أن يتركز على إبقاء إنتاج الأجزاء القديمة من الحقل عن طريق أساليب الاستخراج المعزز.

وورد في المذكرة البحثية «أغلب الزيادة في النشاط في حقل غوار يمكن تفسيرها عن طريق مشروعين عملاقين لاستخراج سوائل الغاز الطبيعي في حرض-3 والحوية اللذين لم يكن المقصود منهما ان يكونا علاجا سريعا للهبوط السريع المفترض لإنتاج غوار». وأشارت إلى أن التقرير كان تحليلا أوليا لبيانات الأقمار الصناعية من عام 2004 إلى 2007 ومن المتوقع صدور النتيجة الختامية للدراسة في الأشهر المقبلة.

وأضاف التقرير أن النظريات القائلة بان غوار سيسقط قريبا في دوامة الهبوط قد تكون قائمة على بيانات قليلة او ناقصة من هذه الدولة العضو في منظمة اوبك عن حالة قطاعها النفطي. وأوضح «في غياب بيانات دقيقة ومفصلة بشأن ما تقوم به أرامكو السعودية ومع سوء الفهم لمعدلات الهبوط الحالية في غوار فإن كثيرا من نظريات المؤامرة قد ثارت وتجادل تلك النظريات بأننا على حافة ذروة الإنتاج العالمي للنفط».